عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-01-2017 - 09:02 AM ]


السياق عند النحاة:
إن كلمة السياق من الألفاظ التي استخدمها القدامى من النحاة بمدلولها اللغوي العام(64)، ولم تكن تحمل المفهوم الاصطلاحي الذي أصبح شائعا فيما بين علماء اللغة المحدثين وبخاصة الدلاليون منهم.
وحول اهتمام النحاة بالعوامل الاجتماعية في اللغة، يقرر الدكتور كمال بشر(65): أنهم لم يقتصروا على النظر في بنية النص اللغوي، كما لو كان شكلا منعزلا عن العوامل الخارجية التي تلفه وتحيط به، وإنما أخذوا مادتهم اللغوية - على ما يبدو من معالجتهم لها - على أنها ضرب من النشاط الإنساني الذي يتفاعل مع محيطه وظروفه، كما فطنوا إلى أن الكلام له وظيفة ومعنى في عملية التواصل الاجتماعي، وأن هذه الوظيفة وذاك المعنى لهما ارتباط وثيق بسياق الحال أو المقام وما فيه من شخوص وأحداث.ظهر هذا كله في دراستهم وإن لم ينصوا عليه مبدأ من مبادئ التقعيد، أو أصلا من أصول نظريتهم اللغوية.
ولقد تعرّض أحد الباحثين(66) إلى دراسة السياق عند النحاة واللغويين، فذكر أن النحاة اعتمدوا - في مرحلة تدوين النحو وتقعيده - على السياق الجزئي المتمثل في الشواهد الشعرية والنثرية المعزولة عن نصوصها، وضربوا صفحا عن النصوص الكاملة الموثوق بها نحو القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وهو منهج لا غبار عليه، إذ كان هدفهم الوصول إلى الصحة النحوية إلا أنه في بعض الأحيان يصبح الاعتماد على السياق الجزئي أمراً غير موفق؛ لأنه يؤدى إلى فهم غير صحيح. وخَلُص هذا الباحث من دراسته للسياق عند النحاة واللغويين إلى نتائج(67):
أولها: أن فكرة السياق بشقيه اللغوي وغير اللغوي لم تكن لتمثل نظرية متكاملة المعالم في الدرس النحوي، كما هي الآن في الدراسات اللغوية الحديثة، ومع ذلك فإننا لانعدم وجود إشارات ذكية ومتقدمة،غير أنها متناثرة في دراساتهم وبحوثهم، ولم تجمع في إطار نظري موحد.
ثانيها: أن النحاة اعتمدوا على السياق اللغوي بمعناه الضيق المتمثل في الشاهد النحوي أو التركيب في بيان الوظيفة النحوية، وعند تعذر ظهور العلامة الإعرابية اعتمدوا على قرائن أخرى تشير إلى تلك الوظيفة. مع عدم إغفال أنّ بعض النحاة اهتموا بسياق النص - بالمفهوم الحديث، ومنهم الفراء (ت 207 هـ) الذي عدّ القرآن نصا واحداً، ونظر إلى القراءة القرآنية على أنها جزء من سياق النص، ويتمثل هذا أيضا في ابن السيد(ت521 هـ) الذي درس شواهد أدب الكاتب المفردة من خلال إعادتها إلى نصها.
ثالثها: أنّ النحاة واللغويين عرفوا ما يسمى في الدراسات الحديثة بسياق الموقف، و أطلقوا عليه " الحال " أو " الحال المشاهدة "، وكانت لهم في هذا الجانب إسهامات واضحة حيث تحدثوا عن أطراف الموقف اللغوي - متكلم ومخاطب، وموضوع الحديث، والعلاقة المعرفية بينهما. وبناء على ذلك، فإن "دلالة الحال " عند النحاة تكاد تقترب من مفهوم " سياق الموقف " في الدراسات الحديثة.
ولكن ما ذهب إليه هذا الباحث قد يكون فيه غبن للنحاة الأوائل وبخاصة إذا تأملنا آراء الخليل بن أحمد (ت 175 هـ) - كما يتضح من كتاب تلميذه سيبويه - حيث يتضح منها أنه من أوائل النحاة الذين اعتمدوا على السياق اللغوي في دراسته للتراكيب النحوية، كما يعتبر من الرواد الذين اهتموا بعناصر سياق الموقف المتمثلة في المتكلم والمخاطب والعلاقة بينهما، وعلم المخاطب بالمعنى إلى غير ذلك مما يرتبط بالمقام.
فمن أمثلة اعتماد الخليل على " السياق اللغوي " ما نسبه إليه تلميذه في معرض تحليله لقول الشاعر(68):
إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَني ولو تغرَّبتُ عنها أُمَّ عَمّارِ [ البسيط ]
" قال الخليل رحمه الله: لماّ قال (هيجّني) عرف أنّه قد كان ثَمَّ تذكُّرٌ لتَذكرةِ الحمام و تهييجه، فألقى ذلك الذي قد عُرف منه على (أمّ عمّارٍ)، كأنه قال: هيجني فذكّرني أمّ عمّارٍ. ومثل ذلك أيضا قول الخليل رحمه الله، وهو قول أبى عمرو: ألا رجلَ إماّ زيداً وإما عمرا؛ لأنه حين قال: (ألا رجلَ)، فهو متمنٍ شيئا يسأله ويريده، فكأنه قال: اللهمَّ اجعله زيداً أو عمراً، أو وفِّقْ لي زيدا أو عمراً "(69).
ومعنى كلام الخليل، أن الشاعر إنما نصب (أم عمار) بفعل دلّ عليه السياق اللغوي (أو سياق الموقف)، وذلك عند توجيه النصب في قولك: انْتَهِ خيراً لك(70)، فيقول:" نصبته؛ لأنك قد عرفت أنك إذا قلت له: (انته)، أنك تحمله على أمرٍ آخر، فلذلك انتصب، وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمولٌ على أمرٍ حين قال له: انته، فصار بدلاً من قوله: ائت خيرا لك، وادخل فيما هو خيرٌ لك"(71).
وهكذا يتضح بجلاء اعتماد الخليل على شقَّي السياق في بيان ما عرض لمبنى التركيب وبيان دلالته، أما السياق اللغوي: فقد اتضح من نصبه (خيراً) بفعل مضمر دلّ عليه ما قبله وهو (انته)، كما يمكن تفسير عدم نصبه لكلمة (خيرا) بالفعل (انته) بالاعتماد على الفاصلة الصوتية والوقف على الفعل (انته)(72) وهى من عناصر السياق اللغوي كذلك.
وأما (سياق الموقف)، فنجده مُمَثلاً في علم المخاطب بغرض المتكلم وموضوع الكلام، و تعليله حذف الفعل بكثرة استعمالهم لهذا التركيب، وهى - أي علة كثرة الاستعمال - من العلل الدلالية إذ تؤدى إلى علم المخاطب بالمعنى ووضوح الدلالة لديه.
واعتمد على " إرادة المتكلم " في توجيه ما انتصب على (التعظيم والمدح) في نحو (الحمد لله أهلَ الحمد)(73)، و" زعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدِّث الناس ولا مَنْ تخاطب بأمرٍ جهلوه، ولكنّهم قد علموا مِنْ ذلك ما قد علمتَ، فجعلته ثناء وتعظيما"(74).
كما اعتنى الخليل بالعلاقة بين المتكلم و المخاطب، وذلك عند الحديث عن أن (قد) جواب لمن قال: لماّ يفعل، فتقول في الجواب: قد فَعَل. " و زعم الخليل أن هذا الكلام لقومٍ ينتظرون الخبر "(75)، فالمخاطب في حاجة إلى تأكيد الجواب، و هنا لابد من أن يراعى المتكلم حال المخاطب(76)، فيستخدم (قد) التي تفيد التأكيد مع الماضي.
وسأل سيبويه الخليل عن قوله تعالى " حتى إذا جاءوها وفُتِحَتْ أبوابُها "(77) وعن قوله تعالى: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرَوْنَ العذاب "(78)، وقوله:" لو ترى إذ وُقِفُوا على النار "(79)، فقال الخليل: " إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم، لعلم المخبر لأيِِِّّ شيءٍ وضع هذا الكلام "(80). قال أبو على الفارسي: " قال أبو العباس: حذف الجواب في مثل هذا الموضع أفخم؛ لأن المخاطب يتوهم كلَّ شيء، فإذا ذُكر شيءٌ بعينه حضره فهمُه "(81).
وهكذا، فإن هذه الأمثلة الواردة عن الخليل وغيرها(82)، لا تدع مجالا للشك في أن الخليل اعتمد اعتماداً واضحا على السياق اللغوي وغير اللغوي في تقعيده النحوي وبيان مبنى التراكيب ودلالاتها. وإذا كان الخليل - في هذه الفترة المبكرة من التقعيد النحوي - قد استخدم السياق بشقّيه في بيان دلالة التراكيب على هذا النحو العلمي المبهر، فمن الطبيعي أن يستفيد النحاة من بعده بهذه النظرات الثاقبة، وهذا ما سيتضح بجلاء عند سيبويه.
فقد أولى سيبويه (ت 180 هـ) كلا من (السياق اللغوي) و(سياق الحال) اهتماما كبيرا وسأعمد فيما يلي إلى بيان بعض عناصر السياق اللغوي وسياق الحال عنده، مع بيان أثر هذين السياقين في مباني التراكيب، من حيث الذكر والحذف، أو التقديم والتأخير، أو التوجيه النحوي والحكم بصحة التركيب أو إحالته.
يتضح ذلك من استعانته " بالسياق اللغوي " بكثرة في بيان أحد العناصر المحذوفة في التركيب، فمن ذلك الاستغناء عن تكرار (كلّ) في قول الشاعر:
أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا [ المتقارب ]
بجر (نارٍ) والتقدير (وكلَّ نارٍ) وذلك: " لذكرك إياه في أوّل الكلام، ولقلة التباسه على المخاطب "(83).
فقد اعتمد على عنصر لغوى ذُُكر في جملة سابقة للدلالة على العنصر المحذوف في الجملة الثانية، وجعل ذكر العنصر الأول سببا في عدم التباس المعنى على المخاطب.
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ: )" بل مِلّةَ إبراهيمَ حنيفا "(84)، " أي: بل نتَّبع ملّة إبراهيم حنيفا، كأن قيل لهم: اتّبعوا، حين قيل لهم: (كونوا هوداً أو نصارى) "(85)، " ومما ينصب أيضا على إضمار الفعل المستعمل إظهاره، قول العرب: حَدَّث فلانٌ بكذا وكذا، فتقول: صادقاً والله. أو أَ نشدك شعرا فتقول: صادقاً والله، أي: قاله صادقاً؛ لأنك إذا أنشـدك فكأنه قد قال كذا "(86)، أي أنّ السياق اللغوي المذكور قبله دلّ على الفعل المحذوف.
ومنه قوله تعالى: " والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم كتاب اللهِ عليكم"(87)؛ لأنه " لماّ قال: "حُرِّمتْ عليكم أمهاتُكم "(88) حتى انقضى الكلام، عَلِم المخاطبون أنّ هذا مكتوبٌ عليهم، مثبَّت عليهم، وقال (كتابَ اللهِ) توكيدا، كما قال: (صنعَ الله)، و كذلك: (وَعْدَ الله) "(89).
وإذا كان من السياق اللغوي النظر إلى طريقة ترتيب العناصر اللغوية داخل التركيب وما يترتب على ذلك من دلالات، فلقد أولى سيبويه هذا الترتيب عناية كبيرة واهتماما واسعا. ويفهم من كلامه أنّ التقديم على ضربين: ضرب يكون المقدَّم فيه على نية التأخير، وذلك إذا أبقيت المقدَّم على حكمه الإعرابي الذي كان عليه قبل التقديم، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو: ضرب عمرا زيدٌ، وتقديم الخبر على المبتدأ في نحو: منطلقٌ زيد. وضرب آخر لا يكون على نية التأخير، وإنما ينتقل المقدَّم من حكم إلى حكم ومن باب إلى آخر، ومثال ذلك أن صفة النكرة إذا تقدمت على الموصوف تحولت إلى الحال، وذلك قولك: هذا قائما رجلٌ. ومن ثم يقبح أيضا أن تقول: قائمٌ زيدٌ،إذا لم تجعل الخبر (وهو قائم) على نية التأخير؛ لأن حدّ الجملة الاسمية أن يتقدم ما هو بالابتداء أولى، وهو المعرفة(90).
يقول سيبويه عن قولك: (ضرب عبدُ الله زيداً): " فإن قدّمت المفعول وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيداً عبدُ الله؛ لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدما، ولم ترد أن تشغل الفعل بأوّلَ منه وإن كان مؤخرا في اللفظ. فمن ثم كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدّما، وهو عربّي جيد كثير، كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم "(91).
فهو في هذا النص يعتمد على دلالة العلامة الإعرابية في بيانها للفاعل والمفعول حتى مع التقديم والتأخير فقد لاحظ أن المعنى النحوي لزيد وعبد الله غير مختلف في كلتا الجملتين، وهذا يتضح من قوله: (جرى اللفظ كما جرى في الأول)، أي رفعت الفاعل (عبدُ الله) مع التأخير، ونصبت المفعول (زيداً) مع التقديم، وهذه العلامة الإعرابية من عناصر السياق اللغوي الدالة على الفاعل والمفعول في مثل هذه الجمل التي خالفت الرتبة الأصلية. ثم يربط سيبويه هذا التقديم بإرادة المتكلم - أو العرب؛ لأنك إنما أردت بالفاعل المؤخر ما أردت به مقدماً، ولم ترد أن تشغل الفعل بالمفعول وإن كان الفاعل مؤخرا في اللفظ، وهذا التقديم عربي جيد، بل كثير؛ لأن العرب تقدم الذي بيانه أهم وأعنى لهم، فقد اكتسبـوا من ذلـك ضربا من التوسع في الكلام.
ويؤكد على دلالة العلامة الإعرابية وتفريقها بين نائب الفاعل والمفعول، فيما بني للمفعول من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، نحو: (كُسِيَ عبدُ الله الثوبَ) و (أُعطىَ عبدُ الله المالَ)، فقد " انتصبَ الثوب والمال؛ لأنهما مفعولان تعدى إليهما فعل مفعولٍ هو بمنزلة الفاعل. وإن شئت قدّمت وأخرت، فقلت: كُسِيَ الثوبَ زيدٌ، وأُعطِىَ المالَ عبدُ الله،كما قلت: ضرب زيدا عبدُ الله. فأمره في هذا - أي أمر نائب الفاعل في التقديم والتأخير - كأمر الفاعل"(92).
ويتضح مما سبق أنّ ترتيب العناصر اللغوية داخل التركيب وما يطرأ عليه من تقديم أحد العنصرين على الآخر لا يسوّغه فقط السياق اللغوي، إنما يرجع ذلك أحيانا إلى سياق الحال والعوامل الخارجية التي تحيط بالحدث اللغوي، كالمتكلم وموقفه من العنصرين وتقديمه لما يراه محلّ العناية والاهتمام، وهو ما يظهر في عبارته المشهورة: (كأنهم إنما يقدّمـون الذي بيانـه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم).
وهكذا تنبّه سيبويه إلى أثر المتغيرات الخارجية في ترتيب عناصر الجملة، وكأنه يرسم بذلك لأبناء اللغة أن يساقوا بين هذه المتغيرات والوجوه الجائزة المناسبة عند استعمال اللغة(93).
ويؤكد سيبويه على دور العناية والاهتمام في تقديم المفعول على الفعل كذلك، فيقول: " وإن قدّمت الاسم فهو عربي جيد، كما كان ذلك(94)عربيا جيّدا، وذلك قولك: زيداً ضربتُ، والاهتمامُ والعناية هنا في التقديم والتأخير سواءٌ، مثلُه في: ضرب زيدٌ عمراً، وضرب عمراً زيد "(95).
ويبدو أنّ ابن جني لم يأخذ بالعلة التي ذكرها سيبويه بشأن التقديم والتأخير، بل ذهب إلى " أنّ المفعول قد شاع عنهم واطّرد من مذاهبهم كثرةُ تقدّمه على الفاعل، حتى دعا ذاك أبا علىّ إلى أنْ قال: إنّ تقدّم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه، كما أن تقدّم الفاعل قسم أيضا قائم برأسه، وإن كان تقديم الفاعل أكثر، وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا "(96)، أي أن المفعول لم يتقدّم للعناية والاهتمام به، وإنما " يصير تقديم المفعول لمّا استمرّ وكثر كأنه هو الأصل، وتأخير الفاعل كأنه أيضا هو الأصل "(97). ولعل ابن جني وأستاذه أبا على الفارسّي لمّا ذهبا إلى هذا الرأي إنما قصدا ذلك التقديم الذي لا يقتضى المقام حصوله(98)، بخلاف التقديم الذي نبّه إليه سيبويه، والقائم على ما في نفس المتكلم من معنى وما هو أهم لديه وهو به أعنى.
ويظهر أيضا أنّ عبد القاهر الجرجاني لم يستحسن علّة العناية والاهتمام التي جعلها سيبويه سرّ التقديم في التراكيب، فقال: " واعلم أنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجرى مجرى الأصل غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: (كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإنْ كانا جميعا يُهمّانهم ويعنيانهم)، ولم يذكر في ذلك مثالاً … فهذا جيدٌ بالغ، إلا أنّ الشأن فيّ أنه ينبغي أن يُعرف في كلِّ شيءٍ قُدّم في موضع من الكلام مثلُ هذا المعنى ويفسّر وجهُ العناية فيه هذا التفسير.وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفى أن يقال إنه قُدّم للعناية ولأنّ ذكره أهم، من غير أن يُذكر من أين كانت تلك العناية وبِمَ كان أهمّ.ولتخليهم ذلك قد صَغُر أمرُ التقديم والتأخير في نفوسهم وهوّنوا الخطب فيه حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلّف "(99).

رد مع اقتباس