التنبيه في الدعاء:
يأتي الدعاء بمعنى توحيد الله والثناء عليه، ومسألة الله العفو والرحمة، ومسألة الحظ من الدنيا، وهو بمعنى آخر استغاثة وعبادة، وصلته بالتنبيه تُلاحظ في كثرة وجود أدوات التنبيه فيه، سواء أكانت حروف نداء أم غير ذلك من أدوات التنبيه من مثل (أَلا)، كما تُلاحظ في أنّ المتكلم ينبه بعبارات الدعاء إلى فضل المذكور.
وعبارات الدعاء المشتملة على التنبيه منها ما يدعو بخير، نحو: ربنَّا لك الحمد، اللهم اغفر لنا، وضمن هذا تأتي ألفاظ التصلية والتسليم والرضوان على النبيين والأولياء، وسائر الصالحين.(37) ومنها ما يدعو بشرٍّ كقوله تعالى: "ألا بُعْداً لثمودَ" (38).
وإذا كان يصح القول: إن التنبيه يفترض وجود الغفلة في المنبَّه، فإن هذا لا يصح في الأدعية التي نتوجه بها إلى الخالق، من مثل: يالله أعنا، ويا مالك الملك أعزنا، وياربّ اغفر لنا، فلا يجوز أن يقال في هذا إنه تنبيه للمدعو كما تقدم "ولكنه أُخرج مخرج التنبيه، ومعناه الدعاء لله عز وجل ليُقبل عليك بالخير الذي تطلبه منه، والذي حسَّنَ إخراجه مخرج التنبيه، البيانُ عن حاجة الداعي إلى إقبال المدعو بما يطلبه، فقد وقف في ذلك موقف مَنْ كأنّه مغفول عنه، وإنْ لم يكن المدعو غافلاً."(39).
مما تقدم نستنتج أن للدعاء صلة بالتنبيه، ففيه تنبيه على فضل المذكور أو تنبيه على شرّه، كما تكثر في عباراته حروف التنبيه من نداء وغيرها، وأنّ بعض عبارات الدعاء لا يصح أن يقال إنّ فيها تنبيهاً، لكن الصحيح أن يقال: إنها أُخرجت مُخرج التنبيه.
التنبيه والإشارة:
يؤتى باسم الإشارة لدواع كثيرة، منها أنْ يقصد به التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير من أجل تلك الأوصاف بما يُذكر بعد اسم الإشارة، كقوله تعالى: "إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ."(40) فاسم الإشارة (هذا) الذي يشار به إلى القريب، ينبه على عظمة القرآن، ويُؤذن بقربه قُرباً لا يحول من دون الانتفاع به، فالهادي قريب، وطرقه أقوم الطرق(41).
ويرى بعض النحويين أن (ها) التنبيهية أثَّرت تأثيراً حاسماً في أسماء الإشارة، فغدتْ من المعارف بعد أنْ كانت من النكرات، "ذلك أن اسم الإشارة في أصل وضعه، إنما هو اسم مبهم لوقوعه على كل شيء من حيوان أو جماد، وهذا يفسِّر وجود حرف التنبيه في أسماء الإشارة، كي ينبه المتكلم المخاطَبَ حتى يلتفت إليه ، وينظر إلى أي شيء من الأشياء الحاضرة يشير، فغدت بذلك أسماء الإشارة معرفة، ولم تك كذلك قبل دخول حرف التنبيه ها" (42).
ومعلوم أن أداة التنبيه (ها) تدخل على هذا، وهذه، وهذان، وهاتان، وهؤلاء من أسماء الإشارة، ويلاحظ أن دخولها يختص بالذي يدل على القريب من أسماء الإشارة دون الذي يشار به إلى البعيد، وبالتالي هذا يفسر خلو اسم الإشارة من (ها) إن اتصلت به لام البعد كما في قوله تعالى: "ذلك الكتابُ لا ريب فيه هُدىً للمتقين". (43) وقد أومأ ابن هشام إلى شيء من هذا حين قال: "ها التنبيهية تدخل على الإشارة غير المختصة بالبعيد، بخلاف ثَمَّ، وهَنّا، بالتشديد، وهنالك"(44).
وتدخل (ها) على ضمير الرفع المخبر عنه باسم الإشارة، كقوله: "ها أنتم أُولاء " (45)، فالضمير (أنتم) فصل بين (ها) واسم الإشارة، كما يجوز الفصل بـ إنْ الزائدة كقول النابغة:
ها إنْ تا عُذْرَةٌ إنْ لم تكن نفَعَت
فإنَّ صاحبها قَدْ تَاه في البَلَدِ (46)
وتدخل أيضاً على أيّ في النداء نحو: يا أيها الرجل، ولو حُذف حرف التنبيه فقلت: أي الرجل، لأوهم أنك مستفهم. وتدخل على اسم الله في القسم عند حذف الحرف، يقال: ها اللّه، بقطع الهمزة ووصلها. وتدخل على أول الكلام نحو: ها إنّ أخاك قادم.
ما تقدم يدل على أن التنبيه ذو صلة وثيقة بأسماء الإشارة الدالة على القريب وقد اعتلوا لخلو أسماء الإشارة الدالة على البعيد من (ها) التنبيهية بتفادي كثرة الزيادات، ففي (ذلك) و (تلك) اللام والكاف زائدتان، فلو جاز وجودهما مع زيادة الهاء في أول الكلمة لكثرت الزيادات كثرة تثقل الكلمة (47)، ولا أدري كيف يصح هذا الاعتلال في ثَمَّ التي يقول فيها إبن هشام: ثَمَّ اسم يشار به إلى المكان البعيد، نحو: (وأزلفنا ثَمّ الآخرين)" (48). وهو ظرف لا يتصرف … ولا يتقدمه حرف تنبيه"(49) فلا يخفى أنْ لا زيادة فيه، ولعل أغرب من هذا ما ذهب إليه الجوهري من أنهم جعلوا اللام في نحو (ذلك) عوضاً عن (ها) التنبيهية (50).
التنبيه في التوكيد:
يفيد التوكيد معاني متعددة، منها التقرير ودفع الشك أو الغفلة….. كذلك تتعدد الطرق التي تشتمل على التوكيد، يعنينا من هذه وتلك ما يكشف عما في التوكيد من تنبيه، وأبرز ما استوقفنا: اجتماع حرفي تنبيه أو أكثر، والتكرير.
إن دخول حرف التنبيه على مماثله في معناه، هو نوع من توكيد التنبيه وكلام العرب ينطوي على جمل من هذا القبيل، كما في اجتماع (يا) و (ها) في نحو: يا أيها الرجل، وقد لاحظ سيبويه هذا فقال: "….. ولا يكون هذا في غير النداء، لأنهم جعلوها تنبيهاً بمنزلة (يا) وأكدوا التنبيه بـ (ها)ً (51) إذن التنبيه مؤكد لاجتماع حرفين، أو لنقل بعبارة أخرى إن (ها) تعضد حرف النداء وتؤكد معناه. (52).
ودخول (ألا) على (يا) هو من هذا القبيل أيضاً، وهذه الطريقة تكثر في كلام العرب، كقوله:
ألا يا ابن الذين فَنوُا وبادوا
أما والله ما ذهبوا لتبقى (53)
وقول الآخر:
ألا يا صَبَا نَجْدٍ متى هجتَ مِنْ نَجْدِ
فقد زادني مسراكَ وَجْداً على وَجْدِ (54)
وقد فسر أبو حيان (ت 574هـ) هذه الطريقة مشيراً إلى التنبيه والتوكيد فيها بقوله: "ويا في تلك التراكيب السابقة حرف تنبيه أكدته ألا التي للتنبيه، جاز ذلك لاختلاف الحرفين ولقصد المبالغة في التأكيد"(55). كما وردت في تمثيل العلماء (ألا يا هؤلاء)(56) وفيه اجتمعت ثلاث أدوات تنبيه هي: (ألا) و (يا) و (ها).
والتكرير يراد به أن تزيل عن السامع كلّ غفلة، ليكون منتبهاً للذي تكرر، ويكثر في أسلوب الإغراء والتحذير، وقد اشتمل القرآن الكريم على أساليب من التكرير نعرض لبعضها فيما يأتي:
كُرِّرَ في سورة الرحمن قوله تعالى "فبأيِّ آلاء ربكما تكذبان" وهذه الآية من أبرز ما في القرآن من التكرير الدال على التنبيه، وقد جاء هذا التكرير مراعياً لمقتضى أحوال المخاطبين، ذلك أن هذه الآية عُنيت بخطاب المكذبين من الثقلين، ولا شك في أنهم بحاجة إلى شدة في درجة التنبيه تتناسب وما هم فيه من غفلة.
معروف أن القرآن الكريم ذكر في فواتح السور حروفاً مقطعة مثل (الم، الر، كهيعص)، ولم يقتصر ذكرها على سورة واحدة، بل جاءت مفرقة في غير موضع، وقد أُوِّل تكريرها على أنه تنبيه على غرض معين، وهو إعادة التنبيه على أن القرآن المعجز مؤلف منها لا غير، وذكرها في غير موضع واحد، أوصل إلى الغرض، وأقرُّ في الأسماع والقلوب"(57).
وكُرر في سورة القمر قوله تعالى: "فذوقوا عَذابي ونُذُرِ" وهذا التكرير أُوِّل على أن فيه تنبيهاً، ذلك أن الآية التي يُجدَّدُ ذكرُها عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين يُهدف منها إلى استئناف التنبيه والتيقظ لدى المتلقي، ودفع الغفلة، واستبعاد السهو. (58).
كذلك إن من التكرير الدال على التنبيه قوله تعالى: "كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين…"(59) فقد جاءت كلا لتفيد الردع والتنبيه على أنه لا ينبغي للمرء أن تكون الدنيا جميع همه، وقوله: (سوف تعلمون) إنذار ليخافوا فيتنبهوا من غفلتهم، وقوله " ثم كلا سوف تعلمون" تكرير لتأكيد الردع والإنذار، وأهل البلاغة يقولون: إنّ وجود (ثم) يدل على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول وأشد، كما يقال للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل (60) كذلك إن في قوله "كلا لو تعلمون… "تكريراً للتنبيه أيضاً. وإن تنبيه القرآن يتصف بأنه إنذاري، وقائي، ظاهره الهدى، وباطنه الرحمة، فهو يسبق اليوم الذي يجعل الولدان شِيباً.
وقد يأتي التكرير لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته، أو لما ينزِّل هذه المنزلة وتكون غاية المرسِل تنبيه المخاطَب على أمر معين، من ذلك قوله تعالى: "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون"(61)، فـ" هذا تنبيه للناس، وإيذان للناس لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة، واتّباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبونَ العظيم بين أصحابهما، وأنّ الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعقُّ أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة مَنْ لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البرَّ والتعطُّف".(62).
فغاية التكرار في مثل هذا التنبيه على خطأ أو غفلة بتذكير المخاطَب بأمر ثابت معلوم. ولعل مما يدخل في باب التوكيد والتنبيه ، الأساليب التي نلمح فيها زيادة الإيضاح كما في قوله تعالى: " هوَ اللهُ الذي لا إله إلا هو عالمُ الغيبِ والشهادة هو الرحمنُ الرحيمُ، هو الله لا اله إلا هو الملكُ القُدوسُ السلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبِّرُ، سبحان الله عمّا يُشركون، هو الله الخالقُ البارئُ المصوِّرُ له الأسماءُ الحسنى."(63) فيمكن في غير القرآن أن يُستغنى عن الضمير (هو) ولكنه صُرِّح بذكره في الآية في عدة مواضع توكيداً وتنبيهاً وزيادة في الإيضاح، ليستقر في النفس مرتبطاً بخبره. (64)
وهكذا نرى أن التنبيه يبتدي في التوكيد الناتج عن اجتماع حرفي تنبيه أو أكثر، أو الناتج عن التكرير.
التنبيه والاستفهام:
لم يختلف أهل اللغة في دلالة (ألا) و (أما) على التنبيه في أحوال مخصوصة، لكنهم اختلفوا في كونها بسيطة أو مركبة، وممن قال بأنها بسيطة ابن مالك(65) وممن قال بأنها مركبة الزمخشري(66)، وابن يعيش (67)، وابن هشام(68) وهؤلاء يرون أن (ألا) مكونة من همزة الاستفهام ولا النافية، كذلك أمَا، فهي مكونة من استفهام ونفي.
وإذا كان من الصعوبة بمكان القطع ببساطتها أو تركبها، فإنني أميل إلى التركيب، في (ألا) و (أما) لأنهما تشبهان (أليس) و (ألم) ولا خلاف في كون هاتين الأداتين مركبتين.
ويبدو أن التركيب يكسب الأداة – غالبا – معنى جديداً مستفاداً، فهذا ما يفهم مما ذُكر عن الخليل، قال سيبويه: "سألته عن "ألم تر أنَّ اللهَ أنزلَ من السماءِ ماءً فتصبح الأرضُ مخضرةً(69)، فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنّك
قلتَ: أتسمع أن الله أنزل من السماء، فكان كذا وكذا." (70) فما أفهمه من هذا النص أن اجتماع الاستفهام والنفي جعل الأداة (ألم) تدل على التحقيق، وقد عبر عنه الخليل بكلمة (واجب)، وتدل على التنبيه، ومثل هذا أشار إليه الزمخشري بقوله:
"ألا مركبة من همزة الاستفهام، وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً."(71)
ومهما يكن من أمر فإنّ لـ (ألا) و (أمَا) اللتين تدلان على التنبيه بعض الخصائص، ورأيتُ من المناسب أن أشير إليها:
تأتي ألا في صدر الكلام شأن حروف التنبيه ما عدا (ها) التي تأتي في الصدر والحشو.
وتُكْسَرُ إنّ بعد ألا وجوباً
ولا تدخل إلا على الجمل، ومثلها أدوات التنبيه عدا (ها)، والجمل بعدها تكون مصدرة بما يُتلقى به القسم من مثل: إنّ، واللام، وحرف النفي، ومثل هذا يقال في أَمَا، غير أن (أَمَا) تأتي للحال، و (أَلاَ) تأتي للاستقبال، و(أَمَا) تكثر قبل القسم في حين تكثر (أَلا) قبل النداء.
وخلاصة القول:
قد نتحصّل من اجتماع الاستفهام والنفي على أدوات يستفاد منها التنبيه والتحقيق. هذا ويمكن أن يكون السؤال بما فيه من استفهام فاتحة التنبيه على الغرض المراد، وما يستشهد به على هذا قوله تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى؟(72) وإنما سأله ليريه عظم ما يخترعه من الخشبة اليابسة من قلبها إلى حية نضناضة(73)، وفي هذا تنبيه على قدرة الله الباهرة، وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب والمقلوب إليه (74).
كذلك إن في قوله تعالى: "هل أتاك.(75) تفخيماً للحديث، وتنبيهاً على أنه ليس من علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنما عرفه بالوحي (76).