6- مراعاة حال المخاطب
عنيت النظريات النقدية الحديثة كما عني علماء النصية بدور القارئ أو المخاطب في العمل الأدبي بوصفه يمثل ركنا أساسياً من أركان الحدث التواصلي وهي (المرسل – النص – المتلقي ) ، وقد ظل القارئ عنصراً منسياً في الظاهرة الأدبية ، ولم يلق الاهتمام المناسب إلا بعد أن قدمت مدرسة كوتستانس الألمانية نظرية للقراءة سماها مؤسسها هانس روبير ياوس " جمالية التلقي " ( 62) ، وبناء على هذه النظرية لا يمكن فهم النص عن طريق إظهار علاقته بمؤلفه ، أو الكشف عن بنيته العميقة فقط ، بل يجب تحليل العلاقة المتبادلة بين الكاتب والقارئ ؛ فلم يعد القارئ تلك الذات السلبية التي تتلقى العمل باستسلام ، بل أصبح فاعلاً يؤثر في كشف النص واستكناه دلالته (63 ) .
وقد عد دي بوجراند ضمن معاييره السبعة للنصية معيار القبول، وهو يتضمن موقف مستقبل النص إزاء كون صورة ما من صور اللغة ينبغي لها أن تكون مقبولة من حيث هي نص ذو سبك والتحام "(64).
جهود المفسرين في بيان دور المتلقي :
وقد اهتم المفسرون في بحوثهم ببيان حال المخاطب ؛ فقد نبهوا في حديثهم عن قواعد تفسير القرآن إلى أن مثار الخطأ في التفسير بالاستدلال دون النقل من جهتين : إحداهما : حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به .
والثانية : تفسير القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن ، والمنزل عليه ، والمخاطب به ...." ( 65)
كما أشار المفسرون أيضاً إلى أن الله تعالى لا يخاطب خلقه إلا بما يعرفونه، قال الطبري :" غير جائز أن يخاطب الله جل ذكره أحداً من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولاً برسالة إلا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه ؛ لأن المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به ، وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده سواء ؛ إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئاً كان به قبل ذلك جاهلاً ، والله عز وجل ذكره يتعالي عن أن يخاطب خطابًا ، أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إليه ؛ لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث ، والله تعالى عن ذلك متعال؛ ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله : " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم "( 66) .
تنوع الخطاب باختلاف المخاطبين :
لاحظ المفسرون أيضًا أن خطاب الله تعالى يتنوع تبعاً لاختلاف نوع المخاطب ؛ حيث لا يستوي مثلاً خطاب المؤمنين وخطاب الكافرين ، وقد روعي ذلك في القرآن حتى في دقائق الحروف والمعاني.
قال السيوطي في الإتقان : " حيث وقعت يغفر لكم في خطاب المؤمنين لم تذكر معها "من" كقوله في الأحزاب : " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " (الأحزاب 70) .
وفي الصف : " يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم "(الصف10) إلى قوله : " يغفر لكم ذنوبكم "(الصف12) ، وكذا في سورتي إبراهيم و الأحقاف . لكن في سورة نوح " يغفر لكم من ذنوبكم " لأنه في خطاب الكفار من قوم نوح . وما ذاك إلا للتفرقة بين الخطابين ؛ لئلا يسوى بين الفريقين ..." ( 67) .
ووجه الفرق أن " من " تفيد التبعيض ، فحذفها في خطاب المؤمنين يفيد التوسعة في الوعد والبسطة في النعمة ، وذكرها في خطاب الكفار يدل على قلة نصيبهم بالقياس إلى المؤمنين .
مراعاة المخاطب والحذف :
ومن الأساليب النحوية التي يكثر فيها مراعاة حال المخاطب الحذف حيث يستغني المتكلم عن ذكر أجزاء من الكلام ثقة بفهم السامع أو اكتفاءً بعلمه .
يقول الطبري في تفسير قوله تعالي :" وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية" (الأنعام 35) ، يقول : وترك جواب الجزاء فلم يذكر لدلالة الكلام عليه ومعرفة السامعين بمعناه . فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معني الكلام إلا بإظهار الجواب لم يحذفوه "(68 ) .
وفي قوله تعالى : " ووجد من دونهم امرأتين تذودان " (القصص23). قال القرطبي : " حذف المفعول إما إبهامًا على المخاطب ، وإما استغناء بعلمه قال ابن عباس : تذودان غنمهما عن الماء خوفًا من السقاة الأقوياء "( 69) .
وقد أشار بعض علماء النص المعاصرين إلي أن المتكلم قد يحذف شيئاً من الكلام اعتمادًا على فهم القارئ الذي يقوم بملء الفراغات في النص .
يقول الدكتور محمد العبد: " ينبغي أن نلمح هنا أن الكاتب أو الشاعر قد يعمد عمداً إلى ترك بعض الفراغات أو الثغرات التبليغية في نصه ؛ بهدف توظيفها توظيفًا فنيًا ، تاركًا لاجتهاد القارئ وفطنته وحسن توجيهه للمعنى فرصة ملء هذه الفراغات تأسيساً على المعنى الكلي للنص أو وحدة الدلالة . من هنا يصبح موقف القارئ من النص أكثر إيجابية" (70 ) .
مراعاة المخاطب والتغليب :
ومن الأساليب التي يكثر فيها مراعاة المخاطب أسلوب التغليب حين يجتمع المخاطب مع غيره فيغلب المخاطب .
يقول الطبري في قوله تعالى:" وما كان الله ليضيع إيمانكم"(البقرة 143) :" من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب ، فيدخل الغائب في الخطاب ، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر فعلنا بكما ، وصنعنا بكما ؛ كهيئة خطابهم لهما ، وهما حاضران " ( 71) .
وقد قيل في سبب نزول الآية : إن الصحابة أشفقوا على إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية، فوجه بها الخطاب إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم ( 72) .
وفي تفسير قوله تعالي : " ليس على الأعمى حرج ، ولا علي الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا علي أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أبائكم... " ( النور 61) قال القرطبي : قوله تعالي : " ولا على أنفسكم " هذا ابتداء كلام أي " : ولا عليكم أيها الناس ، ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم الكلام " ( 73) .
والمقصود أن حكم إباحة الأكل لا يقتصر على المخاطبين من المؤمنين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يشمل من يماثلهم من غيرهم في عصرهم والعصور التي بعدهم ، ولكن طريقة القرآن هي خطاب المؤمنين على أنهم أمة واحدة مهما تباعد بهم الزمان والمكان .
وشبيه بذلك خطاب الله تعالى لليهود في سورة البقرة فإن أغلبه موجه إلى الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام ، وهؤلاء ماتوا منذ أزمان بعيدة ولكن لما كانت طبيعة اليهود واحدة واللاحقون منهم يقتفون آثار السابقين ويرثون عنهم أخلاقهم السيئة خوطبوا على أنهم أمة واحدة كقوله تعالى " وإذ نجيناكم من آل فرعون ..." - وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ..."- وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها ..." (البقرة 49 و 50 و 70) .
مراعاة المخاطب ودلالة أحرف المعاني :
ومما يراعي فيه حال المخاطب استخدامات أحرف المعاني، فقد قيل في " ألا" : إنها حرف يفتتح به الكلام لتنبيه المخاطب ( 74).
وقيل في " أو " العاطفة في نحو قوله تعالي : " فهي كالحجارة أو أشد قسوة " (البقرة 74) : إنها للإبهام علي المخاطب ( 75) ، يعنون أن المخاطب إذا نظر أو علم بحالهم أبهم عليه أمرهم ؛ وذلك أن الشك على المتكلم وهو الله تعالى لا يجوز.
وقال المبرد في قوله تعالي : " وأرسلناه إلى مائه ألف أو يزيدون " (الصافات 147) وأرسلناه إلي جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائه ألف أو أكثر منهم ، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون " (76 ) .
وفي ذلك دليل على إجراء الكلام مجرى كلام المخاطبين . وهو مظهر من مظاهر التواصل بين النص والمتلقي .
ومما يراعى فيه حال المخاطب تحويل الفعل من صيغة إلى أخرى كتحويل الماضي إلى المضارع في قوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه ...." (فاطر9) ، قال الزمخشري : " فإن قلت لم جاء فتثير على المضارعة دون ما قبله وما بعده ، قلت لتحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية . وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب ، أو تهم المخاطب ، أو غير ذلك "(77) .
أنواع المخاطبين:
أشار المفسرون أيضًا إلى ما يمكن أن يسمى بالمخاطب المقدر ، وهو قريب مما يسميه علماء النص المعاصرون بالمخاطب الضمني ، وذلك حين يتوجه الخطاب إلى شخص عام غير محدد بحيث يصلح أن يتوجه الخطاب لأي أحد يفهم الكلام ويتدبره ، وذلك كثير في القرآن الكريم حيث يتوجه الخطاب إلى شخص غير معين على سبيل تشخيص الموقف وإحضار الصورة . مثل قوله تعالى: " فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم " (الأحقاف25) – في قراءة التاء – "ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون" (المنافقون5) – "وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال"(الكهف17) – "وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود "(الكهف18) .
فكل هذه الآيات تحكي قصصًا ومشاهد لم يرها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن الخطاب وجه إليه على تقدير حضوره ، وهذا أحد التفسيرات في مجيء الفعل بصيغة الخطاب ، وقيل الخطاب عام في كل مخاطب يصلح أن يتوجه له الكلام .
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : " وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود " ( الكهف 18) :" وتحسبهم بكسر السين وفتحها خطاب لكل أحد " ( 78) .
وقال في قوله تعالى " فلا تكونن من الممترين "(البقرة147) . " ويجوز أن يكون " فلا تكونن" خطابًا لكل أحد على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقة فلا يصح أن يمتري فيه أحد ، وقيل : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته " ( 79) .
المخاطب الواسطة:
أشار المفسرون وعلماء القرآن إلى كون خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم خطابًا لأمته ، وفي ذلك توسيع لمعنى الخطاب ، وتفعيل دائم له ، وربما كان هذا النوع من الخطاب مما يتميز به الأسلوب القرآني حيث يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتدخل فيه أمته ضمنًا .
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : " ولتستبين سبيل المجرمين " (الأنعام 55) قرئ بالياء والتاء (سبيل ) برفع اللام ونصبها وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ولتستبين يا محمد، سبيل المجرمين ، فإن قيل فقد كان النبي عليه السلام يستبينها، فالجواب عند الزجاج – أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب لأمته فالمعنى : ولتستبينوا سبيل المجرمين" ( 80) .
7- الاستدعاء النصي
يشبه هذا ما يعرف لدى علماء النص بالتناص بمفهومه الواسع العام ؛ إذ يعرف لدى بعض الدارسين بأنه استدعاء نص لنص آخر،أو العلاقات بين النصوص ، لكنا آثرنا هنا مصطلح الاستدعاء النصي تجنبًا لما يشوب مصطلح التناص من سلبيات لا تليق بمقام القرآن الكريم وهذا الاستدعاء متحقق في القرآن بلا ريب ؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا كما ذكر أهل التفسير ؛ ولأن سور القرآن تتآزر و تتشابه ويأخذ بعضها بأعناق بعض . ويبدو هذا واضحًا في القصص التي تتكرر على صور شتى بين الإيجاز والإطناب والبسط والاختصار، كما نلحظه في قصة موسى عليه السلام التي ذكرت في عديد من السور، وفي كل مرة يعرض جانب منها أو مشهد مخالف لما ذكر في بقية المواضع . وفي النهاية تتكامل المشاهد حتى تتألف منها قصة واحدة تامة.
ولا يمكن ملاحظة ذلك إلا من خلال دراسة العلاقات بين النصوص والآيات على مدار القرآن .
وثمة جانب آخر يمكن أن يدرس في إطار الاستدعاء ، وهو المتشابه من الآيات ، وقد أفرده عدد من علمائنا القدامى بالتأليف ، ولكنه لا يزال يحتاج إلى نظرة جديدة تتناوله في ضوء النظرية النصية التي تدعو إلى ضرورة النظرة الكلية في دراسة النصوص .
وجانب ثالث يتمثل فيه الاستدعاء القرآني ، وهو موضوع الحذف ؛ إذ نلاحظ أن القرآن الكريم يختصر الكلام أحيانًا اعتمادًا على ذكر الموضوع مفصلا في موضع آخر ، أو يحذف كلمة أو جملة استغناء بما ذكر في آيات وسور أخرى. ومعنى ذلك أن سور القرآن وآياته تتكامل وتتآزر لتكون في النهاية وحدة واحدة .
الاستدعاء و متشابه الآيات :
ثمة تشابه كبير بين آيات القرآن الكريم وسوره ، وقد أشار القرآن نفسه إلى ذلك حيث يقول عز وجل :"الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم "(الزمر23) . وتشابه الآيات والسور يرجع إلى وحدة أهداف القرآن ومقاصده وأهمية موضوعاته والحاجة إلى تذكير الناس الدائم بها وترسيخ عقيدة الإسلام في نفوس المؤمنين .
وتشابه الآيات والسور يكشف لنا عن الإعجاز اللغوي للقرآن ، والعلاقات بين نصوصه بلاغيًا ونحويًا ودلاليًا.ونورد أمثلة لهذه المتشابهات مقسمة بحسب القضايا النحوية المرتبطة بها .
الواو بين العطف والاستئناف:
قال الله تعالى في سورة ( البقرة 7 ) " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " فاختلف العلماء في الواو قبل قوله : " على أبصارهم " هل هي عاطفة أم استئنافية ؟ ومما رجحوا به كونها استئنافية ( 81) قوله تعالى في سورة أخرى : " أفرأيت من أتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة " (الجاثية23) ، حيث فصل هنا بين السمع والقلب من جهة ، والبصر من جهة أخرى وفي هذا الترجيح دليل على مراعاة المفسرين للعلاقات بين آيات القرآن في التوجيه النحوي.
بين التعريف والتنكير: