عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-22-2017 - 05:04 AM ]


إن المنظرين الأعلام الذين نظّروا لهذا العلم الجديد وأولهم الفيلسوفان "ج.أوستين"وتلميذه "سيرل" ، ثم عالم الاجتماع "غوفمان" ، فالمتخصص في دراسة الأعراق "غمبرز" ، فمدرسة "بالوألتو" ذات التوجه النفسي ، و"فيتغنشتاين"... كل هؤلاء كانوا من السباقين الذين ساهموا في إرساء قواعد التداولية ، يركزون على أن موضوع التداولية هو دراسة الظواهر اللغوية أثناء الاستعمال . ويلحون على أنه موكل إليها دراسة القصد الإخباري ، أو معنى الجملة ، ودراسة القصد التواصلي و معنى المتكلم .وأما المقدرة على الإدراك وإنتاج فعل تواصلي ما فتدعى"القدرة التداولية" كما يسميها "كاسبر" 1997Kasper .
وما يمكن أن نستنتجه من كل ما تقدم ، هو أن التداولية قد أولت أهمية بالغة إلى الجانب الاتصالي ، أي دراسة اللغة في علاقتها بمستخدميها . في حين ظلت الدراسات اللسانية الفارطة تستبعده ، واعتنت فقط بالتراكيب والمعاني . وفي هذا الصدد نعثر في "دليل الناقد" على ما يؤكد هذا الكلام : وفي الطرح اللساني ، ركزت الذرائعية على ما أهملته اللسانيات . فإذا ركزت اللسانيات على علم التركيب وعلم المعاني ، فإن الذرائعية (...) ركزت على الجانب الاتصالي ، أي علاقة الإشارة بمستخدميها . هذا الجانب ظل مستبعداً دائما من قبل اللسانيين الذين ركزوا أبدا على جوانب القواعد الشكلية وميّزوها عن الاستخدام اليومي العادي (...) . حتى "نعوم تشومسكي" اتبع هذا النهج ، إذ سعى إلى استخلاص موضوع ألسني وعزله عن الاستخدام العام اليومي ، ليكون قابلاً للدرس العملي ، لكن ردود الفعل توالت حديثاً ضد هذا الاستبعاد ، إذ يرى صحاب الذرائعية (أو التبادلية) أن اللغة لا يمكن أن تنعزل عن استخدامها وتنحصر في علمي النحو والمعاني ، بل إن الاتصال يلعب دورا فاعلاً إذا أردنا أن نفهم حقيقة اللغة ([10]) .
ومن آثار هذه التحول الجديد ، أن برز توجه جديد ، ممثلا في دراسات نقدية مغايرة ، تساير هذه التحول الداعي إلى الاهتمام بدراسة الأدب في علاقته الاتصالية وظروفه السياقية ؛ معلنة في نفس الوقت عن عقم الدراسات اللسانية التي أخرجت هذه العلاقة من دراستها .
ومن هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر ، ما قام به "ستيفن ليفنسون" في مؤلفه الموسوم بـ : "pragmatique" ، والذي يعترف فيه بكل وضوح بأن نظرية علم المعاني لا تُعيننا كثيراً على فهم اللغة ([11]) .
وتماشياً مع هذا التطور الطارئ على الدراسات الأدبية الحديثة فقد ركزت الذرائعية على سمة الأدب الاتصالية انطلاقا من أن الاتصال عموماً لا يكتمل دون أخذ الأدب وسياقه في الاعتبار . كما أن دراسات الأدب لا تكتمل دون الأخذ في الاعتبار توظيف لأدب لمصادر الاتصال المختلفة . إن أبعاد هذا الطرح لا شك مثرية ، فالأدب لم يعد نصاً مغلقا أو بنية شكلية معزولة عن سياقها ، بل إن هذا الاتجاه أعاد إلى الدرس الأدبي الصلة القديمة بين الخطابة والشعرية . ولهذا فإن الدراسة الذرائعية / التبادلية للأدب تسعى إلى اكتشاف التقنيات العلمية في النص (الإيحاء ، والافتراض المسبق ، والإقناع) ، وربطها بالقوى الخارجية في عالم الكاتب والقارئ ، مثل علاقات القوى والتقاليد الثقافية وأنظمة النشر والتوزيع والرقابة ، وهلم جرا . ويبقى التركيز في كل هذا على صلات الاتصال والتفاعل الخاصة والدقيقة الفعلية([12]) .
وهذا الاستشهاد يسمح لنا بالقول ، إنه إذا كان علم التركيب يهتم بدراسة العلاقة بين العلامات في طار الجملة ، وإذا كان علم الدلالة ديدنه البحث في العلاقة بين العلامات والأشياء . فإن التداولية في النقد الحديث تدخلت لجبر النقص الملاحظ في كلا العلمين ، بإهمالهما الجانب التواصلي ؛ فأخذت على عاتقها دراسة علاقة العلامات بمستعمليها ، واضعة لمنهجها مفاهيمه الخاصة به ، تلك المفاهيم لم تكن ذات شأن من قَبلُ في فلسفة اللغة ، وفي اللسانيات البنيوية ،ولم تتوصل إلى معالجتها بكيفية حاسمة . ذلك أن اللغة البشرية إنما هي خزان مقاصد ، وينبوع معاني ، ينهل منه الناس لتحقيق أغراضهم ، وقضاء مأربهم ، والإفصاح عن أفكارهم . و لا يتم كل ذلك كله إلا بواسطة آلة التعبير عن المعاني في السياق المناسب ، وإن لم يكن هذا ، فما جدوى اللغة التي نتكلم بها إذا لم تكن حاملة للمعاني ، ومفسّرة لأحوال الناس ، ومفصحة عن مكنوناتهم ، ومحققة لأغراضهم ؟ .
التداولية : الظهور والمنشأ والتطور :
1 ـ الدراسات اللغوية : من البنيوية إلى التداولية :
مما هو معلوم أن البحوث اللسانية قد انصب اهتمامها على الدراسات اللغوية من جميع جوانبها ، وما تثيره هذا الدراسات من قضايا جوهرية على شاكلة : أصل اللغة ونشأتها وتطورها ... ولكن الذي غلب على هذه النظريات ، وهي تتناول اللغة بالدراسة والبحث، هو أنها تناولتها في جانبها الصوري الوصفي. كما أن كل دارس قد درس اللغة من وجهة نظر الأدوات المنهجية التي يوظفها في تحليله ذاك . وهذا يفسر طول عمر "المرحلة الوصفية" في القرن المنصرم ، هذا عامل . والعامل الثاني يتمثل في بطء تحول نظرة اللسانيات الشديد من التأمل الوصفي للظواهر اللسانية ، إلى الرؤية التفسيرية لهذه الظواهر .
ولذلك فلا نعجب إذا ما عثرنا على "الأدوات الوصفية" التي ما يزال بعضهم يستعين بها في الدراسات اللسانية . ولاسيما في وطننا العربي ، الذي عجز عن مسايرة تقدم العلوم اللسانية عند غيرنا من أمم أوربا ، وسيان في ذلك الشق النظري والشق المنهجي .
حينما ظهرت المدرسة البنيوية كان من مبادئها أنها دعت إلى تحليل العمل الإبداعي على أساس أنه آلة لتصنيع الأشكال اللغوية القابلة للتفكيك ، ثم إعادة التركيب والبناء ، فالنص الإبداعي في نظرهم عبارة عن رقعة شطرنج قوامها المداخل المعجمية المرموقة وفق قوانين البنيوية ، أي علائقية ، باعتبار أن مفهوم البنية يقوم أساساً على العلاقات قبل أن يقوم على الكيانات المعزولة ([13]). وفي زمن لاحق لهذه الدراسة، برز إلى الوجود مصطلح جديد يدعى "التفكيكية"، وهي بمثابة التحليل العلمي للإبداع في جميع مظاهره.
ولقد واكب حركة التفكيك هذه نشوء ما يسمى "البنيوية التكوينية" ، والتي ألحت على إقحام المكون الاجتماعي في التحليل البنيوي . وكان من نتائج هذه الدعوة أن ظهر ما يعرف بـ : "سوسيولوجيا الأدب" بزعامة "لوسيان قولدمان" ، و"أمبرتو إيكو" وذلك من خلال كتابه "البنية الخفية" والتي يقصد بها "البنية المجتمعية" . وهو أمر لم تكن تعترف به تعاليم البنيوية فيما سبق ، لاعتقاد أصحابها أن هذه البنية تنأى بالناقد عن الآلية الإبداعية . ناهيك من أنه مكون يشوش على الناقد ، ويحُول بينه وبين الوصول إلى المكونات الأساسية للنص ، أي لبنية النص المدروس .
ومع ذلك واصلت البنيوية مدها الذي بلغ منتهاه في تحليل النص الأدبي ، خاصة مع ظهور التوجه البنيوي الذي على في الدعوة إلى التحليل الوصفي ، وتشدد في تطبيق إجراءات المنهج الشكلي . ومن رواده : غريماس ، جيرار جينيت ، كورتيس، دريدا ... وآخرون .
وبعد هذا كله حل عصر الاتجاه التداولي ، والذي نتوسم فيه أنه من الممكن أن يقدم للنقاد والعاملين في حقل الأدب ، والمتعاملين مع النصوص الأدبية ، أدوات إجرائية ومنهجية تعينهم على أن ينْفذوا إلى أعماق البنية الإبداعية عند المبدع ، كما تُعين المؤلف على أن يبلور نظرة نقدية للنص الذي أبدعه .ومن هنا تكمن فائدة هذا المنهج في أنه يقدم أدوات جديدة للعمل النقدي الذي يتعامل فيه مع جميع النصوص الإبداعية ، والتركيز على النص "المتحرك" ، أي معاينته أثناء أدائه وظيفته التواصلية .
أن التداولية كمبحث لساني حديث الظهور ـ ذلك أن الاهتمام بالبعد لتداولي للغة ليس منا ببعيد ـ حيث يؤول زمن بروز البحوث المنجزة في إطار السياق الثقافي الغربي ـ باعتباره المرجع الأساس لهذا النوع من الدراسات ـ إلى فترة الثمانينيات . غير أن هذا لا يمنعنا من القول بأن قبسات هذا المبحث قديمة جدا ، فقد عثر على كلمة "Pragmaticus" (التداولية) عند الإغريق واللاتين، والتي تدل على كلمة "عملي" . بينما الاستعمال الحديث للتداولية Pragmatiqueيعود إلى تأثير الفلسفة الأمريكية "البراغماتية"([14]) . وذلك بعد أن توسع مفهوم البراغماتية ليشمل معاني المحادثات . فمنذ أن نبّه الفيلسوف "شارل موريس" في كتابه "أسس نظرية العلامات" 1983 إلى أن التداولية يجب أن تهتم بدراسة علاقات العلامة بالمؤولين ، مذ ذاك انصب اهتمام التداولية على البعد العملي للمعنى ، أي معنى المحادثة . هذا التنبيه نجم عنه لفت نظار النقاد والباحثين إلى أهمية تفسير المحادثات الواقعة فعلا . واستنادا إلى ذلك ، فقد تم توصيف التداولية بأنها فهم اللغة الطبيعية . وبهذا تم استقلال التداولية عن الفلسفة البراغماتية التي كانت الموجه لمبحث التداولية ، وغدت رافدا فرعيا لنهر اللسانيات الكبير .
لقد شهدت الدراسات التداولية تطورا سريعا في الغرب الأنجلوساكسوني ، ويعزى هذا التقدم إلى جهود الباحثين الذين كان لهم الباع الطويل في هذا التطور . وذلك ما حصل في بلدان الأراضي المنخفضة والدانمرك والنرويج وبلجيكا . وكان من ثمرات هذا التطور أن تمخض عن ميلاد "الجمعية التداولية العالمية" IPRAالعام 1987 . وفي معترك هذا التطور ، ظلت التداولية ذات وجهة فلسفية توجهها الممارسات الفلسفية . ولكنها ما انفكت تشهد تحولها التدريجي منذ سنوات نحو تشكلها كحقل لساني بالإبقاء على كينونتها العلمية في معالجة المعنى اليومي . وما تجدر إليه ها هنا هو أنه بالرغم مما بذهب إليه الكثير من الباحثين من أن التداولية Pragmatique، والمذهب الذرائعي الفلسفي Pragmatismeمختلفان إلا أن بعض الباحثين يرى أن المذهب الذرائعي هو أحد مصادر التداولية ، وأصل التسمية يعود إلى منظري السيمياء مثل :"ش.س.بورس"**،"شارل موريس"، "جون ديوي"...([15]).
ونتيجة لذلك يسجل المتتبعون لمسار الدراسات التداولية بأنها سارت في اتجاهين اثنين هما : الدراسات اللسانية والدراسات الفلسفية . فالدراسات اللسانية استعملت التداولية بوصفها جزء من السيميائية اللسانية ، وليس بعلاقتها بأنظمة العلامات عموماً . ويلاحظ بأن هذا الاتجاه اللساني ما زال ساريا لحد الآن في اللسانيات الأوربية .بينما الدراسات الفلسفية ، وبالأخص في إطار الفلسفة التحليلية ، فقد خضع مصطلح التداولية إلى عملية تضييق في مجاله . فها هو الفيلسوف "كارناب" يساوي بين التداولية والسيمياء الوصفية ، بيد أن هذه البحوث التي استندت إلى هذا الفيلسوف قد اعتراها التوسع لتشمل دراسات من خارج اللسانيات ، نذكر منها : دراسات فرويد ، ويونغ عن "زلات اللسان" و"تداعي الكلمات" . ذلك أن التطور الحاصل في نظرة "كارناب" بيّن مدى أهمية وضع قيمة زمان ومكان الحدث الكلامي في الحسبان ، علاوة على دراسة اللغة المستعملة . ولهذا كان من المناسب جداً أن يتغلغل إلى تعريف "كارناب" لتداولية مفهوم "السياق" . هذا السياق الذي ينطوي على هويات المشاركين في الحدث الكلامي ، ومقاصدهم منه ، والمحددات الزمانية والمكانية ، والمعتقدات . وكذلك من جهته فقد ساهم تعريف "موريس" للتداولية في النهوض بمجموعة من الدراسات شملت دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية الموجودة داخل أنظمة العلامات بشكل عام ، أو داخل اللغة بشكل خاص . ودراسة التصورات التجريدية التي تشير إلى الفاعلين ، وكذا دراسة المفردات التأشيرية.


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 04-22-2017 الساعة 05:22 AM

رد مع اقتباس