الصورة الثانية: مبتدأ + خبر جملة:
إذا كان الأصل في الخبر المفرد أن يكون نكرة، فإنه يفترض في الجملة التي تكون خبرا أن تكون نكرة أيضا، غير أنها في حقيقة الأمر ليست نكرة ولا معرفة ، لأن التعريف من عوارض الذات ، وما يقع من الجمل نعتا لنكرة فجائز من حيث إن الجملة قابلة للتأويل بالنكرة [xvi]، وهذه الصورة التي يكون الخبر فيها جملة هي ما أطلق عليه ابن هشام اسم الجملة الكبرى، وقد تكون جملة الخبر اسمية؛ فتقوم عملية الإسناد فيها بين المبتدأ والخبر (ذات وجه) أو فعلية يكون الفعل والفاعل طرفيـها الإسنادييـن (ذات وجهين) وتتمثل ذات الوجه في قوله [xvii] (بسيط) :
ِفي غُربةٍ أَزليَّةٍ نَحيا مَعًا وَحياُة وَجدٍ كُلُّهَا أَتعابُ
وذات الوجهين في قوله [xviii]:
اللَّيلُ يَسكُنُ مُقلتيْـِك.
وهذه الجمل التي حلت محل مفرد تم بها المعنى، فأخبرت عن المبتدأ، كما يخبر عنه المفرد، لأن الخبر هو ما يستفيده السامع ويصير مع المبتدأ كلاما، سواء كان مفردا أو جملة، ومن المعروف أن جملة الخبر لابد فيها من عائد يعود على المبتدأ ، وهو في الأولى الضمير المتصل بالمبتدأ الثاني، وفي الثانية الضمير المستتر بعد فعل جملة الخبر، وقد استمد الخبر -في الجملة الأولى- قوته من كونه جملة، ويتضح ذلك عندما نقارن قول الشاعر (حياة وجد كلها أتعاب) بقولنا (حياة متعبة كلها) ، فالتعب في الجملتين ميزة الحياة بأكملها، لكن الجملة الأولى أقوى في تعبيرها عن ذلك ، وهذا راجع إلى تركيبها الذي جعلت فيه لفظة (كل) ركنا إسناديا لا يجوز حذفه، مما يؤكد أكثر عدم وجود لحظة من لحظات الحياة دون تعب – في نظر الشاعر- لكنها في الجملة الثانية توكيد للمبتدأ، و التوكيد ليس ركنا إسناديا، وهذا ما يجيز حذفه من الجملة دون أن يختل التركيب أو المعنى العام، فالفرق بين كون الخبر جملة في الأولى، ومفردا في الثانية جعل الأولى تتسم بالقوة في الحكم والتأكيد على المعنى.
ويلاحظ في قوله [xix] ( هزج) :
دُموعُ الأَمسِ تَشرَبُنِي دُموعِي – الآنَ – تَسقِينِي.
أنه قد فصل بين المبتدأ وخبره، وذلك من سنن العرب التي جرت عادتها أن يعترض بين الكلام وتمامه كلام مفيد يضيف إلى المعنى التام معنى زائدا ، فقوله: ( دموعي – الآن- تسقيني ) كلام تام قبل أن تعترض الجملة (دموعي تسقيني) لفظة (الآن) ، والغرض من هذا الاعتراض تحقيق معنى إضافي يصبو إليه الشاعر، وهو تحديد زمن الجملة، وتعيين اللحظة التي تم فيها الخبر وهو الزمن الحاضر واللحظة الراهنة، فكلمة (الآن) تقف جنبا إلى جنب مع جملة الخبر المضارعية ( تسقيني) لتحديد الزمن الدقيق للجملة.
ومن أشكال هذه الصورة، الجملة التي يزيد تركيبها على الركنين الرئيسيين، كقولـه [xx](بسيـط):
عَيناكِ فِي كَوْثِر الرَّحمانِ غُمِّستَا عَينايَ لله في عَينَيْــكِ سَبَّحتَا.
جَنَّاُت عَينيكِ فِي عْينيَّ قد سُكبَت عَيْنايَ بِالوجِد من عَيْنيكِ ارْتَوتَا.
عَيناكِ نَرجسَــةٌ تَالله مَا ذَبُلـتْ عَيناكِ بِالعَسـلِ الصَّافِي تَبلَّلتَـا.
عَيناكِ فِي عَتَمَاتِ اللَّيِل فِي وَهجِي عَيْناكِ فِي قَلْبِي المَهجُوِر أَبْرَقتَا.
فكثيرا ما يعتمد الشاعر وغليسي على مثل هذه الزيادات، وفي هذه الأبيات مجموعة من الجمل التي توسط المتمم فيها المبتدأ و الخبر، حيث فصل الجار والمجرور في معظمها بين الركنين العمدة، وفصل القسم (تالله) بينهما في البيت الثالث، ولنأخذ مثلا جملة (عيناي لله في عينيك سبحتا) التي فصل فيها بين المبتدأ والخبر بمتممين، حدد الأول فعل التسبيح لمن يكون، وحدد الثاني كيف الفعل يكون.
وقد يتقدم المتمم على الجملة الاسمية، كما في قول شاعرنا [xxi] (بسيط) :
وَبِرَغِم إِعْصاِر الزَّمانِ... بِرَغمِهِ صَفْصَافَتِي سَتظلُّ حُلمًا مُوِرقَا.
أو يتأخر كما في قوله [xxii]:
قِطارٌ يجِئُ
وَآخَرَ يمْضِي كَطيفٍ عَبَر.
وذلك لما تمتاز به الرتبة في اللغة العربية من مرونة ، وما يمتلكه الشاعر من حق التقديم والتأخير، ما لم يكن لذلك التغيير في التركيب أثر على المعنى المقصود.
ومن أشكال هذه الصورة أن يتعدد الخبر في الجملة، وترتبط هذه الظاهرة بميل الشاعر إلى الإطناب، والخبر صفة في المعنى، فكما يمكننا أن نصف الإنسان أو الشيء بأكثر من وصف ، يمكننا أن نخبر –أيضا- بأكثر من خبر ما دام كالصفة، فيكون المبتدأ واحدا ،وأخباره متعددة. وقد تكون هذه الأخبار المتعددة من نوع واحد ، مفردات كلها أو جمل أو أشباه جمل، وقد تختلف، فيأتي منها المفرد ومنها الجملة أو شبه الجملة، ومثال ذلك قوله [xxiii]:
عَيناكِ غَائِصَتان فِي الأُفْقِ المُسَّيجِ بِالظَّلامَ
فِي غَابةِ الحُلِم المُغشَّى بِالدُّخَانِ وبِاللَّهِيبْ.
تَترَقَّباِن بُزُوغَ صُبحِ الغَائِبين.
تَتَطلَّعانِ إِلى قُدُوِم القَاِرِظين مِنَ المَغِيبْ.
فالمبتدأ في هذه الجملة الطويلة هو (عيناك)، وقد تعددت أخباره: (غائصتان) (تترقبان)، (تتطلعان)، وهي أخبار مختلفة النوع ، فالأول منها مفرد، والثاني والثالث جملة، وهي من الأخبار المتعددة لفظا ومعنى، والتي يجوز فيها العطف، إذ يصح أن يقال في هذه الجملة: (عيناك غائصتان في الأفق المسيج بالظلام، وتترقبان بزوغ صبح الغائبين، وتتطلعان إلى قدوم القارظين )، ومن الأخبار المتعددة ما يصلح أن يكون نعتا للخبر الأول، ومنها ما لا يصلح إلا أن يكون خبرا للمبتدأ، وذلك متوقف طبعا على معنى الجملة [xxiv]، وفي هذه القطعة نجد أن جملتي الخبر لا تصلحان إلا للإخبار، إذ لا يمكن اعتبارهما نعتا، لأن ما بعد المعارف من الجمل لا يكون كذلك .
من أشكال هذه الصورة أيضا قوله [xxv]:
هُو الله أَرسَلنِي كَوثرًا مِن رُضَاب
يُروِّي صَحَاِري عُرُوقِك
مِنْ نَبعِه السَّلسَبِيل ‼
يبتدئ الشاعر بضمير الشأن الذي لا يخبر عنه إلا بجملة تفسره، وهو ضمير غير شخصي؛ فلا يدل على متكلم أو مخاطب أو غائب ، وإنما على معنى الشأن، وبنية هذا الظاهر تختص بأن الإشارة فيه إلى متأخر، وهذا ما يخالف به الضمير العادي الذي يشير ويفسر ظاهرا متقدما عليه، ويكون في هذا الظاهر المتقدم إزالة لما فيه من خفاء، بينما تنقطع صلة ضمير الشأن بما تقدم لفظيا، فلا تكون إلا صلة معنوية حيث تكون الإشارة فيه إلى معنى ، والجملة النواة في هذا القول ( هو الله أرسلني) والمبتدأ فيها ضمير الشأن (هو) الذي يشير إلى جملة بعده (الله أرسلني) الواقعة خبرا له، ويتبع الشاعر جملة الخبر (أرسلني) بجملة وصفية يبين بها وظيفة هذا الكوثر المرسل.
الصورة الثالثة: مبتدأ + خبر (شبه جملة).
ولهذه الصورة أشكالها المختلفة ، وقد وردت في مثل قوله [xxvi] :
سَلامٌ عَلى زُرقَةِ البَحِر فِي نَاظِرَيْها
سَلامٌ عَلى مَغِربِ الشَّمسِ فِي المُقلَتَيْن
سَلامٌ عَلى مَشِرق الليلِ في شَعِرهَا.
سَلامٌ عَلى مَصِرع اللَّيلِ فِي الوَجْنَتينِ.
بدأت كل الجمل بنكرة لأنها تحمل معنى الدعاء ، ولأن الخبر فيها شبه جملة ، ومتى كان المبتدأ محتملا لمعنى الدعاء، والخبر شبه جملة، جاز الابتداء بالنكرة، فالشاعر في هذه الأسطر يدعو بالسلام على زرقة البحر في ناظريها ، ومغرب الشمس في مقلتيها، ومشرق الليل في شعرها، ومصرع الليل في وجنتيها .
وقد يتغير تركيب هذه الصورة بتغير رتبة الركنين العمدة كقوله [xxvii]:
عَلَى جَبِينِي وَصمَةُ العَاِر المُشِينَة.
وهذا شكل آخر من أشكال الجملة الاسمية التي يتقدم فيها الخبر . وتقديم الخبر على المبتدأ إنما يكون لغرض يتعلق بالمعنى كالتخصيص مثلا أو الاهتمام [xxviii]. ويرى الكوفيون أن تقديم الخبر على المبتدأ غير جائز أصلا سواء كان مفردا أو جملة ولأي غرض من الأغراض، فهو مما يلتزم رتبة التأخير في التركيب [xxix]. والصواب أن الخبر مما يمكن أن يغير رتبته إذا لم يكن لذلك مانع ، فيتقدم على مبتدئه، مما يسمح بالتعبير عن المعنى الواحد بالطرق المختلفة، فالعربية تمنح المتكلم مساحة واسعة للتعبير عن أفكاره، إذ تأخذ الفكرة الواحدة عنده أشكالا مختلفة من التراكيب ، ويبقى المعنى واحدا مع هذه العبارات المختلفة ، لأن التركيب لم يغير بالشكل الذي يمس المعنى العام، وإنما بشكل يجعل فكرة ما أقوى -لدى السامع- من غيرها في العبارات الأخرى، أي أن الجمل المختلفة في ترتيب أركانها تختلف فيما بينها اختلافا صغيرا أو كبيرا، ولكنها تبقى مشتركة في معناها العام، فكل تغيير في الجملة بالتقديم أو التأخير يولد معنى جديدا من حيث العناية بالمقدم مثلا، ويعبر البعض عن ذلك بأن المتغير -في جملة غير نظام الرتبة فيها- ليس المعنى، وإنما هي الدلالة، باعتبار أن المعنى هو الفكرة العامة التي تحكم العبارة، والدلالة هي ما تختص به عبارة من دون العبارات الأخرى المماثلة لها في الكلمات، والمختلفة عنها في الترتيب أو التركيب [xxx].
ومهما يكن من أمر فإن النظام النحوي هو المسؤول أمام اللغة على إبراز معنى واحد تفيده الجملة، فيجعل الارتباط بين مكوناتها وثيقا ، ولا يمنح الشاعر الحرية إلا بالقدر الذي لا يسيء للمعنى، وإلا تصدع بناء الجملة واختل معناها، فالتقديم الذي في قوله (على جبيني وصمة العار) لم يغير المعنى الذي تحمله تغييرا جذريا ، وإنما تغير بحيث أصبحت وصمة العار مختصة بالجبين، لصيقة به، وكأن الشاعر يهمه أن يبلغ أن جبينه مشوه، ليعرف الناس مدى وضوح العار الذي يحمله، أكثر من أن يبلغ عن وصمة العار، ونجد ذلك أيضا في قوله [xxxi]:
قِيــلَ لِـي :
لَكُم دِينُكُم وَلَهَا دِينُها.
فقد تقدم الخبر (شبه الجملة) على المبتدأين (دينكم) و(دينها)، لاختصاص الدين في قوله (لكم دينكم) بالمخاطبين دون غيرهم، واختصاصه في قوله (لها دينها) بها وحدها، فمن قال إن التقديم أو التأخير لا يكونان لغرض ما فقد وهم ، لأن التغيير الشكلي للجملة يؤدي إلى تغير المضمون فيها، ولو كان ذلك بزيادة حرف واحد على التركيب الأصلي، وهذا واضح جلي في الشواهد التي تقدم ذكرها، فمن دون شك أن قوله ( وصمة العار على جبيني ) أو (دينكم لكم ودينها لها) يختلف ولو قليلا عن قوله ( على جبيني وصمة العار)، وقوله( لكم دينكم ولها دينها).
والزيادة عنصر من عناصر التحويل –إضافة إلى التقديم- تؤدي دورا رئيسيا في تحديد الدلالة المقصودة من الجملـة ،فما الزيـادة في اللفظ إلا زيادة في المعنى. ومثال الزيادة التي لا يستغنى عنها في الكلام قوله [xxxii]:
زَمنِي فِي مَنأَى عَن كُلِّ الأَزْمَان.
فالجملة اسمية، المبتدأ فيها (زمني) والخبر(في منأى) لكن المعنى غير تام بالخبر وحده إلا إذا ألحق بالجملة قوله (عن كل الأزمان) ، فهو متمم يؤدي الاستغناء عنه إلى بتر المعنى وتركه ناقصا لا يحسن السكوت عليه، أما الزيادة التي يمكن الاستغناء عنها، وما زيادتها إلا لحاجة إلى معنى لا يكون بدونها ففي قوله [xxxiii]:
سَلامٌ عَلَى مَا تَحْتِويه
سَلامٌ عَلَى الكَوِن إذْ يَحتَِو يهَا
سَلامُ عَلَى جَنَّةِ الخُلدِ فِي العَالَمِين.
ففي هذه القطعة الشعرية نجد الجملة (سلام على الكون إذ يحتويها) متبوعة بمتمم تمثل في عبارة (إذ يحتويها)،وتجريد الجملة منه لا يغير المعنى العام لها ، ولكنه يغيره عما قصد إليه الشاعر، وهو أن يبعث تحية لهذا الكون، لا لأنه الكون، أو لأنه يحبه، ولكن لأنه يحتوي من يحب، وبهذا اختلفت دلالة القول السابق عن دلالة قولنا (سلام على الكون)، ومثل هذا أيضا موجود في قوله (سلام على جنة الخلد في العالمين )، فالمبتدأ (سلام ) وخبره (على جنة الخلد) وما زيد من شبه جملة( في العالمين) لم يكن من أجل الزيادة في ذاتها، وإنما من أجل إعطاء معنى ما كان ليكون لو قيل : سلام على جنة الخلد.
وإذا كانت رتبة المتمم فيما سبق بعد المبتدأ والخبر، فإنها في قوله [xxxiv]:
والبقيَّةُ – لوْ تَبقَّى مِنْ دَمِي – لِلآخَِرين
توسطت أداة الشرط وجملته ، والشرط أسلوب لغوي ينبني بالتحليل على جزءين مرتبطين ، الأول منهما منزل منزلة السبب، والثاني منزل منزلة المسبب، لأنه معلق على وجوده [xxxv]. ففي هذه الجملة التي يمنح فيها الشاعر بقية دمه للآخرين جزءان؛ الثاني منهما معلق على الأول في وجوده وتحققه، على الرغم من أنها تخالف التركيب الأصلي للجملة الشرطية، بأن اعترض الشرط فيها جملة الجواب، والأصل في ذلك أن يقول: لوتبقى من دمي شيء، فالبقية للآخرين، لكنه قدم البقية على اشتراط البقاء تأكيدًا على منحه هذا الباقي للآخرين.