ويرى بعض الباحثين أنّ الطبقة التي تلت الخليل بن أحمد ، ويونس بن حبيب كانت من أغزر العلماء إنتاجاً ، ومنهم ثلاثة رواة يعدون عصب الرواية في البصرة وهم : أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وأبو زيد الأنصاري ، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ(33 ) .
وقد حدد اللغويون مادة جمعهم فيما صحّ عن العرب ضمن معايير ثابتة هي:
1- معيار المكان : وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد مواطن الفصاحة في وسط الجزيرة العربية من دون بقية أطرافها التي كانت على صلة بالأمم الأخرى، وفي بواديها من دون الحواضرالتي كانت تعجّ بحركة الوافدين عليها من خارج الجزيرة أو من أطرافها بقصد التجارة ونحوها .
2- معيار الزمان : وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد عصورالفصاحة عند منتصف القرن الثاني الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الأدبية وخاصة لغة الشعر، ونهاية القرن الرابع الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الشفوية المنقولة عن الأعراب.
3- معيار الفصاحة وهو الشرط الذي تم بمقتضاه الحكم على فصاحة اللفظ إذا ثبتت نسبته إلى عربيّ قحّ سواء بالمشافهة أو الرواية الصحيحة وذلك العربي القحّ هو من انطبق عليه شرط الزمان والمكان السابقين ( 34) . وعلى ضوء هذه المعايير عُدّ كلّ ما خالف ذلك مولداً ، فَقُسِّم الشعراء على طبقات، والقبائل على درجات ، أعلاها قبيلة قريش ؛ يقول أحمد بن فارس(395هـ): (( أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم : أنّ قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ...وكانت قريش – مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها-إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم فصاروا بذلك أفصح العرب...ألا ترى أنّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفيّة قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة...))(35 ) .
ويقول الفارابي(250هـ): (( كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عمّا في النفس))( 36).
و يقول مرتبا درجة الفصاحة : ((والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اُقْتُدِيَ وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربي من بين قبائل العرب هم : قيس وتميم وأسد ، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه ، وعليهم اتّكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف ، ثمّ هذيل وبعض كنانة وبعض الطّائيين ، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم ، وبالجملة فإنّه لم يؤخذ عن حضري قط ، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم، فإنّه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام فإنهم كانوا مجاورين أهل مصر والقبط ، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانوا مجاورين أهلَ الشام ، وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية ، ولا من تغلب ولا النمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان ، ولا من بكر لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس ، ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس ، ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من أهل اليمن أصلاً لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم ؛ ولامن بني حنيفة وسكان اليمامة ، ولا من ثقيف وسكــان الطائف؛ لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم ، ولا من حاضرة الحجاز ؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم ، وفسدت ألسنتهم …))( 37).
ولكنّ اللغة لم تجمع دفعة واحدة ، بل اتّخذ جمعها أشكالاً مختلفة قسّمها بعضهم على ثلاث مراحل هي :
المرحلة الأولى: جمع الكلمات كيفما اتفق فالعالم يرحل إلي البادية فَيُدَون كلّ ما سمع من غير ترتيب ولا تنظيم فيجمع كلمة في المطر وكلمة في النبات وكلمة في الخيل ونحو ذلك .المرحلة الثانية: جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد، وقد توجت هذه المرحلة بظهور الرسائل اللغويّة التي عرفت بأسماءٍ من نحو: المطر، البئر ، والخيل ، والإبل ونحو ذلك (38 ) .
ويعد موضوع الحشرات أقدم الموضوعات ، وأول من نسب إليه كتاب في ذلك أبو خيرة الأعرابي ثم تلاه بعد ذلك بعض اللغويين فألفوا في الموضوع نفسه ككتاب النحلة للشيبانيّ والأصمعي والذباب لابن الأعرابي ونحو ذلك ( 39) .
المرحلة الثالثة: وضع معجم يضم كلّ الكلمات على نمط خاص وترتيب معين ، ويعد الفراهيدي (ت175هـ) أول من وضع أعظم عمل لغويّ إذ سنّ لمن جاء بعده منهج التأليف المعجميّ فظهرت المعجمات اللغوية ،التي من أبرزها: الجمهرة لابن دريد(ت321هـ) ، والبارع للقالي (ت356هـ) ، وتهذيب اللغة للأزهريّ(ت370هـ) ، والمحيط للصاحب بن عباد (ت385هـ) ، ومقاييس اللغة والمجمل لابن فارس(ت395هـ) ، والصحاح للجوهريّ(ت400هـ)، والمحكم لابن سيده(ت458هـ) ، وأساس البلاغة للزمخشريّ(ت538هـ)، والعباب للصغانيّ (ت650هـ) ، ولسان العرب لابن منظور(711هـ) ، والقاموس المحيط للفيروزاباديّ(ت817هـ) ، وتاج العروس للزَبيديّ (ت1205هـ) .
4ـ طريقة جمع المادة المعجميّة :
أما عن طريقة جمع المادة المعجميّة فنلحظ أن القدماء اتبعوا طريقتين :
الطريقة الأولى : طريقة الإحصاء التّام بغرض استقصاء المواد اللغويّة مستعملها ومهملها،ويعد الخليل بن أحمد أول من ابتدع هذا المنحى ؛ إذ أدرك بعبقريته الفذة في علوم اللغة والحساب أنّ ثمّة نظاماً من شأنه حصر جميع المفردات اللغويّة ، فكان له فضل السبق في وضع هذا النظام الذي بُني عليه كتاب العين والذي يتفق جلّ اللغويين إن لم يكن كلّهم على أنّه من ابتكار الخليل نفسه ، ويختلفون فيما وراء ذلك.
ويحكي لنا اللّيث بن المظفر (180هـ ) قصة هذا النظام، فيقول((كنت أصير إلى الخليل بن أحمد فقال لي يوماً :لو أن إنساناً قصد وألّف حروف ألف ، وباء ، وتاء، وثاء على أمثلة لاستوعب في ذلك جميع كلام العرب فتهيأ له أصل لا يخرج عنه شيء منه بتة ، قال : فقلت له وكيف يكون ذلك ؟ قال: يؤلّفه على الثنائيّ ، والثلاثيّ،والرباعيّ، والخماسيّ وأنّه ليس يُعْرَفُ للعرب كلامٌ أكثرُ منه . قال الليث : فجعلت أستفهمه ويصف لي ولا أقف على ما يصف فاختلفت إليه في هذا المعنى أياماً ؛ ثم اعتلّ وحججت فما زلت مشفقاً عليه وخشيت أن يموت في علته فيبطل ما كان يشرحه لي فرجعت من الحج وصرت إليه فإذا هو قد ألّف الحروف كلّها على مافي صدر هذا الكتاب، فكان يملي علىّ ما يحفظ ، وما شكّ فيه يقول لي : سل عنه فإذا صحّ فأثبته إلى أن عملت الكتاب ))(40) .
وخلاصة هذا النظام الذي توصل إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي في حصر المفردات ، انّه يقوم على ثلاثة أسس هي:
الأساس الأول : (المخارج) الترتيب الصوتيّ الذي يعتمد على مخارج الأصوات.
الأساس الثاني: (التقاليب) تقليب المادة الواحدة ليتكون منها عدّة صور .
الأساس الثالث: (الأبنية) اتباع نظام الأبنية من ثنائيّ وثلاثيّ ورباعيّ وخماسيّ . كما سنبينه في موضعه إن شاء الله .
الطريقة الثانية : طريقة الإحصاء النّاقص بُغْيَةَ الاقتصار على بعض مفردات اللغة واختيارها من دون غيرها ، وأول من نهج هذا المنهج ابن در يد في كتابه (جمهرة اللغة) إذ قال في مقدمته((هذا كتاب جمهرة الكلام واللغة ومعرفة جمل منها تؤدي الناظر فيها إلى معظمها إن شاء الله...وإنما أعرناه هذا الاسم ؛ لأنّا اخترنا له الجمهور من كلام العرب وأرجأنا الوحشيّ المستنكر والله المرشد للصواب))(41 ).
وممن سلك هذا المسلك الجوهريّ في صحاحه ؛ إذ يقول في مقدمته ((أما بعد فإني أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللغة ، التي شرف الله منزلتها ، وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها))( 42)
والحق أن من المعجميين القدماء ممن أخذ بمنهج الخليل بن أحمد ، وطريقته في جمع مادته المعجمية ، ومنهم من أخذ بمنهج ابن در يد والجوهريّ : فاقتصر على المشهور أو الصحيح ، ولعلّ النّاظر في المعجمات اللغويّة القديمة يدرك من أسمائها غرض أصحابها ، وطريقة جمع مادتها، فكل اسم يوحي تقريباً بذلك.
هذه المناهج التي لازمت التأليف المعجمي لا يمكن تجاهل خلفياتها التعليمية، ولكن المعجمي وهو يلتزم بها يريد أن يبقى في السكة التي نهجتها الثقافة الإسلامية في مختلف علومها، سكة الدقة والتثبت في الرواية على غرار ما كان يفعله رواة الحديث النبوي فابتكروا لذلك سبلا معقدة في كيفية بناء الأسانيد وضبط الروايات، فأصحاب المعجمات إذن وهم يقومون باستقصاءاتهم اللغوية واختباراتهم المنهجية وتكثيف الروايات والشواهد، لا يهمهم أن تطول المادة أو تقصر، ولا يعنيهم أن تلتف مسالكها وتتعقد إلى حد يجعل اقتحامها من الأمور العسيرة لأنهم لم يكونوا يأخذون بالحسبان جمهور المتعلمين والطلاب، ولم يضعوا نصب أعينهم الكيفية التي يمكن أن يستفيد بها هؤلاء من أعمالهم، بل تجد منهم من يستنكر إسناد مهمة الإلمام باللغة لتكون بواسطة المعجمات مثلما فعل الصاحب بن عباد(324-385) صاحب معجم (المحيط) تجاه الهمذاني(ت 320هـ) صاحب كتاب (الألفاظ الكتابية) ، قائلا:( لو أدركت عبد الرحمان بن عيسى مصنف كتاب الألفاظ لأمرت بقطع يده ) فسئل عن السبب فقال: ( جمع شذور العربية الجزالة في أوراق يسيرة فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب ورفع عن المتأدبين تعب الدروس والحفظ الكثير والمطالعة الكثيرة الدائمة )، فبالنسبة إلى ابن عباد، عملية التعليم يجب أن تتركز على الرواية وتمرين القريحة على الحفظ، وقوة العارضة في الحفظ مهما بلغت، فهي لا تستطيع أن تطال ضخامة المتن المعجمي الذي يصل إلى ملايين المفردات...
فأصحاب المعجمات القدماء لم يكن يعنيهم شؤون الناشئين من طلاب اللغة العربية (ولم يأخذوا بعين الاعتبار موضوع الحجم أو موضوع القيمة المادية للمعجم)( 43)
5ـ مصادر جمع المادة المعجمية :
أما مصادر جمع المادة المعجمية عند القدماء فيمكن حصرها في مصدرين المصدر الأول : السماع والمشافهة عن العرب ، وممن عول على هذا المصدر الخليل بن أحمد في كتاب(العين) إذ نصّ الليث في مقدمته - كما أسلفنا- أنّ الخليل كان يملي عليه ما يحفظ وما شكّ فيه يقول له سل عنه، والخليل من أوائل العلماء الذين عاصروا جمع اللغة ، وسمع عن الأعراب خاصة في الحجاز ونجد وتهامة ، يضاف إلى هذا ما نجده في كتاب(العين) من روايات عن بعض من عاصر الخليل .
وممن عول على السماع والمشافهة من المعجميين القدماء الأزهريّ في(التهذيب) فقد ذكر في مقدمته أنّ من دواعي تأليفه(( تقييد نكت حفظها ووعاها عن العرب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سُنيّات ))(44 ) . ويقول في موضع آخر((ولم أُوْدِعْ كتابي هذا من كلام العرب إلا ماصحّ لي سماعاً منهم ، أو رواية عن ثقة أوحكاية عن خطّ ذي معرفة ثاقبة اقترنت إليها معرفتي))(45).
وممن عول على السماع والمشافهة الجوهريّ في (الصحاح) ؛ إذ ألزم نفسه ما صحّ عنده رواية ودراية ومشافهة للعرب في البادية وخاصة في الحجاز وربيعة ومضر إذ يقول : (( فإني قد أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللغة بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية. ولم آل في ذلك نصحاً ولا ادخرت وسعاً))(46 ).
المصدر الثاني : الرواية النقليّة ويعدّ هذا الأسلوب من الرواية مما يميّز المعجمات اللغويّة بصفة عامة إذ نلحظ أن اللاحق يروي عن السابق ، وقد أشار ابن دريد إلى هذه التبعيّة ؛ إذ يقول في مقدمة كتابه(جمهرة اللغة)عن الخليل وكتاب(العين) (( وكل مَنْ بعده له تَبَعٌ أقرّ بذلك أم جحد ولكنه رحمه الله ألّف كتاباً مشكلاً لثقوب فهمه وذكاء فطنته وحدّة أذهان أهل عصره )).( 47)
ولعل هذا ما دفع أحد خصوم ابن دريد إلى إنكار كتاب (الجمهرة) بحجة أنّه كتاب (العين) ؛ إلا أنه قد غيّره (48 ) .
وأول من عول على الرواية عن السابقين القالي (356هـ) في كتابه(البارع في اللغة) و إذ ذكر محققه ان كتاب(البارع) ما هو إلا كتاب( العين) للخليل بن أحمد ؛ لشدة التشابه بينهما(49 ) .
وهكذا ظلّ أصحاب معجمات الألفاظ يعولون في جمع مادتهم المعجميّة على الرّواية النقليّة عن السابقين حتى رأينا ذلك واضحاً جلياً عند المتأخرين منهم خاصة الفيروزآبادي وابن منظور والزبيدي، فقد ذكر الأول أنّه عول في جمع مادته المعجمية على خمسة كتب هي: كتاب العين للخليل ، وإصلاح المنطق لابن السّكيّت ، والجمهرة لابن در يد ، وغريب الحديث ، ومصنّف الحديث لأبى عبيد ، إذ يقول في مقدمته(( فهذه الكتب معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة وما بعد هذه الكتب فمحمول عليها وراجع إليها))( 50).
ويفصح ابن منظور عن أنّه نقل معجمه عن سابقيه كتهذيب اللغة للأزهري ، والمحكم لابن سيده ، والصحاح للجوهري ، والحواشي لابن بريّ ، والنهاية لابن الأثير . وفي ذلك يقول((وقد نقلت من كلّ أصل مضمونه ولم أبدل منه شيئاً بل أديت الأمانة وما تصرفت فيها بكلام غيرها فيها فليعتدّ من ينقل عن كتابي هذا أنّه إنمّا ينقل عن هذه الأصول الخمسة))( 51) .
ويذكر الزَّبيديّ أنّه جمع مادته المعجميّة مما يقرب من مائة وعشرين كتاباً من بينها المعجمات السابقة : كالجمهرة والتهذيب والمحكم والصحاح والمجمل ولسان العرب والتكملة وأساس البلاغة وغيرها موضحاً في مقدمته أنّ عمله اقتصر في كتابه (تاج العروس) على جمع ما تفرّق في هذه الكتب، إذ يقول(( وجمعت منها في هذا الشرح ما تفرّق وقرنت بين ما غرّب منها وبين ما شرّق وأنا مع ذلك لا أَدعي فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت أو شَدَدْت أو رحلت وليس لي في هذا الشرح فضيلةٌ سوى أنني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب))(52 ).