من خلال ما تقدم ذكره حول جذور التداولية في التراث العربي القديم، نلاحظ أن التداولية لها حضور قوي، وقديم جداً في التراث العربي، لا يقل عنه في التراث الغربي.
ـ التداولية في النقد المعاصر:
تحولت التداولية من اللغة إلى الأدب، وأصبحت تداولية أدبية، أو ما أصبح يعرف اليوم بالذرائعية الأدبية، التي تمثل مقاربة لدراسة النصوص وتحليلها، وفي هذا المجال تكون "التداوليات نظرية استعمالية، حيث تدرس اللغة في استعمال الناطقين بها، ونظرية تخاطبية تعالج شروط التبليغ والتواصل الذي يقصد إليه الناطقون من وراء الاستعمال للغة"(18).
فلقد تطورت التداولية من المجال اللغوي والمنطقي والفلسفي إلى الذرائعية الأدبية، التي تنقل النص من المستوى النحوي والدلالي إلى المستوى التداولي، حيث تركز الآراء في النقد المعاصر على مفهوم التواصل الذي يقوم على عملية الفهم والتأويل.
وتعد عملية القراءة في النقد المعاصر "تواصلاً يتحقق بين القارئ وموضوع القراءة، فالوصفية النقدية في إطار عملية القراءة، وظيفة تقوم على أساس السعي إلى تحقيق تواصل فعال بين القارئ وموضوع القراءة، وكأي تواصل تحتاج عملية القراءة إلى أسباب لعناصر الموضوع المقروء، وإحاطة بالعوامل الفاعلة فيه، مثل السياق، ومقاصد المتكلم"(19).
فالدراسات النقدية الحديثة تجعل من اللغة الأدبية نظاماً معقداً للاتصال، يجاوز مستويات الصياغة اللفظية والنصية إلى دراسة الحدث الأدبي انطلاقاً من دائرة الاتصال الاجتماعي، أي الانتقال باللغة الأدبية من مستوى النص كنظام إلى مستوى التواصل. وهذا فيه إشارة إلى نظريات القراءة أو الاستجابة المعاصرة.
وتعود بوادر التغيير أو الانتقال إلى ضرورة فهم النص انطلاقاً من ارتباطه بالسياقات أو التحديدات السياقية.
ويعد (فان ديك) من أهم أعمال النظرية التواصلية في النقد المعاصر "حيث أنه وضع تخطيطاً من ناحية البرنامج للذرائعية الأدبية بوصفها مكملاً لا فكاك عنه لنظرية النص"(20).
ويمكن اعتبار عام 1979 تاريخاً حاسماً في تحول (فان ديك) من علم الدلالة إلى نظرية أدبية عامة "تشتمل على نظرية للنصوص الأدبية ونظرية للتواصل الأدبي"(21).
ومنه أصبحت الذرائعية الأدبية مقياساً للحكم على أدبية الأعمال الفنية، ففي حين كان الاعتراف بما هو أدبي يتحقق بواسطة الخصائص البنوية وجملة الملامح اللفظية، أصبحت الأدبية تتحدد من خلال الاعتراف بإنتاج معين وخاص، واستقبال خاص أيضاً.
ثم تطورت الذرائعية وأصبحت في مراحل متأخرة جداً نظرية للسياقات تبحث في سياق الإنتاج والاستقبال، ثم إلى نظرية في الأفعال الكلامية.
ويوجد هناك تيارات لفهم الذرائعية، يرى الأول "أن الذرائعية الأدبية تفهم على أنها دراسة سياقات الإنتاج والاستقبال... في حين يرى الآخرون أن الذرائعية الأدبية ينبغي أن تفهم فقط في صلتها مع نظرية للفعل..."(22.
ومن أهم أعلام التداولية في النقد المعاصر نذكر على سبيل المثال لا الحصر: فان ديك غرايس، أوسن، سيرل، جون ديوي، وغيرهم.
ـ التداولية وتحليل الخطاب:
تعود أصول نظرية أفعال الكلام إلى عهد أرسطو والفلاسفة اليونان الذين عمدوا إلى دراسة أقسام الكلام لدراسة القضايا المنطقية، حيث ميزت هذه الدراسات "الصيغة الخبرية عن صيغ التمني والأمر وغيرها، فحصرت بالصيغ الخبرية وهي التعبير اللفظي عن القضية..."(23)
لكن هذه الدراسات عرفت تحولاً عند كانط، باعتبار أن هناك جملاً تحمل الصيغة الخبية، لكنها لا تحمل معنى الصدق والكذب.
وانطلاقاً منه ظهر اتجاه منطقي وصفي في القرن العشرين، يذهب إلى ما ذهب إليه كانط.
أما فيما يخص النقد العربي القديم، فقد عرف قضية الأفعال اللغوية تحت اسم "أغراض القول الشعري" كون بعض الدارسين المعاصرين لقضايا المعنى عند العرب القدماء يقول: "إننا نضع هذه التسمية المعاصرة: أفعال لغوية actes de langage لمجموعة من الظواهر الدلالية semantiques، والبراغماتية pragmatiques المتناولة في الإنتاج اللغوي العربي القديم، والتي كانت تدرس تحت عنوان أغراض القول..."(24).
فالدراسات الحديثة المعاصرة تعتبر الفعل اللغوي نتيجة تكلم لغة ما أو استعمالها مما ينتج عندنا مجموعة من الأفعال: التأكيد والأمر والوعد، والوعيد، وإثارة أسئلة وغيره.
ومنه، فإن تداوليات أفعال الكلام أو الأفعال اللغوية تختص بدراسة أغراض الكلام التي يقصد إليها المتكلم.
والحديث عن الأفعال الكلامية يقودنا مباشرة للحديث عن "أوستن" ومساهماته البارزة في هذا المجال، لأنه يعد من المؤسسين الأوائل لهذه النظرية (أفعال الكلام)، والرواد الذين طوروا الأبحاث في هذا المجال من خلال مجموعة من الأعمال أهمها: تطبيقه نظرية الأفعال اللغوية على الخطاب الأدبي عند "وليام جيمس"، التي توصل إلى التمييز بين ثلاث أنواع من الأفعال اللغوية.
1 ـ "الأفعال الإخبارية، الإنجازية، وهي مجموعة الأفعال التي توظف في إطار عملية التواصل"(25).
2 ـ أما النوع الثاني فهو مجموعة الأفعال اللغوية التي لا تخبر بشيء محدد وتسمى بالأفعال الإنشائية التي تدخل ضمن المستوى الجمالي والبلاغي.
3 ـ أما الأفعال التي لا تنتمي إلى الإخبار أو الإنشاء، فتشمل كل الأفعال التي يلجأ إليها المرسل والمتلقي لاستمرار التواصل وجلب انتباه السامع.
ولقد قام أوستن عند دراسته للجمل الخبرية بتمييز نوع منها مما لا يقبل الصدق ولا الكذب، كما قام بتفريعها إلى وصفية وإنشائية، ومما يدخل تحت الجمل الإنشائية قولنا مثلاً، أوافق أن يكون هذا شاهداً على شجاعتي.
فمثل هذه الجملة لا يصف شيئاً معيناً، ولا يخبر عن القيام بعمل معين.
وقسم "أوستن" الجمل الإنشائية إلى إنشائيات أولية، وإنشائيات صريحة، فالأولية من مثل قولنا: ـ سأحضر هنا، والصريحة من مثل قولنا: أعدك أنني سأحضر هنا.
كما ميّز "أوستن" أفعالاً ثلاثة ترتبط بالقول (locution) هي: فعل القول، والفعل المتضمن في القول، والفعل الناتج عن القول، أو الفعل بواسطة القول(26).
وركز "أوستن" على الفعل المتضمن في القول، ثم تحول تقسيمه للجمل إلى جزء من نظرية عامة للأفعال الكلامية التي عمد إلى تقسيمها إلى خمس أفعال:
1 ـ الحكميات، 2 ـ الإنقاذيات، 3 ـ الوعديات، 4 ـ السلوكيات، 5 ـ البنيينات.
قائمة المراجع:
1 ـ فرانسواز أرمينكو، المقاربة التداولية، ترجمة سعيد علوش، مركز الإنماء القومي، ص95.
2 ـ المرجع نفسه، ص96.
3 ـ المرجع نفسه، ص98.
4 ـ المرجع نفسه، ص99.
5 ـ د/ ميجان الرويلي، د/ سعد البازعي، دليل الناقد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، الطبعة الثانية 2000.
6 ـ د/ حامد خليل، المنطق البراغماتي عند تشارلز بيرس "مؤسس البراغماتية"، دار الينابيع، مصر، لبنان، 1996.
7 ـ المرجع نفسه، ص214.
8 ـ المرجع نفسه، ص219 ـ 220.
9 ـ محمد العمري، البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، أفريقيا الشرق، المغرب، 1999، ص293.
10 ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الجاحظ، مصر، الطبعة الرابعة، الكتاب الثاني، 1395هـ ـ 1975، الجزء الأول، ص75.
11 ـ المرجع نفسه، ص75.
12 ـ مجلة الوصل، معهد اللغة والأدب العربي، جامعة تلمسان، العدد الأول، جانفي 1994، نظرية المقاصد بين حازم ونظرية الأفعال اللغوية المعاصرة، محمد أديوان، جامعة الرباط، كلية الآداب، ص25.
13 ـ المرجع نفسه، ص26.
14 ـ المرجع نفسه، ص26.
15 ـ المرجع نفسه، ص26.
16 ـ أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلي، سر الفصاحة، دار الكتاب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1976، ص43.
17 ـ المرجع نفسه، ص33.
18 ـ دراسات سيميائية لسانية أدبية، العدد الثاني، 1987 ـ 1988، المغرب، تكامل المعارف: اللسانيات والمنطق، حوار مع الدكتور طه عبد الرحمن.
19 ـ مجلة الوصل، جامعة تلمسان، المرجع السابق نفسه، ص34.
20 ـ خوسيه ماريا بوثويلو إيقانكوس، ترجمة حامد أبو حمد، مكتبة غريب، سلسلة الدراسات النقدية، القاهرة، ص76.
21 ـ المرجع نفسه، ص76.
22 ـ الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، لبنان، 1998 ـ 1999، نظرية الأفعال الكلامية، طالب هاشم طبطبائي، ص65.
23 ـ مجلة الوصل، جامعة تلمسان، المرجع السابق نفسه، ص38.
24 ـ المرجع نفسه، ص39.
25 ـ الفكر العربي المعاصر، المرجع السابق نفسه، ص66.