عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (18): من كتاب البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر

كُتب : [ 04-23-2017 - 07:10 AM ]


الترتيب المعجمي عند العرب
من كتاب البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر

لا تعرف أمة من الأمم في تاريخها القديم أو الحديث قد تفننت في أشكال معاجمها، وفي طرق تبويبها وترتيبها كما فعل العرب. وقد تعددت طرق وضع المعجم العربي حتى كادت تستنفد كل الاحتمالات الممكنة. وقد كان العرب منطقيين حينما لاحظوا جانبي الكلمة، وهما اللفظ والمعنى، فرتبوا معاجمهم -إجمالًا- إما على اللفظ، وإما على المعنى، وبهذا وجد قسمان رئيسيان هما:
أ- معاجم الألفاظ:
ب- معاجم المعاني:
وقد كان مجال تنافسهم واضحًا بالنسبة للقسم الأول حيث وجدت في داخله طرق متعددة بخلاف القسم الثاني حيث لم يوجد فيه إلا طريقة واحدة. وما أظنهم كانوا سيكتفون بهذه الطريقة الواحدة لو أمكن -عقلًا- الاهتداء إلى طريقة أخرى. وبالنسبة لمعاجم الألفاظ كان هناك عدة أشكال لترتيب الأحرف الهجائية هي:
أ- الترتيب الصوتي الذي يراعي التشابه الصوتي للأحرف وتدرج المخارج.
ب- الترتيب الألفبائي الذي يراعي التشابه الكتابي للأحرف فيضع الثلاثيات متجاورة ثم الثنائيات وينتهي بالأحرف المفردة.
جـ- الترتيب الأبجدي وهو أقدم ترتيب عرفه العرب، وهو ترتيب فينيقي.
ولم يستخدم العرب في معاجمهم الترتيب الأبجدي، وإنما استعملوا الترتيب الصوتي والترتيب الألفبائي.
وقبل أن نتناول أنواع المعاجم العربية بصورة مفصلة نلخص مدارسها في الشكل التالي:
القسم الأول: "معاجم الألفاظ"
سنتناول معاجم هذا النوع على الترتيب التالي:
أ- مدرسة الترتيب الصوتي "أو المخرجي".
ب- مدرسة الترتيب الألفبائي.
وقد أخذت الأخيرة صورًا خمسة هي:
1- وضع الكلمة تحت أسبق حروفها الأصلية في الترتيب الألفبائي.
2- وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصلية.
3 - وضع الكلمة تحت أول حروفها دون تجريد.
4- وضع الكلمة تحت حرفها الأخير دون تجريد.
5- وضع الكلمة تحت حرفها الأصلي الأخير "الباب والفصل".
جـ- مدرسة الترتيب بحسب الأبنية.
وإليكم تفصيل ذلك:
أ- مدرسة الترتيب المخرجي:
معجم العين للخليل:
رائد هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد "100 - 175 هـ" الذي امتاز بعقلية رياضية، وبراعة في الموسيقى والنغم. وخبرة واسعة بأمور اللغة ومشكلاتها.
وقد صب الخليل كل خبراته هذه في معجمه الذي سماه "العين"، والذي يعد أول معجم من أي نوع عرفته اللغة العربية.
وأهم ما يميز هذا المعجم -عدا نظامه- أن مؤلفه لم يجمع مفرداته عن طريق استقراء ألفاظ اللغة، وتتبعها في مؤلفات السابقين، وجمعها من شفاه الرواة، وإنما جمعها بطريقة منطقية رياضية، حيث لاحظ أن الكلمة العربية قد تكون ثنائية وقد تكون ثلاثية، وقد تكون رباعية وقد تكون خماسية.
وفي كل حالة إذا أمكن تبديل حروف الكلمة إلى جميع احتمالاتها "بالانتقال من حرف هجائي إلى الذي يليه" وأمكن تقليب أماكن هذه الحروف إلى جميع أوجهها الممكنة يكون الحاصل معجمًا يضم جميع كلمات اللغة من الناحية النظرية. ولكن لا توجد لغة تستخدم جميع إمكانياتها النظرية، ولهذا كان لا بد للخليل بعدالإحصاء النظري أن يميز بين المستعمل من هذه الصور والمهمل وقد فعل ذلك، واستفاد في تمييز المستعمل من المهمل بثقافته اللغوية الخصبة، وبخبرته الصوتية الباهرة، ومعرفته بالتجمعات الصوتية المسموح بها وغير المسموح بها في اللغة العربية. وبذا حكم القوانين الصوتية إلى جانب تحكمة للمادة اللغوية المسجلة.
وإذا تصورنا كيفية حصر الخليل للمادة اللغوية في أبواب الثنائي والثلاثي الصحيح، فإننا نفترض أنه قام بصنيع يشبه الجداول الآتية لجمع مواد اللغة "التوافيق" ثم قام بتقليب أصوات كل مادة ليحصل على الصور العقلية الممكنة "التباديل":
وقد أثيرت شكوك حول كتاب العين شملت المؤلف نفسه أهو الخليل أم غيره. كما شملت احتمال وجود تأثير أجنبي على معجم العين. وسنترك قضية التأثير الأجنبي لمكانها في الباب الثالث من هذا البحث.
ونتحدث الآهن عن مؤلف العين أهو الخليل أم غيره. ولن نتناول القضية بالتفصيل، فقد سبقنا إليها الدكتور عبد الله درويش الذي خصص بابًا بعنوان "الخلاف حول كتاب العين" في كتابه المعاجم العربية.
ولكننا سنكتفي بالعرض السريع المركز.
تتلخص الآراء في مؤلف العين فيما يأتي:
1- أن المؤلف هو الخليل.
2- واضع الفكرة هو الخليل والمنفذ هو الليث.
3- المؤلف هو الليث.
4- واضع الفكرة، ومؤلف قسم منه هو الخليل. أما الذي أكمله فهو الليث.
أما من نفوا نسبة "العين" للخيل كليًّا أو جزئيًّا -وهذا يجمع الآراء الثلاثة الأخيرة- فقد بنوا رأيهم على ما يأتي:
1- اختفاء معجم العين منذ عصرالمؤلف حتى منتصف القرن الثالث الهجري. وحين ظهر على أيدي أحد الوراقين الخراسانيين أنكره أبو حاتم السجستاني "255 هـ".
2- وجود فجوة بين معجم "العين" وثاني معجم يظهر في اللغة العربية وهو معجم الجمهرة لابن دريد "321 هـ". مما يشكك في تأليف العين في القرن الثاني الهجري. فلا بد أن يكون مؤلفه لغويًّا متأخرًا.
3- لم يذكر أحد من تلامذة الخليل أو معاصريه هذا المعجم ولم يحكه عنه، مما يدل على أنه ليس من مصنفات الخليل.
4- تشكك كثير من العلماء في نسبته للخليل أو إنكارهم هذه النسبة. ومن هؤلاء الأزهري "370 هـ" الذي قال في كتابه التهذيب: "كان الليث رجلًا صالحًا عمل كتاب العين ونسبه إلى الخليل لينفق كتابه باسمه ويرغب فيه". ومن هؤلاء أبو الطيب اللغوي "ت بعد سنة 305" الذي يرى أن ترتيب الأبواب للخليل والحشو لغيره.
5- استخدام العين لبعض المصطلحات الكوفية مع أن الخليل أستاذ مدرسة البصرة. ومن ذلك إدخاله الرباعي المضعف في باب الثلاثي المضعف.
6- ما يوجد من خلاف في الترتيب الصوتي ومخارج الحروف بين ما جاء في العين وما جاء في كتاب سيبويه. فلو كان المؤلف هو الخليل لتطابق ما في الكتابين لأن سيبويه حامل علم الخليل.
7- كثرة الأخطاء والمآخذ في العين.
8- النقل عن علماء متأخرين أو معاصرين للخليل، والاستشهاد بالمرذول من شعر المحدثين.
9- نسخ العين التي عثر عليها كلها حديثة.
10- لا إسناد لكتاب العين.
ويبدو أن منكري نسبة العين للخليل -لكي يجعلوا إنكارهم مقنعًا- قد نسجوا من خيالهم قصصًا شائقة، وإن لم تكن في جملتها مقنعة. فمن ذلك ما يحكيه ابن المعتز عن ذهاب الخليل إلى خراسان ونزوله عند الليث. وقد لاقى الخليل حفاوة وترحيبًا وإكرامًا بالغًا من الليث؛ فقام بإهدائه معجمه "العين". وأعجب الليث بالمعجم وانكب عليه دراسة حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب. وطاب لليث يومًا أن يشتري جارية حسناء، مما أحفظ قلب زوجته عليه، وهداها تفكيرها إلى الانتقام منه في أغلى شيء لديه فأحرقت نسخته من العين. ولم يتوان الليث عن التفكير في طريقة يحيي بها الكتاب من جديد، فأخذ يكتب مرة أخرى ما كان يحفظه من الكتاب حتى أتم نصفه تقريبًا. ثم جمع بعضًا من اللغويين المعاصرين فعاونوه على إتمام الكتاب.
وقد أفضى الأستاذ الدكتور عبد الله درويش في مناقشة هذه الأدلة وأبطلها جميعها بما ملخصه، مع بعض إضافات لي أو لغيري:
1- يبدو أن عزلة الخليل، وانصرافه عن أن يدون كتبه بنفسه قد ساعد هو وغيره على أن يختفي كتاب العين بعضًا من الوقت فلم يظهر هذا الكتاب إلا بأخرة على يد وراق من خراسان، وربما كان مصير "العين" مثل مصير "الجيم" لأبي عمرو الشيباني، إذ يرون أن أبا عمرو بعد أن أتم تأليفه ضن به على الناس، ولهذا لم تكثر نسخه، ولم يشتهر أمره بين المتأخرين من العلماء.
2- أن هناك بعض معاجم ظهرت بين "العين" و"الجمهرة"، وأشهرها "الجيم" لأبي عمرو الشيباني "206 هـ".
3- ليس من الغريب أن يروي العين عن الخليل الليث وحده، فقد حدث ما هو أغرب من هذا بالنسبة لصحاح الجوهري، ومع ذلك لم يشك أحد في نسبته، حيث لم يروه -كما يقول القفطي- أحد من أهل خرسان.
4- أما إنكار الأزهري فلا اعتبار له، لأنه كان دائب التجريح لغيره من اللغويين، والانتقاص من قدر الكتب التي ألفت قبله حتى يرفع من قيمة معجمه.
5- أما ما يوجد من خلاف في الترتيب الصوتي بين الخليل وسيبويه أو ما يوجد من وفاق بين مصطلح الخليل ومصطلح الكوفيين، فلا شيء يمكن أن يؤخذ منه. وقد سبق أن عرضنا في فصل "النحو والصرف" تحت عنوان "هل وجدت مدارس نحوية عند العرب؟ " أمثلة كثيرة من هذا النوع فارجع إليها. بالإضافة إلى أن تصنيف الكلمات التي تكرر بعض حروفها محل خلاف كبير بين اللغويين، إذ لم يتفقوا فيه على رأي.
6- أما الأخطاء أو المآخذ الموجودة في العين؛ فلا دلالة لها كذلك حتى مع التسليم بها. وهل هناك من يزعم أن الخليل منزه عن الخطأ أو التصحيف أو التحريف؟ ومَنْ مِنَ اللغويين قد سلم من أمثال هذه الهفوات؟ ويكفي أن يراجع القارئ كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" لحمزة الأصفهاني "ت حوالي 460 هـ" ليرى مصداق ذلك. وأكتفي بأن أشير إلى الباب الأول من كتابه وعنوانه: "في تصحيفات العلماء في شعر القدماء وهم "أي العلماء" ستة وعشرو" ذكر منهم: أبو عبيدة، الأصمعي، أبو زيد، أبو عمرو بن العلاء، عيسى بن عمر، الخليل بن أحمد، سيبويه، أبو الخطاب الأخفش ... وبالإضافة إلى هذا فقد سبق أن ذكرنا أن الخليل قد وجه كل اهتمامه إلى الطريقة الرياضية التي جمع بها مادته اللغوية، وأنه لم يفعل كما فعل غيره من الرجوع إلى الرواة والأعراب ليسمع منهم ويسجل لهم. وهذهطريقة ربما كانت أكثر عرضة للخطأ من غيرها، وإن كانت أدق من الناحية الإحصائية.
7- أما ما عثر عليه من نقول، سواء من المعاصرين أو المتأخرين، فيمكن تفسيره بسهولة على النحول التالي:
أ- ما ذكره أهلورات -حيث عثر على قطعتين مخطوطتين لا عنوان عليهما- ووجد فيهما نقولًا عن ثعلب "ت 291" والدينوري "ت 281" وكراع "ت 307" والزجاج "ت 310" وغيرهم- لا قيمة له مطلقًا؛ لأن القطعتين ليستا من كتاب "العين" كما زعم وإنما من كتاب "المحكم" لابن سيده كما حقق الدكتور عبد الله درويش.
ب- أما نقوله عن المعاصرين فلا شيء فيها، وقد كانت هذه طريقة القدماء، يجلس أحدهم إلى من يجد عنده علمًا دون نظر إلى سنة أو بلد ولا نظن أن نقل المؤلف عمن هو أصغر منه سنًّا -ما دام في سن تسمح بالأخذ عنه- يعد أمرًّا غريبًا، أو شيئًا مثيرًا للشبهة.
جـ- وأما نقوله عن المتأخرين فتفسيرنا لها أنها كانت أول الأمر بمثابة حواش أو تعليقات كتبها أحد التلامذة على نسخته من العين. وبمرور الوقت أدخلت هذه الزيادات في صلب الكتاب بفعل النساخ. وقد حدث هذا لكثير من الكتب، فليس "العين" بدعًا من بينها.
8- وأما الزعم بأن كتاب "العين" ظل بلا إسناد ولا رواية فليس من الواقع في شيء فعندنا ثلاث سلاسل لإسناد الكتاب وهي:
أ- السلسلة الموجودة في النسخة التي طبعت وهي: قال أبو معاذ عبد الله بن عائد: حدثني الليث بن المظفر ابن نصر بن سيار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب ...
ب- سلسلة ذكرها ابن فارس في أول المقاييس، وهي عن على بن إبراهيم القطان عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم المعداني ... عن الليث عن الخليل.

رد مع اقتباس