التنبيه في أمور أخرى:
يصعب على المرء أن يجعل التنبيه وأساليبه ضمن حدود حاصرة، ونعرض فيما يأتي لأمور تتصل بالتنبيه للتدليل على كثرة أساليب التنبيه وطرقه، كثرة تصعب الإحاطة بها:
1. يجري التنبيه في العربية بعبارات كثيرة، فنحن نقول: أعرني سمعك، وانتبه إلي، وافهم ما أقول، وعِ ما تسمع…….. ولما كان القرآن الكريم يحفل بما يثير انتباه السامع، فقد آثرت أن أقف عند مفردات مادتين هما (غفل) و (نذر).
مادة (غفل):
وردت في التنزيل مفردات كثيرة من مادة (غفل)، وهي في سياقاتها تدل على معان متعدد، نقف عند اثنين منها لاعتقادنا أنهما يتصلان بالتنبيه على نحو ما:
أما الأول: فإن العربية تدل على المعنى ليس بمفرداته المخصوصة فحسب، بل تدل أيضاً بكلمات ضدية نُفِيَ عنها معناها الأصلي، ودلت في وضعها الجديد على النقيض تماماً، فإذا أراد الخالق عز وجل أن يبيّن أنه متنبه للأعمال الخبيثة التي تصدر عمن حاد عن جادة الصواب من بني البشر، وأنه محص لها، وحافظها عليهم حتى يجازيهم في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فإنه يعبر عن ذلك بقول: "وما اللهً بغافلٍ عما تعملون" أو بقوله: "وما ربك بغافل عما يعملون"، ودلالة مفردات مادة (غفل) على التنبيه، ليست لأنها مسبوقة بنفي فحسب، بل لأنّ الباء الزائدة في الخبر المنفي (بغافل) تفيد توكيد المعنى وتقويته، ولأن هذه العبارات كررت – بعينها- في مواضع كثيرة من التنزيل (77)، وقد سبق أن عرفنا ما في التكرير من تنبيه وتوكيد.
وهذه المفردات أكثر ما تأتي بعد إخباره تعالى عما يرتكب الإنسان من شرور، وعما يقترف من آثام، كالقتل، والعدوان، والظلم، والإخراج من البيوت، واتّباع الهوى، والصد عن سبيل الله…كقوله تعالى واصفاً بني إسرائيل: "ثُمَّ أنتم هؤلاءِ تقتلون أنفسَكم، وتُخْرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثمِ والعُدوانِ، وإنْ يأتوكم أُسارى تُفادوهم وهو مُحرمٌ عليكم إخراجُهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فما جزاء مَنْ يَفْعلُ ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويومَ القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذابِ، وما اللهُ بغافل عمّا تعملون."(78)، كما تأتي هذه المفردات بعد ما يدل على أن مقاليد الأمور هي بيد الحي القيوم، كقوله في ختام سورة هو: "وللهِ غيبُ السمواتِ والأرض، وإليه يُرْجَعُ الأمرُ كُّله، فاعبدْهُ وتوكل عليه وما ربُّك بغافلٍ عمّا يعملون."(79) ولعله لا يخفى ما في هذا الخطاب من بنية عميقة للتنبيه؛ فأكثر الناس هم في غفلة، فهم بحاجة إلى تنبيه، وهم يخوضون في بحور من الآثام والشرور، وهم لهذا أحوج ما يكونون إلى التنبيه أيضاً وهم بذلك مقبلون على الجحيم معرضون عن النعيم، وهم جاهلون أو متجاهلون بأن الله متنبه لعباده تنبهاً لا تخفى معه عليه خافية، ثم إنه الرقيب الحسيب.
وأما المعنى الثاني:- فهو يتعلق بالإنس ويصح بالجن لأنهم مشمولون بالخطاب القرآني أيضاً، وما تظهره بعض الآيات أن كِفة الغفلة راجحة على كفة الانتباه، فهذا ما يفهم من قوله تعالى: "ولقد ذرأنا لجهنمَ كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضلّ، أولئك هم الغافلون"(80) وإذا كانت بعض كتب اللغة تقول: "غفل الشيء: تركه، وسها عنه"(81) وإذا كانت بعض كتب التفسير تقول: "أصل الغفلة عن الشيء: تركه على وجه السهو عنه والنسيان له" (82) فإن صورة الغافل ضمن السياق القرآني تتجاوز ما سبق ذكره، فهي صورة حية نابضة، تنزل الغافل منزلة هو أهل لها، وتتجاوز منه الظَاهر إلى الباطن، والمادي إلى المعنوي، فغدا الغافل – وقد عطّل حواسه ومداركه- مغايراً لبني جنسه من البشر، بل إنه ينحدر عنهم، ليشبه الأنعام، ويزيدها ضلالة، بجعله نفسه لغير ما خلقت له، أضف إلى هذا أن السياقات الأخرى التي ورد فيها ذكر الغافل تبرزه مكذباً، ظالماً، متكبراً، معرضاً عن آيات الله ومعجزاته، قصير النظر لأنّ علمه مقتصر على ظواهر الدنيا ـ راضياً بالدنيا، مشغولاً بها…..(83) وهكذا يتبين مما تقدم أن مفردات مادة (غفل) في القرآن تدل على التنبيه، ولا سيما عندما تكون مسبوقة بنفي، وعندما تصور الغافل على حال يغدو معها أحوج ما يكون إلى التنبيه، وإن كان ذلك لا يجدي فيه نفعاً لأّنه عطل حواسه ومداركه.
مادة (نذر):
يرد الفعل أنذر بمعنى خوّف، وحذّر، والإنذار، الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف، والمنذِرُ: المُعْلِم والمُخَوِّف والمُحَذِّر. (84) وأعتقد أن الدارس لا يحتاج إلى كبير عناء ليدلل على الصلة ما بين الإنذار والانتباه، بل إنّ الإنذار يتطلب أن يكون الانتباه في أعلى درجاته، وخاصة عندما يتعلق بجلائل الأمور وعظامها.
وتأتي مفردات هذه المادة لتدل على صحة ما سبق ذكره من أن وظيفة التنبيه تتجلى بوضوح في الخطاب الديني ولا سيما في لغة التنزيل، بل إن للتنبيه في القرآن دوراً مهماً، وليس مصادفة أن يكون في أول سورة "الفرقان" قوله تعالى: "تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً"، ويسترعي الاهتمام، ويلفت الانتباه وفرة مفردات هذه المادة في لغة التنزيل، فقد ذكرت فيما يقرب من خمسين سورة (85) وتلك المفردات منها ما يؤكد أنّ الإنذار هو هدف القرآن وغايته وسداه ولحمته، كقوله تعالى على لسان نبيه: "وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به"(86)، "ومنها ما يبين أن الإنذار مهمة أولى للأنبياء، كقوله تعالى على لسان نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم: "وما أنا إلا نذير مبين." (87)، ومنها ما يبين أن الأنبياء والرسل كانوا منذرين في الأمم السابقة، ولكل نذيرها، فهذا ما يفهم من قوله تعالى: "إنا أرسلناكَ بالحقِّ بشيراً ونذيراً، وإن منْ أمةٍِ إلا خلا فيها نذِير" (88) لهذا يذهب بعضهم إلى أنّ آثار النذارة باقية في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.(89) وتفيد بعض الآيات بأن من الأمم مَنْ كانَ يلح في طلب النذير، لأنّ هدايتهم مقرونة بوجوده، قال تعالى: "وأقسَموا بالله جَهْدَ أيمانهم لئن جاءهم نذيرٌ ليكوننَّ أهدى مِنْ إِحدى الأُممِ، فلّما جاءَهم نذيرٌ ما زادهم إلا نفوراً"(90) فهؤلاء الذين اشترطوا لهدايتهم وجود المنذر بالغوا في إعراضهم وصدّهم عندما تحقق لهم ما أرادوا.
مما تقدم يبين أن انتباه الناس إزاء الإنذار والمنذر ليس واحداً، ذلك أن الكثرة منهم لا يجدي فيهم إنذار، ولا ينفع فيهم نذير، وهذا ما يدل عليه أيضاً قوله تعالى: " لَقَد حَقَّ القولُ على أكثرهم فهم لا يؤمنون"(91) وعدم إيمانهم ناتج عن أن النذر لم تُجْدِ فيهم نفعاً": "وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تُنْذرهم لايؤمنون".(92)
أما صفات مَنْ يتلقى الإنذار بالقبول والرضى- وهم القلة – فهم أولئك الذين تملأ الخشية قلوبهم، فضلاً عن أنهم يسترشدون بنور القرآن "إنما تُنْذِرُ الذين يخشون ربَّهم بالغيب، وأقاموا الصلاة، وَمَن تزكّى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير"(93).
وأولئك الذين لم ينفع فيهم الإنذار هم أنفسهم الغافلون، وهذا يفسِّر أن تكون الكثرة صفة في هؤلاء وأولئك ، فإذا كنا قد عرفنا أن الغافل مَنْ عطّل مداركه وحواسه، فإن الذين أعرضوا عن الإنذار قد عطلوا أجهزة الاستقبال فيهم، قال تعالى: "قُلْ إنما أُنذرُ بالوحي، ولا يسمعُ الصمُّ الدعاءَ إذا ما يُنذرون". (94).
ولعل مما يجعل الانتباه المرافق للإنذار أشدَّ، اقتران الإنذار بشيء مخوف، كما في قوله تعالى: فإن أعرضوا فقُلْ أنذرتكم صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ" (95) وقوله: "فأنذرتكم ناراً تلظى"(96)، وقوله:
"إنا أنذرناكم عذاباً قريباً". (97)، فالعذاب ليس كله آجلاً، بل منه العاجل، ومنه ما أصاب بعض الأمم الخالية التي لم تكن تأبه بالإنذار، لم تكن تبالي بما يمكن أن يحيط بها، والتي كانت تكذب بآيات الله، وتُعْرِض عنها، فقوم نوحٍ أغرقوا بماء منهمر، وعاد أخذت بريح صرصر عاتية، وثمود أهلكت بالصيحة، وهي صوت مهلك من السماء، وقوم لوط بادوا بريح عاصفة ترميهم بالحصباء(98)، ويلاحظ تكرار قوله تعالى: "فكيف كان عذابي ونّذرِ "بعد ذكره لما أحاق بكل أمة، وقد سبق أن بينا ما في هذا التكرير من تنبيه.
وهكذا يتبين لنا أن مفردات مادة (نذر) ذات صلة بالتنبيه، لأن المنذَر يفترض أن يكون في أعلى درجات انتباهه، لاقتران الإنذار بالخوف، كما أن مفردات هذه المادة كثرتْ كثرةً لافتة استدلّ بها على أن وظيفة التنبيه تضطلع بدور هام في الخطاب الديني.
2- الالتفات:
هو الانتقال بالأسلوب من صيغة المتكلم، أو الخطاب، أو الغيبة إلى صيغة أخرى من هذه الصيغ، وهي بمجموعها ست حالات، ولعلّ الأصمعيّ َ هو الذي أطلق عليه الاسم الاصطلاحي " (99). غير أن بعض أهل العلم يطلق عليه اسم "الاعتراض"، وهو عند آخرين "الاستدراك"(100)، ومما يعد من الالتفات قول زهير:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومَنْ يَعِشْ
ثمانينَ حولاً – لا أبالكَ – يسأم (101)
فزهير بالتفاته (لا أبالك)، وهو انتقال من المتكلم إلى المخاطب، أراد أن يجعل السامع متعاطفاً معه، منتبهاً لما يقول، فالكلام الذي يخصُ إنساناً يلقى العناية منه.
والالتفات تلوين في الأسلوب، يشبه وجود وردة حمراء بين ورود صفر، فإنها بتميزها عما سواها تسترعي الاهتمام، وتلفت الانتباه. ولعل الزمخشري من أبرز مَنْ عني بالحديث عن التنبيه الكامن في الالتفات، فهو يرى أن الالتفات: "فَنٌّ من الكلام جَزْلٌ، فيه هَزٌّ وتحريك من السامع"(102)، ويوفق الزمخشري عندما يجد في الانتقال من الغيبة إلى الخطاب درجة عاليةً من تنبيه المخاطب فضلاً عن المشاركة الوجدانية الناتجة عن الاهتمام بأحوال المخاطب، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: "… كما أنَّك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث لكما إن فلاناً من قصته كيت وكيت، فقصصتَ عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث، فقلتَ: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك، نبهتَهُ بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدتَهُ بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة "(103) ويخلص الزمخشري إلى القول في الالتفات إنه "يستفتح الآذان للاستماع، ويهش الأنفس للقَبول. (104) ومما ورد في لغة التنزيل من الالتفات قوله تعالى: "إنما هو إله واحد، فإياي فارهبون"(105)، بدأ الخطاب بالغيبة (هو) وانتقل إلى التكلم (إياي) فهذا أبلغ في التنبيه على الترهيب من فإياه فارهبون. ومنه قوله تعالى: "وقالوا: اتخذ الرحمن ولداً، لقد جئتم شيئاً إداً"(106). بدأ بالغيبة، ثم انتقل إلى المخاطبة، وفي ذلك"زيادة تسجيل عليهم بالجراءة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا"(107)، ويورد أهل البلاغة والتفسير من شواهد الالتفات التي وردت في لغة التنزيل، وفي الشعر العربي ما يحتاج البحث فيه إلى مقام أرحب.(108).
صفوة القول : إن الالتفاب هو الانتقال بالأسلوب من صيغة إلى أخرى ويهدف – في جملة ما يهدف – إلى إثارة انتباه السامع، ودفع الغفلة عنه.
3- التقديم والتأخير:
يستفاد من التقديم أحياناً معنى التنبيه، فهذا ما يُلاحظ في قوله تعالى:"فَقُلْ تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسَنا وأنفسَكم، ثم نبتهل فنجعلْ لعنةَ الله على الكاذبين."(109)، فقد قدم الأبناء والنساء على الأنفس في الذكر لينبه على لطف مكانتهم،وقرب منزلتهم، وليعْلَمْ أنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.(110).
4- الكناية:
قد يعمد المتكلم إلى التلميح من دون التصريح، وقد يُطلق الخطاب، ويكون له مدلولان، قريب وبعيد، والثاني منهما هو بيت القصيد، وربما جاء مثلُ هذا الكلام أوقعَ في النفس، وأشد تمكناً من القلب، وأدعى إلى التنبيه، واللجوء إلى هذا الأسلوب له ما يفسِّره، كأنْ يكون نص الخطابُ في أمور يُستحيْا من كشفها مثلاً.
ويرى بعض المفسرين أن مما يؤوّل هذا التأويل قوله تعالى: "إن هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجةً، ولي نعجةٌ واحدةٌ، فقال أكفِلْنيها وَعَزَّني في الخطاب."(111) فالمعنى البعيد للآية- وهو المقصود- هو التحاكم بين داوود عليه السلام، وبين أخيه لا في نعجة، ولكن في امرأة، فتحاكمهم كناية، وكلامهم كناية، وهذا "للتنبيه على أمر يستحيا من كشفه، فيُكنى عنه كما يكنى عما يستسمج الإفصاحُ به، وللستر على داوود عليه السلام، والاحتفاظ بحرمته"(112).
كذلك إن من المواضع التي استعملت فيها الكناية وغرضها التنبيه، قوله تعالى: " ليشهدوا منافعَ لهم ويذكرُوا اسمَ اللهِ في أيامٍ معلوماتٍ على ما رزقَهم من بهيمةِ الأنعامِ، فكلُوا منها وأَطعِموُا البائسَ الفقير."(113) فقد كنّى عن النحر والذبح بذكر اسم الله، لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا، "وفيه تنبيه على أن الغرض الأصليَّ فيما يُتقَّرَّبُ به إلى الله أنْ يذكر اسمه."(114) ولعل مما يقرب من هذا الذي سبق، الانتباه بشيء على شيء آخر، فقد ذُكر في قصة زكريا عليه السلام أنه كان يجد عند مريم فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء(115)،" وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر(116)." وفي ذلك محرِّضٌ له أن يدعو الله كي يهب له ذريةً طيبة من زوجه العاقر.
5- الفاصلة والتنبيه: