جـ- سلسلة ذكرها السيوطي في "المزهر" وهي عن أبي علي الغساني، عن أبي عمر بن عبد البر، عن عبد الوارث بن سفيان، عن القاضي منذر بن سعيد، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن مهدي، عن أبي معاذ عبد الجبار بن يزيد، عن الليث، عن الخليل. وقراءة كتاب العين على ابن ولاد ثابتة في عدة مراجع. بل إن الروايات نفسها تتحدث عن وجود نسخة أخرى من "العين" عند أبي جعفر النحاس "وهو معاصر لابن ولاد" كان يقرئها لمن يحب من تلاميذه. وتمضي الروايات قائلة: إن المنذر بن سعيد حينما ذهب إلى مصر قصد أبا جعفر النحاس أولًا، ولكن نشأ بينهما نوع من الجفوة نتيجة تصحيح منذر بن سعيد خطأ وقع فيه النحاس1. ولذلك أبى النحاس أن يقرئ منذر بن سعيد معجم "العين" فانتقل ابن سعيد من مجلس النحاس إلى مجلس ابن ولاد وقرأ عليه ونسخ من نسخته كتاب "العين".
وننتهي من هذا إلى أن معجم "العين" من عمل الخليل -جزئيًّا على الأقل- وإن كان الأرجح أنه كان من عمله. ويبدو أن الدكتور إبراهيم أنيس -برغم تشككه في نسبة العين- يميل مع الرأي الذي ينسبه إلى الخليل وهو يدعم رأيه بقوله: "وفي رأينا أن مثل هذا الترتيب الصوتي الموسيقى لا يمكن أن يقوم به إلا الخليل الذي عرف أنه موسيقى وعني عناية خاصة بالأصوات. والدليل اختراعه علم العروض وتأليفه كتبًا في الموسيقى. فمثله يمكن أن يعني بهذا الترتيب المخرجي".
وقد طبع الجزء الأول من العين عام 1967، وقام بتحقيقه الدكتور عبد الله درويش على ثلاث نسخ مخطوطة. ولكنه توقف عن تحقيقه فتقدم لهذه المهمة الدكتوران إبراهيم السامرائي، ومهدى المخزومي. وقد نشرا الجزء الأول عام 1980 ثم تتابع نشر بقية الأجزاء حتى اكتمل المعجم في ثمانية أجزاء ظهر آخرها عام 1985.
أما ترتيب الخليل للعين فقد أخذ الصورة الآتية:
1- رتب كلمات معجمه على الحروف ترتيبًا مخرجيًّا. وقد وجد أعمق الحروف هي حروف الحلق فبدأ بها. ولم يكتف بذلك، بل رتب حروف الحلق فيما بينهما فوجدها ذات مخارج ثلاثة هي: الهمزة والهاء - ثم العين والحاء - ثم الغين والخاء - وقد كان من المتوقع إذن أن يبدأ الخليل معجمه بحرف الهمزة وأن يسمي كتابه بـ "الهمزة"، ولكنه عدل عن ذلك وبدأ بحرف العين وسمى كتابه "العين"، والسر في ذلك أن الخليل قد وجد -بحسه الصوتي- أن الهمزة صوت معرض للتغييرات مثل التسهيل أو الحذف، فلم يشأ أن يبدأ بها، ووجد أن الهاء صوت مهموس خفي فلم يشأ أيضًا أن يبدأ بها. وانتقل إلى الحيز الثاني من حروف الحلق فوجد فيه العين والحاء فبدأ بالعين لأنها "أنصع" أي: أوضح لأنها مجهورة.
2- كان يلتزم تجريد الكلمة من زوائدها، ثم يضعها في مكانها بعد ذلك، ومعنى ذلك أنه بنى معجمه على "الجذور" أو "ألأصول" وأهمل حروف الزيادة. وقد ظل هذا دأب معظم معاجمنا حتى الآن.
3- رتب الأصوات على الوجه الآتي:
ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ذ ث / ر ل ن / ف ب م / وأ ي .
4- خصص لكل حرف كتابًا أسماه باسمه. فالمعجم عبارة عن كتب بعدد حروف الهجاء هي كتاب العين - كتاب الحاء - كتاب الهاء ... وهكذا.
5- وفي كل كتاب كان يضع الكلمات التي تشتمل على الحرف الذي يحمل الكتاب اسمه أيًّا كان موضع هذا الحرف في الأول أو الوسط أو الآخر.
6- حين يتناول كلمة ما كان يقلبها على جميع أوجهها الممكنة. وكان في كثير من الأحيان يلتزم ببيان الأوجه المستعملة، والأوجه المهملة. فكلمة مثل "قد" تقرأ بوجهين إما مع البدء بالقاف أو مع البدء بالدال. وكلمة مثل "عند" إذا قلبت على أوجهها تنتج ست صور هي: ع ن د - ع د ن - ن ع د - ن د ع - د ع ن - د ن ع.
ولتوضيحها بالنسبة للثلاثي رسم ابن دريد مثلثًا وضع عند كل زاوية منه حرفًا من الحروف الثلاثة للجذر، وتحرك من كل زاوية في الاتجاهين، فحصل على التقليبات الستة:
ولتوضيحها بالنسبة للرباعي رسم الدكتور محمد سالم الجرح جدولًا ذا قوائم أربعة. فإذا وضعنا في القائمة الأولى أحد الأصول جاز لنا أن نضع في الثانية كلًّا من الثلاثة الباقية. ويتبادل مع كل واحد من حروف القائمة الثانية الحرفان الباقيان في الثالثة والرابعة. أي: أننا نحصل على ست صور في القائمة الرابعة مع حرف بعينه في القائمة الأولى. فإذا ضربنا ذلك في الاحتمالان الأربعة بالنسبة للحرف الأول حصلنا على 24 صورة. فإذا كان الأصل الرباعي مثلًا هو دحرج كان الجدول كما يأتي:
وتتكرر نفس العملية مع كل من الحاء والراء والجيم بوضعها في القائمة الأولى مكان الدال.
فإذا كان الجذر خماسيًّا ضرب هذا الرقم في خمسة فتبلغ صور الخماسي العقلية 120 تقليبًا.
وقد طبق الخليل التقليبات مع جميع كلمات الثنائي والثلاثي وكان ينص على المستعمل من هذه الصور والمهمل. ولكن مع الرباعي والخماسي. وجد أن العملية طويلة والاحتمالات كثيرة والصور المستعملة فعلًا -بالنسبة للمهملة- قليلة جدًّا، ولذا اكتفى بالتقليبات العملية فقط لا الممكنة عقلًا.
7- نتيجة لنظام التقليبات فإن كل كتاب لا يشتمل على كلمات فيها حروف سابقة: فكتاب "الحاء" لا يشتمل على أي كلمة فيها "عين"، لأن جميع الكلمات التي تشتمل على حرف العين قد سبقت في كتاب العين، وكتاب الهاء لا يشتمل على أي كلمات فيها عين أو حاء لأنها سبقت.... وهكذا. ومعنى هذا أن الكتب الأولى أكبر من الكتب المتأخرة. وكلما تأخرنا قلت كلمات الكتاب. ولهذا فإن كتاب العين يُعد أكبر كتب المعجم وحين نصل إلى كتاب الميم نجده لا يتجاوز بضع عشرة صفحة،لأنه لم يبق لهذا الحرف ليوفق معه إلا أحرف العلة الثلاثة. أما كتب الحروف المعتلة وهو آخر الكتب فلم يتجاوز بضع صفحات.
8 خضع تبويب الكلمات لنظام الكمية. فمثلًا في باب العين نجد الكلمات مسجلة بحسب التقسيم الآتي:
الثنائي - الثلاثي الصحيح - الثلاثي المعتل - اللفيف - الرباعي - الخماسي - أما الثنائي فقد قصد به الخليل ما وجد فيه حرفان من الحروف الصحيحة، ولو مع تكرار أحدهما في أي موضع طبقًا لنظرية العناصر، فيشمل مثل قد وقد وقدقد. كما يشمل مثل ددن وقلق وجلل. ولذلك يقول ابن القطاع: الثنائي ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا تبال أن تتكرر فاؤه أو عينه" وواضح أن اصطلاح الخليل هذا ناتج عن نظام التقليبات الذي اتبعه، لأن مثل ددن وقلق وجلل ستتماثل في صورة من صور تقليباتها وتشترك في موضع التكرير فيها. أما سائر اللغويين ممن لم يقلبوا، فيعتبرون مثل قد وجلل من مضعف الثلاثي، ويعتبرون مثل قدقد من مضعف الرباعي، ويعتبرون مثل قلق من السالم.
وأما الثلاثي الصحيح فهو عنده -كما عند غيره- ما اجتمع فيه ثلاثة حروف صحيحة. وأما الثلاثي المعتل فما وجد فيه حرفان صحيحان وحرف علة واحد سواء جاء أولًا "مثال" أو وسطًا "أجوف" أو آخرًا "ناقص". وأما اللفيف فقد عنى به ما وجد فيه حرفا علة سواء كانا مفروقين مثل وعى، أو مقرونين مثل كوى.
أما طريقة الكشف في العين فتقضي أولًا تجريد الكلمة من زوائدها لتحديد الجذر، ثم يبحث عن أعمق أصواتها لتحديد الكتاب. فإن كان من بينها "ع" أيًّا كان موضعها؛ فإن مكان الكلمة كتاب العين وإن لم يكن بها "ع" ووجد بها "ح" فمكانها كتاب الحاء ... ولهذا لا بد أن يعرف الباحث الترتيب المخرجي للحروف، ويفتش عن أقصى حرف في المخرج. فإذا حددنا الكتاب الذي سنبحث فيه عن الكلمة نظرنا إلى ناحية الكم، وحددنا نوع الكلمة أهي من الثنائي أم الثلاثي الصحيح أم الثلاثي المعتل ... وبذا نضيق دائرة البحث. وبعد ذلك نحدد مادة الكلمة عن طريق إعادة ترتيبها صوتيًّا. وأخيرًا نقوم بالتقليبات الممكنة، وسنجد جذر الكلمة المطلوبة ضمن هذه التقليبات.
تهذيب اللغة للأزهري:
كان الأزهري مخظوظًا في مقدمة معجمه فنشرت أكثر من مرة، قبل أن تتعهد المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر بتحقيق المعجم بأكمله ونشره. ويرجع الاهتمام بالمقدمة إلى أنها -كما يقول الأستاذ عبد السلام هارون- "من أهم الوثائق في تاريخ التأليف اللغوي وتاريخ المدارس اللغوية الأولى".
ويبدو أن الأزهري -وقد امتد به العمر من 282 إلى 370 هـ- قد ألف معجمه هذا بعد السبعين كما يفهم من عبارة له وردت في المقدمة2 وأنه حشد له خبرات هذه الأعوام الطوال، وأمده بكثير مما سجله وقيده وسمعه سواء من الأساتذة أو الأعراب أو القوم الذين وقع في أسرهم، وكانوا عربًا عامتهم من هوازن.
وقد ذكر الأزهري في مقدمة معجمه أن من الروافد التي أمدت معجمه:
1- تقييد نكث حفظها ووعاها من أفواه الأعراب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سنيات. إذ كان ما أثبته كثير من أئمة اللغة في الكتب لا ينوب مناب المشاهدة، ولا يقوم مقام الدربة والعادة.
2- المادة التي جمعها حين وقع في أسر القرامطة. وكان القوم الذين وقع في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد. وقد كانوا قومًا "لا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش". وقد أقام بينهم -على حد تعبيره- دهرًا طويلًا واستفاد من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة أوقع أكثرها مواقعها في الكتاب.
ومن يراجع "تهذيب اللغة" بأجزائه الخمسة عشر يجد مئات الأمثلة لهذه المادة التي رواها الأزهري عن طريق المشافهة والنقل المباشر. ولهذا فنحن لا نقر الدكتور عبد الله درويش على تشككه في قيمة المادة المسجلة من هذا الطريق، ووصفه لها بالندور. ومن أمثلة هذه المشافهة:
1- وسمعت الأعراب من بني عقيل يقولون: جارية فارهة وغلام فاره إذا كانا مليحي الوجه. "6/ 279".
2- وخطأ بعض الناس قول القائل: فلان يستأهل أن يكرم بمعنى يستحق الكرامة. قال: ولا يكون الاستئهال إلا من الإهالة، وأجاز ذلك كثير من أهل الأدب. وأما أنا فلا أنكره، ولا أخطئ من قاله لأني سمعته. وقد سمعت أعرابيًّا فصيحًا من بني أسد يقول لرجل أولى كرامة: أنت تستأهل ما أوليت، وذلك بحضرة جماعة من الأعراب فما أنكروا قوله "6/ 418".
3- سمعت صبيًّا من بني عقيل يقول: وجهي زين ووجهك شين أراد أنه صبيح الوجه وأن الآخر قبيحة ... والتقدير: وجهي ذو زين، ووجهك ذو شين "13/ 255".
ولم يكن للأزهري طريقة معينة في تسجيل مشافهاته:
1- فتارة يعتمد على الدليل السلبي "أي عدم سماعه عن العرب" في نفي وجود اللفظ أو التعبير ومن ذلك قوله:
أ- ولم أسمعهم يقولون في الغراب: نعق ولكنهم يقولون: نعب "1/ 257".
ب- لم أسمع الوضع في شيء من كلامهم "3/ 84".
2- وتارة ينص على القبيلة أو الجماعة اللغوية التي سمع منها.
وأكثر من سمع عنهم.
8 بنو تميم "1/ 129، 3/ 263، 5/ 169، 9/ 228، 10/ 562"
* بنو عقيل "4/ 327، 6/ 279، 13/ 255".
* بنو كلاب - الكلابيون "2/ 238، 15/ 446، 650".
* بنو كليب "1/ 376، 7/ 144".
* بنو نمير "13/ 158، 15م 650.
* بنو سعد "2/ 219، 7/ 178".
* قيس "3/ 326، 10/ 562.
* بنو أسيد "10/ 94، 110".
ثم طييء "14/ 359"، وبنو مضرس "15/ 124"، وبنو فزارة "11/ 155"، وبنو سليم "10/ 546"، والهجريون "1/ 344"، والبحرانيون "1/ 62".
3- وهو في معظم حالاته يسجل سماعه دون أن ينسبه ومن ذلك:
أ- سمعت بعض العرب "1/ 64، 106، 2/ 125، 284....".
ب- سمعت العرب "1/ 113، 151، 152، 178، 308، 328....".
جـ- سمعت غير واحد من العرب "1/ 212، 267....".
د- سمعت أعرابيًّا يقول: "1/ 241، 377 ... ".
هـ هذا سماعي من العرب "1/ 263....".
وسمعت امرأة من العرب "3/ 58....".
ز هكذا سمعت من العرب "3/ 331.....".
ومهما يكن من شيء فإن "تهذيب اللغة" يعد تابعًا في منهجه "للعين" تبعية كاملة، بل بلغ من اتخاذه نموذجًا له أن نقل مقدمة العين في مقدمته نقلًا يكاد يكون حرفيًّا، بعد أن اعترف أن هذه المقدمة -بإجماع اللغويين- من عمل أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد.
أما من ناحية المادة اللغوية فحجم التهذيب ضخم جدًّا بالنسبة لحجم العين. وقد أبدى الأزهري كذلك اهتمامًا كبيرًا بأسماء البلدان والأماكن والمياه. واهتم بإيراد الشواهد من القرآن والحديث بالإضافة إلى الشعر، كما عني بإيراد القراءات المختلفة في مكانها المناسب.
البارع للقالي:
مؤلف هذا المعجم أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المولود عام 280 هجرية والمتوفي عام 356 هجرية بالزهراء ضاحية من ضواحي قرطبة.
وبعد البارع أول معجم أندلسي، وإن لم يكن له من الأندلسية إلا مكان التأليف.
وقد دخلت نسخة من كتاب "العين" الأندلس، ولم تكن موثقة فأوعز الحاكم الأموي إلى مجموعة من العلماء منهم "القالي" بمقابلة الكتاب ولم يكن القالي يطمئن قبل ذلك إلى صحة نسبة "العين" للخليل.