عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-01-2017 - 08:55 AM ]


ويقول د. محمد على الخولي " سياق الموقف: السياق الذي جرى في إطاره التفاهم بين شخصين، ويشمل ذلك زمن المحادثة ومكانها والعلاقة بين المتحادثين والقيم المشتركة بينهما والكلام السابق للمحادثة "(35) فعناصر هذا المقام عديدة(36):
أولها: المتكلم نفسه: هل هو ذكر أم أنثى؟ واحد أم اثنان أم جماعة أم جمهور؟ وما هو جنسه ودينه وشكله الخارجي ونبرة صوته ومكانه الاجتماعي إلى آخر هذه الصفات التي تميزه عن غيره.
ومنها: المستمع، الذي ينطبق عليه كل ما سبق، و يشمل إضافة إلى ذلك علاقته بالمتكلم من حيث القرابة أو الصداقة أو المعرفة السطحية أو عدم المعرفة أو اللامبالاة أ العداوة، أو المركز الاجتماعي أو المالي أو السياسي … إلخ.
ومنها: موضوع الكلام، وفى أي جو يقال وفى أي مكان وأي زمان؟ وكيف يقال، وما الداعي لقوله، وغير ذلك من العناصر الكثيرة جدا التي يؤثر كل منها تأثيرا مباشرا على كيفية قول الكلام وعلى تركيبه وعلى معانيه وعلى الغرض من قوله.
ومنها: أثر النص الكلامي في المشتركين، كالاقتناع، أو الألم، أو الإغراء أو الضحك... إلخ(37).

السياق عند البلاغيين والأصوليين والنحاة
وبعد التعرف على عناصر النظرية السياقية عند علماء اللغة الغربيين ومن تبعهم من علماء العرب، سأحاول فيما يلي إلقاء الضوء على العديد من النظرات والتطبيقات الثاقبة التي وردت عند علماء العربية - على تعدد اتجاهاتهم - محاولا إظهار الأصول النظرية أو التطبيقية للنظرية السياقية عندهم، مما لا يدع مجالا للشك في معرفة علمائنا الأوائل بتأثير العناصر السياقية في معنى التركيب ودلالته، وهم الأسبق زمانا، وإن لم يضعوا تطبيقاتهم هذه في إطار نظرية متكاملة المعالم ولم يضعوا لها اسما.
ومن ثم سأتعرض بإيجاز فيما يلي للسياق عند البلاغيين والأصوليين ثم نفصل القول عن السياق عند النحاة وبخاصة الأوائل منهم حتى تتضح المسألة:

السياق عند البلاغيين:
انصب اهتمام البلاغيين في دراستهم للسياق على فكرة (مقتضى الحال) والعلاقة بين المقال والمقام.
فأما مصطلح (مقتضى الحال) فقد اهتم به علماء (علم المعاني)، و (الحال) في اصطلاحهم يعدل (مقتضى الحال). يقول التهانوي: " والحال في اصطلاح أهل المعاني هي الأمر الداعي إلى المتكلم على وجه مخصوص – أي الداعي إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدى به أصل المعنى خصوصية ما هي المسماة بمقتضى الحال، مثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضى تأكيد الحكم والتأكيد مقتضاها... وعلى هذا النحو قولهم (علم المعاني) علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال - أي يطابق صفة اللفظ مقتضى الحال، وهذا هو المطابق بعبارات القوم حيث يجعلون الحذف والذكر إلى غير ذلك معللَّةً بالأحوال "(38).
فمن الواضح أن أهل علم المعاني اهتموا بأحوال المتكلم والمستمع، والتعريف يقتضى أن يكون المتكلم على علم بأحوال السامع قبل أن يتكلم؛ حتى يأتي بالكلام على صفة مخصوصة تتطابق مع حال المستمع.
وإذا ما نظرنا إلى " المقال " على أنه يمثل " السياق اللغوي " فإننا نجد أن البلاغيين قد أولوه عناية كبيرة. وليس أدلّ على ذلك من ربط العلاّمة عبد القاهر الجرجاني فصاحة الكلمة بسياقها اللغوي والتركيب الذي قيلت فيه، حيث يقول: "وجملة الأمر أناّ لا نوجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنّا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلَّقا معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة (اشتعل) من قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا)(39): إنها في أعلى المرتبة من الفصاحة، لم توجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولاً بها الرأس معرفا بالألف واللام ومقرونا إليها الشيبُ منكرّاً منصوبا "(40).
ويقول في موضع آخر: " فقد اتضح إذن اتضاحاً لا يدع للشك مجالاً أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلمٌ مفردةٌ، وأن الألفاظ تَثْبُتُ لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أوما أشبه ذلك مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ"(41).
كما ردّ عبد القاهر الجرجاني ادعاء من قال: إنّه لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف(42).
وإذا ما نظرنا إلى " المقام " على أنه يمثل " سياق الموقف " وجدنا ذلك أيضا واضحا عند البلاغيين، فهذا عبد القاهر الجرجاني يربط الكلام بمقام استعماله، ومراعاة مقتضى حاله وهو لب دراسة المعنى اللغوي عنده، ومنبثق من نظريته للنظم، وثار على اللغويين العرب؛ لأنهم لم يستفيدوا من مبدأ جيد وضعه سيبويه، مؤداه ربط الكلام بمقام استعماله(43)، بل وقع في ظنهم أن كل تقديم أو تأخير أو حذف.. إنما هو للعناية والاهتمام كما قال صاحب الكتاب(44).
وأورد قول النحويين: " إنّ معنى ذلك أنه قد تكون أغراض الناس في فعلٍ ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون مَنْ أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيثُ ويُفسدُ ويكثر في الأذى أنهم يريدون قتله ولا يبالون مَنْ كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قُتل وأراد مريدٌ الإخبار بذلك فإنه يقدِّم ذكر الخارجيّّ فيقول: قَتَلَ الخارجيّ زيدٌ. ولا يقول: قَتَل زيدٌ الخارجيَّ؛ لأنه يعلم... من حالهم أن الذي هم متوقعون له و متطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد وأنهم قد كُفُوا شرَّه وتخلصوا منه. ثم قالوا - أي النحاة: فإن كان رجلٌ ليس له بأس ولا يُقَدَّر فيه أنه يَقْتُلُ رجلاً وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدّم ذكر القاتل، فيقول: قَتَل زيدٌ رجلاً، ذاك لأن الذي يعنيه ويعنى الناس من شأن هذا القتل طرافتُه وموضعُ الندرة فيه وبُعدُه كان من الظن "(45).
ثم علّق على ذلك بقوله: "وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفى أن يقال إنه قُدّم للعناية ولأن ذكره أهم، من غير أن يُذكر من أين كانت تلك العناية وبم كان أهمّ "(46).وهكذا يدعو " عبد القاهر " إلى عدم تطبيق قاعدة واحدة على كل الحالات، بل لابد من النظر في حال المتكلمين والمستمعين، ومعرفة أسباب العناية وبواعثها.
كما أشار في موضع آخر إلى أن الفاعل قد " يكون له مفعول مقصودٌ قصدُهُ معلوم إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه "(47)، و " نوع منه أن تذكر الفعل وفى نفسك له مفعولٌ مخصوص قد عُلِم مكانه إما لجَرْىِ ذكرٍ أو دليل حالٍ إلا أنك تُنسيه نفسك وتخفيه…"(48).
ومن النماذج التي تؤكد اهتمام "عبد القاهر" بشقّي السياق في دراسته للتراكيب وما يعتورها من حذف، قوله: " ومما يجب ضبطه هنا أيضا: أنّ الكلام إذا امتنع حمله على ظاهره حتى يدعو إلى تقدير حذف، أو إسقاط مذكور، كان على وجهين:
أحدهما: أن يكون امتناع تركه على ظاهره، لأمر يرجع إلى غرض المتكلم، ومثاله الآيتان المتقدم تلاوتهما(49)...
والوجه الثاني: أن يكون امتناع ترك الكلام على ظاهره، ولزوم الحكم بحذفٍ أو زيادةٍ، من أجل الكلام نفسه، لا من حيث غرض المتكلم به، وذلك مثل أن يكون المحذوف أحد جزءي الجملة "(50). وهكذا يربط " الجرجاني " جميع القرائن النحوية - من تضام أو رتبة أو مطابقة(51)- بمراعاة السياق اللغوي وسياق المقام،وما يتصل بالموقف من ظروف، وبكل ما له علاقة بحال المتكلمين وموضوع الكلام و المخاطبين وما يتصل بمشاعرهم على نحو ما مرّ في مثال "الخارجي ".
وإذا كان مصطلح " مقتضى الحال " يقترب إلى حدّ كبير من مصطلح "سياق الحال " في الدرس اللغوي الحديث ويشترك معه في أهم خاصية، وهى الاهتمام بالجانب الاجتماعي للغة، فإن مصطلح "مقتضى الحال " - بالتعريف السابق الذي ذكره التهانوي - أضيق دلالة من مصطلح " سياق الحال "(52) إذ لابد أن يسبق المقام أو مقتضى الحال المقالَ؛ لأن الكلام يصاغ بمقتضاه، وهذا يختلف عن مفهوم(سياق الموقف) حيث يستعان بعناصره في فهم الكلام بعد إنتاجه وهذا المقال جزء من هذا السياق وليس منفصلا عنه.
ويرى الدكتور كمال بشر: أنّ البلاغيين قد وفقوا في إدراك شيء مهم في الدرس اللغوي وهو المقام، ولكنهم - كعادتهم - طبقوه بطريقتهم الخاصة، لقد كانت عنايتهم في "المقام " موجهة نحو الصحة والخطأ أو نحو الجودة وعدمها. ولهذا كانت نظرتهم إلى المقام أو مجريات الحال أو ما يسميه هو - المسرح اللغوي نظرة معيارية لا وصفية(53)، وبذلك يختلف المقام عند البلاغيين عن سياق الموقف عند المحدثين.
أضف إلى ذلك أن " المقام عند البلاغيين معيار جمالي، أي يحكم بمراعاته ببلاغة المقال وبعدم مراعاته بعدم البلاغة(54). وبهذا يكون النحاة أقرب إلى مفهوم " سياق الحال أو الموقف " من البلاغيين.

السياق عند الأصوليين:
اعتمد علماء علوم القرآن والمفسرون في دراسة النص القرآني وفهم دلالته على جانبي السياق:اللغوي الكلي أو ما يسمى " بسياق النص " و " سياق الموقف". إذ نظروا إلى الآية القرآنية أو مجموعة الآيات على أنها جزء من نص متكامل هو القرآن، ومعنى ذلك أنهم لا يعتمدون على السياق اللغوي الجزئي المتمثل في الآية الواحدة أو مجموعة الآيات المعزولة عن سياقها الكلى(55). واهتموا بعنصر آخر مكمل للسياق اللغوي في النص القرآني وهو القراءات القرآنية، كما أفردوا المؤلفات لعلم الوقف والابتداء وكيفية الوصل والفصل وما يترتب على ذلك من دلالات، وهى من عناصر السياق اللغوي.
ويتمثّل سياق الموقف عندهم فيما عُرِفَ " بأسباب النزول "، فقد اعتنوا بمعرفة أسباب النزول لآيات النص القرآني؛ لأنها تعينهم على فهم معانيه(56).
وأما علماء " أصول الفقه " فقد اعتمدوا على فكرة السياق في بيان المعنى في النصوص الشرعية، إذ يعد اللجوء إلى قرائن السياق من وسائلهم لتحديد المعنى " وقد وعوا تماماً أن ثمّة نوعين من القرائن السياقية، الأولى هي القرائن اللفظية، والثانية هي القرائن المقامية، وفهموا الأثر الذي تقوم به هذه القرائن في تحديد دلالة النص "(57). ومن عناصر السياق اللغوي التي اعتمد عليها الأصوليون في رصد الدلالات المختلفة للأمر والنهى ما يسمى بالنبر والتنغيم في الدراسات اللغوية الحديثة(58).
يقول الإمام أبو حامد الغزالي عند حديثه عن دلالة الأمر: " إذا قيل أمرنا بكذا،حَسُنَ أن يستفهم فيقال: أمر إيجاب أو أمر استحباب وندب، ولو قال: رأيت أسداً، لم يحسن أن يقال: أردت سبعاً أو شجاعاً؛ لأنه موضوع للسبع، ويصرف إلى الشجاع بقرينة "(59).
ويتعرض - عند حديثه عن الإجمال - إلى دلالة اللفظ،فيقول: " أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان، وقد يصلح لمتضادين كالقرء للطهر والحيض،والناهل للعطشان والريان،وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل ونور الشمس، وقد يصلح لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض، والرجل لزيدٍ وعمرو "(60).
وأما عن أهمية الوقف والابتداء فقد أشار إلى أن إفادة الإجمالي " قد يكون بحسب الوقف والابتداء، فإن الوقف على السماوات في قوله تعالى: " وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم " له معنى يخالف الوقف على الأرض والابتداء بقوله: " يعلم سركم وجهركم ( "(61)
ولا تفوت الإمام أبو حامد الغزالي الإشارة إلى أهمية القرائن اللغوية والقرائن الحالية والرموز والإشارات والحركات الجسمية للمتكلم في إفادة الاستغراق والعموم، فيقول: " إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف بل هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان، وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال السلام عليكم، أنه يريد التحية أو الاستهزاء واللهو.
ومن جملة القرائن فعل المتكلم فإنه إذا قال على المائدة: هات الماء، فهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار المالح.
وقد تكون دليل العقل كعموم قوله تعالى: " وهو بكل شيء عليم. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ("، وخصوص قوله تعالى: " خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل "، إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته.
ومن جملة تكرير الألفاظ المؤكدة،كقوله: اضرب الجناة وأكرم المؤمنين كافتهم صغيرهم وكبيرهم شيخهم وشبابـهم ذكرهم وأنثاهم كيف كانوا وعلى أي وجه وصورة كانوا ولا تغادر منهم أحداً بسبب من الأسباب ووجه من الوجوه، ولا يزال يؤكد حتى يحصل علم ضروري بمراده "(62).
ثم يردّ على من اعترض على قرائن الحال، فقال: " أما قولهم ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ فهو فاسد، فمن سلّم أن حركة المتكلم وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه وحركة رأسه وتقليب عينيه تابع للفظة، بل هذه أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة منها علوما ضرورية.
فإن قيل: فبم عرفت الأمة عموم ألفاظ الكتاب والسنة إن لم يفهموه من اللفظ؟ وبم عرف الرسول من جبريل وجبريل من الله تعالى حتى عمموا الأحكام؟ قلنا: أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي عليه السلام وتكريراته وعاداته المتكررة وعلم التابعون بقرائن أحوال الصحابة وإشاراتهم ورموزهم وتكريراتهم المختلفة. وأما جبريل عليه السلام فإن سمع من الله بغير واسطة فالله تعالى يخلق له العلم الضروري بما يريده بالخطاب بكلامه المخالف لأجناس كلام الخلق. وإن رآه جبريل في اللوح المحفوظ فبأن يراه مكتوبا بلغة ملكية و دلالة قطعية لا احتمال فيها "(63).


رد مع اقتباس