عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-29-2017 - 05:04 AM ]


ب- الاحتجاج بالحديث الشريف : ومن أمثلة ذلك ، قول الخليل(( الخُشْعَة : قُفٌّ ، غلبت عليه السهولة ، قفٌّ خاشع وأَكَمَة خاشِعة أي ملتزمة لاطئة بالأرض. وفي الحديث : ( كانت الكعبة خُشْعَة على الماء فَدُحِيت منها الأرض )...))( 110).
وقول الأزهريّ : ((...( روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مثل الكافر كمثل الأرزة المُجْذِيَة حتى يكون انجعافها مرّة واحدة ) . قال أبو عمرو : الانجعاف : الانقلاع . ومنه قيل جَعَفْت الرّجل ، إذا صرعته فضربت به الأرض...))(111 ).
وقول ابن سيده : (( وأكل الشيء عُرْضا : أي مُعْتَرِضا . ومنه الحديث : ( كُلِ الجُبن عرضاً) أي اعترضه . يعني كله ولا تسأل عنه : أمن عمل أهل الكتاب هو، أم من عمل غيرهم؟))(112 ) . وقول الجوهريّ : (( والحِبَّةُ بالكسر : بزور الصحراء مما ليس بقوت . وفي الحديث : (فَيَنْبِتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّة في حَمِيل السيل) والجمع حبب))( 113) .
وقول ابن فارس : (( قال الفرّاء : اَلأَلُّ رفع الصوت بالدعاء والبكاء ، يقال منه أَلَّ يَئِلُّ أليلا . وفي الحديث ( عَجِبَ ربّكم من أَلِّكم وقنوطكم وسرعة إجابته إيّاكم... )( 114) .
والذي يبدو من تصفح المعجمات اللفظيّة القديمة هو أنّ أصحابها لم يكن بينهم خلاف في الاحتجاج بالقرآن ولا بالحديث الشريف ومن هنا رأينا المعجمات اللفظيّة تحفل بهذين المصدرين، وفي ذلك يقول السيوطيّ : (( ومن ينعم النظر في معجمات اللغة وكتب قواعدها يجد كتب اللغويين أوفر حظّاً في الاستشهاد بالشعر والنثر على السواء في إثبات معنى أو استعمال كلمة ، ويجد النحاة يكادون يقتصرون على الِشعر ))( 115)
ويعدّ تهذيب اللغة من أبرز معجمات الألفاظ في هذا الجانب ، فقد اعتنى بالشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية عناية فائقة ؛ ولا غرابة في ذلك فقد ربط الأزهريّ خاصّة وعلماء اللغة عامّة بين فهم اللغة ومعرفة الكتاب والسنة يقول الأزهريّ : (( نزل القرآن الكريم والمخاطبون به عرب أولو بيان فاضل وفهم بارع أنزله جل ذكره بلسانهم وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه وجبلوا على النطق به فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين فيمن لا يعلم لسان العرب حتى يعلّمه ...وبيّن النبي للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم ما عسى أن تمسّ الحاجة إليه…فاستغنوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب والاجتهاد في تعلّم العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان))( 116) .
ومما يلاحظ على هذه الشواهد :
1- ميل أصحاب المعجمات إلى شرح الآيات والأحاديث والتعليق عليها ، بما يخرجهم عن شرح المادة المعنية ، مما أدى إلى تضخم شرح المواد ، وذلك نحو قول الخليل–تحت مادة لعق : ((وفي الحديث :(( إن للشيطان لعوقاً ونشوقاً يسـتميل بهما العبد إلىهواه)) فاللعوق اسم ما يلعقه، والنشوق اسم ما يستنشقه ))(117 ) فشرح معنى النشوق في غير مادته .
ومثل ذلك قول الأزهري -– تحت مادة عج - : (( روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أفضل الحج العجّ والثجّ ) قال أبو عبيدة العجّ : رفع الصوت بالتلبية ، والثجّ: سيلان دماء الهدي ))(118) فنلاحظ أنه شرح كلمة (الثجّ ) وهي ليست من كلمات المادة .
ومثل ذلك قول ابن سيده في مادة( عجل)(( وقوله تعالى((خُلِق الإنسان من عَجَلٍ))( 119) قيل إن آدم عليه السلام ، حين بلغ منه الروح الرُّكبتين ، هم بالنهوض قبل أن يبلغ القدمين ، فقال تعالى : (( خُلِقَ الإنسَانُ من عَجَلٍ ))... ))(120 ) فنلاحظ أنه ذكر جانبا من قصّة نفخ الروح في آدم عليه السلام في غير موضعها فالمادة المعجمية المشروحة هي (عجل) لا نفخ الروح.
2- ذكر الوجوه والآراء المختلفة ، وذلك نحو قول الأزهري في مادة (عجز): ((قال الله عزّ وجلّ : ((وَمَا أَنـتُم بِمُعْجِزِينَ في الأرضِ ولا في السّمَاءِ))( 121) قال الفرّاء : يقول القائل كيف وصفهم الله أنهم لا يُعجِزون في الأرض ولا في السّماء وليسوا في أهل السماء ؟ فالمعنى ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السّماء بمعجِز . وقال أبو إسحاق : معناه ما أنتم بمعجزِين في الأرض ولا لو كنتم في السّماء . وقال أبو العباس : قال الأخفش :ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السّماء ، أي لا تعجزوننا هرباً في الأرض ولا في السماء . قال أبو العباس : وقول الفراء أشهر في المعنى، ولو كان قال ولا أنتم لو كنتم في السّماء بمعجزين لكان جائزا))(122 ) فنلاحظ أن الأزهريّ لم يكتفِ بقول الفراء ما دام أظهر في المعنى بل أردفه بغيره من الأقوال الأخرى التي لا تكاد تضيف شيئاً جديداً للمعنى المعجميّ .
ج- الاحتجاج بالشــــعر: صورة من صور الاحتجاج اللغويّ ، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تساءل عن معنى قوله تعالى : (( أو يأخذهم على تـخوّف ))( 123) فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا يا أمير المؤمنين ، التخوف التنقص …قال عمر : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال: قال شاعرنا أبو كبير الهذليّ :
تخوّف الرّحــل منها تامكـا قَـرِدا
كما تخوّف عود النبعة السّفن
فقال عمر : ((أيّها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم))( 124) .
ثمّ أخذ هذا الاتجاه صورته التطبيقيّة على يد حبر الأمة عبد الله بن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما فيما عرف بعد بمسائل نافع بن الأزرق ، وأصبح حجة فيما أشكل من غريب القرآن والحديث ، إذ وصفه ابن فارس بقوله (( والشعر ديوان العرب وبه حفظت الأنساب وعرفت المآثر ومنه تعلمت اللغة وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث صحابته رضي الله عنهم ))( 125).
وعلى ضوء ذلك قٌسّم الشعراء على أربع طبقات : الجاهليون ، وهم الذين عاشوا قبل الإسلام، ثمّ المخضرمون ، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ثمّ الإسلاميون ، وهم الذين كانوا في العصر الأموي كجرير والفرزدق ، وقد عدّهم بعض اللغويين - كأبي عمرو- من المولدين وكان يقول : لقد حسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره ، يعني بذلك جريراً(126 ) ويقول الأصمعيّ: جلست إليه (يعني أبا عمرو) ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي(127) ، وأخيراً المولدون ، ويقال لهم المحدثون أيضاً ، ويعدّ بشار بن برد (ت167هـ) أول شعراء طبقة المحدثين ، وقيل ختم الشعر بإبراهيم بن هَرْمَة (ت176هـ)(128 ) ، وعن الاحتجاح بشعر هذه الطبقات ؛ يقول السيوطيّ : (( أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربيّة ، وفي (الكشاف) ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها… ))(129 ) .
وبالتأمل في معجمات الألفاظ نلحظ صحة ما ذكره السيوطيّ ، فقد استشهد أصحاب هذه المعجمات بشعراء الطبقات الثلاث الأول ، فالخليل يستشهد بشعر جرير - الذي عدّه أبو عمرو مولداً - إذ يقول في مادة (عق) وقال جرير :
فهيهات هيهات العقيق وأهله
وهيهات خلّ بالعقيق نواصله
أي بَعُد العقيق ( 130) كما نجد الازهريّ - في المادة نفســها - يحتج بالأخطل(ت90هـ) والفرزدق (ت110هـ) وهما من طبقة جرير(ت110هـ) ( 131) .
أما طبقة المولدين المحدثين فكان الاستشهاد بشعر بعضهم على استحياء ، ولعل ذلك للاستئناس بعربيتهم كبشار بن برد(ت167هـ)الذي قال عنه الأصمعيّ: ((بشـار خاتمة الشـعراء ، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم ))(132 ).
ومن هنا رأينا ابن دريد يذكره في ( جمهرة اللغة ) ويصرح بأنه ليس حجة ؛ إذ يقول في مادة (بظبظ ) : (( استعمل من معكوسه – الظَبْظَاب – وهو من قولهم ليس به ظبظاب أي ليس به داء – وسألت أبا حاتم عن الظبظاب فلم يعرف فيه حجة جاهليّة إلا أنه قال فيه بيت بشّار وليس بحجة – وأنشد : بُنيّتي ليس بها ظبظاب . .. ))( 133) .
ومما يلاحظ على المعجميين في هذا الجانب استشهادهم بأبيات غير منسوبة والاكتفاء بقولهم قال الشاعر ، أو أنشدنا ، أو قال آخر ، ونحو ذلك من العبارات التي تخل بالشاهد اللغويّ؛ ذلك أنّه لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله ،خوفا من أن يكون لمولد ، أو من لا يوثق بفصاحته ، على حدّ قول السيوطيّ (134 )


الخاتمة :
وبعد هذا الوصف و التحليل للممارسة المعجمية للمتن اللغوي ودراسة كيفية المعالجة للمادة المعجمية في المعجمات اللفظيّة عند القدماء تظهر لنا النتائج الآتية:
ـ آثر المعجم العربي المعيار الدلالي للكلمة في طبيعة معالجته لها لأنها أقرب إلى روح المعجم المتحررة من طبيعة القيود التي ترتبط بالكلمة . ومن هنا ظهر اختلاف حد الكلمة بين علماء اللغة وعلماء المعجم .
ـ و ضع المعجم العربي أسوارا للمتن اللغوي تمثل بعصور الاحتجاج الذي توقفت عنده جمع المادة اللغوية ، وقد حمل في طياته ضياعا لثروة لغوية كان حقها أن تذكر في المعجم لتزود المعجم التاريخي بثروة لغوية كبيرة يتنبه على عصرها وقائليها .
ـ عول المعجم العربي وهو يعالج المادة اللغوية على المبنى ، أكثر من غيره وهو اهتمام فرضته طبيعة العمل المعجمي لذلك تفرق جهدهم في شرح كثير من الألفاظ في مكانها الطبيعي في المعجم لكن تم شرحها في غير مكانها .
ـ عول المعجم العربي في تحليل المادة المعجمية على الشرح بالتعريف المبهم وعلى شواهد غير منسوبة لقائلها ، وهي من المآخذ على المعجم العربي الذي كان همه الأول جمع المادة وشرحها شرحا علميا يتناسب مع طبيعة العمل المعجمي .
ـ ومما يأخذ على المعجم صعوبة الطرائق التي اتبعها في شرحه للمادة المعجمية ، لأنها لا تسعف الباحث في استخراج معنى ما الا بعد قراءة المادة كلها مثلا للوصول إلى المعنى المراد .
- لم يكن ثمة خلاف بين المعجميين القدماء في الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف ، في حين نجدهم قد اقتصروا في الاستشهاد بالشعر على طبقة الجاهليين، والمخضرمين ، والإسلاميين.

    

رد مع اقتباس