7.3. اختيار كلمات المداخل:
على الرغم من أن ثقافة المعجميين العرب الرواد تضم معرفة نظرية معمقة في فقه اللغة والمنطق، فإنهم فضّلوا مقاربات عملية لتصنيف معاجمهم. ولكي يستفيدوا من الأدوات الدلالية المُعينة التي ذكرنا آنفا، وخاصة المعنى العام للأسرة اللفظية، كان عليهم أن يبدأوا مداخلهم في المعجم بالمفردة الأكثر شيوعا وشهرة من بين مفردات الأسرة اللفظية الواحدة. فإذا كان القارئ يعرف معناها سهل عليه معرفة معاني بقية مفردات تلك الأسرة اللفظية، لأنها تشترك جميعا في معنى أساسي عام واحد. ولهذا نجد أن أحد مداخل المعجم يبدأ بالفعل، في حين يبدأ المدخل الذي يليه باسم الفاعل، ويبدأ مدخل ثالث بإسم المفعول، ومدخل رابع بالنعت، وهكذا بحيث لا يوجد تساوق أو نظام محدد في اختيار كلمة المدخل، أو في ترتيب مفردات الآسرة اللفظية الواحدة. ومن الأمثلة على ذلك ما نقتطفه من بعض مداخل معجم (تاج العروس) للزبيدي:
س و أ
"(ساءَه) يسوءُه سُوداً وسَواءاً... فعل به ما يكره نقيض سرَّه...
(السُوء): كل آفة ومرض، أي اسم جامع للآفات والأمراض..
ش ط أ
"(الشطء): فراخ النخل والزرع، أو هو ورقه(أي الزرع)... وفي التنزيل (كزرع أخرج شطأه)
(أشطأ) الشجر بغصونه: أخرجها...
(أشطأ)الرجلُ: بلغ ولُده مبلغ الرجال فصار مثله...
ر ق ب
"(الرقيب) هو الله، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، فعيل بمعنى فاعل...
(رَقَبَه) يرقبه... رَقابةً: رصده وانتظره..."
وقد أخذ بعض الباحثين المعاصرين على المعاجم العربية التراثية عدم التزامها بترتيب محدد في عرض مفردات الأسرة اللفظية في المدخل الواحد، وعدّوا ذلك عيبا من عيوب المعجمية العربية. غير أنه من الممكن النظر إلى ذلك بوصفه طريقة ذكية لمساعدة القارئ في فهم معاني مفردات المدخل، طبقا لمبدأ الانتقال من المعلوم إلى المجهول، وهو من المبادئ التي تأخذ بها الطرائق التعليمية الحديثة.
8.3. ترتيب معاني اللفظ المختلفة في المدخل:
إن مصطلح الترتيب في صناعة المعجم يشير إلى أنواع ثلاثة من الترتيب:
أ- ترتيب المداخل في المعجم،
ب- ترتيب مفردات الأسرة اللفظية في المدخل الواحد،
ج- ترتيب المعاني المختلفة لكل مفردة من مفردات الأسرة اللفظية الواحدة، عندما تكون تلك المفردة مشتركا لفظيا، مثل مفردة (عين) التي لها أحد عشر معنى إن هذه الأنواع الثلاثة من الترتيب تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تيسير إمداد القارئ بالمعلومات النحوية والدلالية. والنوع الأخير أكثر أنواع الترتيب علاقة بالمعلومات الدلالية في المعجم.
وبصورة عامة وطبقا لصنف المعجم، فإن ترتيب معاني اللفظ في المعجمية المعاصرة يتخذ إحدى الصور التالية:
أ- الترتيب التاريخي، حيث ترتب المعاني المختلفة طبقا لزمن ظهورها واستعمالها في اللغة.
ب- الترتيب طبقا للشيوع، حيث ترتب معاني اللفظ المختلفة حسب شيوعها وانتشارها في الاستعمال، فيبدأ المدخل بالمعنى الأكثر شيوعاً.
ج- التريب المنطقي، حيث ترتب المعاني المختلفة من العام إلى الخاص ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الحقيقي إلى المجازي، وهكذا دواليك AL- Kasimi; 1992: 9).
وعلى عكس ما يظنه بعض الباحثين، فإن رواد المعجمية العربية كانوا على علم تام بهذه الأنواع المختلفة من الترتيب. ولكن النوعين الأولين يتطلبان بحثا تاريخيا أو إحصائيا لم تكن أدواته متوفرة آنذاك. ولهذا فإن معظم المعاجم العربية التراثية تبنت التريب المنطقي لمعاني المدخل المختلفة،فالزمخشري(1075-114م)، مثلا، أشار في مقدمة معجمه المشهور (أساس البلاغة) إلى أن من خصائصه "تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح ، فإفراد المجاز عن الحقيقة، والكنابة عن التصريح" و... سوق الكلمات متناسقة لا مرسلة بددا، ومتناظمة لا طرائق قددا". ولهذا نجد بعد المعنى الحقيقي للمدخل عبارة (ومن المجاز) وتليها الاستعمالات المجازية للفظ مدرجة ومعرفة. ففي مدخل (م ل ك) في هذا المعجم.
"ملك الشيء وامتلكه وتملّكه، وهو مالكه.
ومن المجاز
ملك المرأة: تزوجها
ملك نفسه عند الغضب: ..."
9.3. الوسائل المعنية للمعلومات الدلالية:
تستعمل المعاجم الحديثة نوعين من الشواهد زيادة في توضيح المعنى، وهما: الشواهد اللفظية والشواهد الصورية.
1.9.3. الشواهد اللفظية:
لقد أرسى أبو المعجمية العربية، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تقليد استخدام الشواهد التوضيحية بكثافة وبصورة منتظمة في معجمه (العين). ولكن ينبغي ملاحظة أن استخدام الشواهد اللفظية كان لغرض يختلف قليلا عن الغرض الذي من أجله نستخدمها اليوم.
كان هدف رواد المعجمية العربية تضمين جميع مفردات اللغة في معاجمهم، ولهذا فقد جمعوا كما هائلا من المفردات الحوشية والمعاني النادرة لمفردات شائعة. ولكي يدللوا على وجود تلك المفردات والمعاني في اللغة فعلا، استشهدوا باقتباسات أخذوها من نصوص حقيقية مدونة أو منطوقة. ولهذا فقد كانت شواهدهم أصيلة حقيقة، ولم يستخدموا الأمثلة التوضيحية التي يلجأ بعض المعجمين المعاصرين إلى وضعها بأنفسهم توضيحا للمعنى أو الاستعمال المطلوب.
لقد اتبعت جميع المعاجم العربية التراثية التقليد الذي أرسى أصوله الخليل والمتعلق بإيراد الشواهد الدالة على وجود اللفظ أو معنى من معانيه في لغة العرب.ولهذا الغرض انكب المعجميون الرواد على جمع كثير من الشواهد من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، وأشعار العرب، والأمثال والحكم وغيرها. وبصورة غير مباشرة كانت تلك الشواهد تزيد المعنى المطلوب جلاءا ووضوحا. ولم يجاف هذا التقليد إلا الفيروزبادي ( 1326-1414) في معجمه (القاموس المحيط)، وليس في معجم الأول (العباب) الذي يقع في ستين مجلداً. ويشير الفيروزبادي في مقدمة (القاموس المحيد) إلى سبب تخليه عن الشواهد قائلا:
"وسئلت كتاب وجيز على النظام (أي نظام العباب)، وعمل مفرغ في قالب الإيجاز والإحكام... فألفت هذا الكتاب محذوف الشواهد..." (الفيروزبادي 1980: 33). لقد تعرض صاحب القاموس لنقد شديد من قبل كثير من اللغويين والمعجميين، من أشهرهم في المغرب ابن الطيب الشرقي في كتابه (إضاءة الراموس)، وفي المشرق أحمد فارس الشدياق في مصنفه (الجاسوس على القاموس).
1.9.3 الشواهد الصورية:
على الرغم من أن مبدأ استخدام الشواهد الصورية ( أي الصور والرسوم والتخطيطات)مقبول لدى رواد المعجمية العربية فإنهم لم يطبقوه بكثرة ولا بصورة منتظمة. ونحن نجد في معجم الفيروزبادي الآنف الذكر عدة مداخل تتضمن عبارة ( وصورته هكذا).
10.3. النقد الموجه للمعلومات الدلالية في المعاجم العربية التراثية:
لقد انتقد كثير من الباحثين، من العرب والمستعربين، قديما وحديثا، معالجة المعلومات الدلالية في المعاجم العربية التراثية. ويمكن تلخيص انتقاداتهم بما يأتي:
لا يضم المعجم جميع الألفاظ ومعانيها. وكان هذا الأمر من دوافع المعجميين الآخرين إلى تأليف معاجم جديدة تحاول الكمال المستحيل.
لا يتبع ترتيب معاني المداخل نظاما واحداً مطرداً.
عندما يُعرف اللفظ بمرادف، يكون المرادف أحيانا أصعب من اللفظ المراد تعريفه.
المراجع
ابن جني(1965):الخصائص.دار الكتب المصرية، القاهرة.
أحمد عبد السميع (1969):المعاجم العربية. دار الفكر العربي، القاهرة.
أحمد فارس الشدياق (1880) الجاسوس على القاوس. الجوانب، القسطنطينية.
أميل يعقوب (1981) المعاجم اللغوية العربية. دار العلم للملايين، بيروت.
الجوهري(1965):الصحاح.دار الكاتب العربية، القاهرة.
حسين نصار(1965)المعجم العربي.دار الكتاب، القاهرة.
خالد الأشهب (1997) "المصطلح: البنية والتمثيل" في أبحاث لسانية ، 2-1:1-34.
الزمخشري(1979): أساس البلاغة. دار المعارف، بيروت.
عبد العالي الودغيري (1989) قضايا المعجم العربي. عكاظ، الرباط.
علي القاسمي (1982):"ترتيب مداخل المعجم العربي " في اللسان العربي، 19 :14-30.
Al-Kasimi,Ali M. (1977): Linguistic and Bilingual Dictionaries. E.j. Brill, Leiden.
Al- Kasimi, Ali M. (1992): « The Arabic Lexicography » in AL-Lisa-I- Arabi, Vol. 36, 3-13.
Felber, Helmut (1984): Terminology Manual, UNESCO, Paris.
Ferguson, Charles (1959): « Diglossia », in Word, Vol. 15, 325-340.
Gove, Philip B. ed, (1967): The Role of Dictionary. Bobbs- Merrill Co. Indianapolis.
Hammad’Abdullah (1992): « Some Remarks on the Conceptional .
Foundation og the Arabic linguistic Tradition « ; in al-Lisan-l-Arabi, Vol. 36, 14-21.
Havwood, John (1965): Arabic Lexicography. E.j. Brill, Leiden.
Odgen, C.K. and Richards, I.A. (1923): The Meaning of Meaning.
Harcourt, Brace & World, Inc. New York.
Rey-Debove, Josette (1971): Etude linguistique et sémiotique des dictionnaires français. Monton, Paris.
Quin, Willards V.O.(1960)/ Word and Object. The M.I.T. Press, Cambrige, mass.