المطلب الثاني
التطفُّل في اسم المصدر
تعريف اسم المصدر:
لا تختلف ماهية اسم المصدر عن المصدر، فهو الاسم الدال على مجرّد الحدث من غير تعرُّض لزمان، علمًا كان أو غير علم( 134)، وعرَّفه ابن مالك بـ:
"اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه إمّا بعلمية كحماد علم جنس للحمد، وإمّا بخلوّه لفظًا وتقديرًا دون عوض من بعض ما في الفعل كـ"اغتسل غسلاً"(135 ).
أنواع المصدر:
اسم المصدر علم وغير علم، فمن العلم "يسار" في قول حُميد بن ثور( 136):
فقلت: امكثي حتى يسارِ لعلّنا نحج معًا قالت: أعامًا وقابله
وما شابهه، نحو "برة" و"فجار" و"حماد" مما دلّ على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام لتضمن الإشارة إلى حقيقة(137 ).
أمّا غير العلم، فاسم مصدر ميمي، أي: مبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة، نحو "مُصاب" "مضرب" "مقتل" ومن إعماله قول الحارث بن خالد المخزومي(138 ):
أظلومُ إنّ مصابكم رجلاً أهدى السلام تحية ظُلم
فإنّ "رجلاً" مفعول به لاسم المصدر "مُصاب"( 139).
واسم مصدر اسم لغير الحدث، ثم استعمل له، نحو "الكلام" فإنّه في الأصل اسم للملفوظ به من الكلمات، ثم نقل إلى معنى التكليم، ومثله "الثواب" و"العطاء"(140 ).
عمل اسم المصدر:
اسم المصدر العلم نحو "يسار" و"برة" و"فجار" متعرِّف بالعلمية، غير عامل إجماعًا، لأنّ الأعلام لا تعمل( 141)، فالعلمية أبعدته عن الجانب الفعليِّ الذي عملت المصادر على اعتباره، فأسماء المصادر لا يقصد بها الشياع، ولا تضاف، ولا توصف، ولا تقع موقع الفعل، ولا موقع ما يوصل به، ولا تقبل "أل" ولم تقم مقام المصادر في توكيد الفعل، وتبيين نوعه أو مرَّاته(142 ). فكلُّ ما خالف به اسم المصدر المصادر إنّما هو من خصائص الأسماء، فبعدت عن شبه الفعل الذي يسمح لها بالعمل، فانتفى عملها. أمّا غير العلم فالمبدوء بالميم الزائدة يعمل اتفاقًا؛ لأنّه مصدر في الحقيقة، وإنّما سموه اسم مصدر تجوّزًا( 143).
فالاتفاق على عمله عائد إلى حقيقته في كونه مصدرًا، والمصادر أفعال في المعنى.
واسم المصدر الذي يكون لغير الحدث ثم يستعمل له في عمله خلاف، فأجازه الكوفيون والبغداديون، تمسكًا بالسماع، في نحو قول القطامي(144 ):
أكفرًا بعد ردِّ الموت عنِّي وبعد عطائِك المائة الرتاعا
وقول حسَّان بن ثابت( 145):
فإنَّ ثواب اللهِ كلَّ موحِّدٍ جنان من الفردوس فيها يُخَلَّدُ
نصب "المائة" باسم المصدر "عطاء"، ونصب "كلَّ" باسم المصدر "ثواب"( 146).
ومنعه البصريون، فيضمرون للمنصوبات أفعالاً تعمل فيها(147 ).
وإعماله عند الصيمري - من نحاة القرن الرابع- من النوادر(148 ).
ومنع الكسائيُّ المتوفى سنة (189هـ) إعمال ثلاثة ألفاظ، "الخبَز، الدَّهن، القُوت" وأجازه الفرّاء وحكى عن العرب "أعجبني دّهْنُ زيدٍ لحيتَه"( 149).
ونقل السيوطيُّ عن أبي حيَّان:
"والذي أذهب إليه في المسموع من هذا النوع أنّ المنصوب فيه بمضمر يفسِّره ما قبله، وليس باسم المصدر، ولا جرى مجرى المصدر في العمل، لا في ضرورة ولا في غيرها"(150 ).
ولعلَّ المانعين لحظوا فيه الاسمية، والمجوزين اعتمدوا على المصدرية، ونلاحظ أنّ اسم المصدر المجمع على منع إعماله خالص للاسمية، والمجمع على إعماله يكاد يكون مصدرًا في حقيقته نائبًا عن الأسماء، والمختلف فيه من منع اعتبر الجانب الاسمي، ومن أجاز اعتبر الجانب الفعلي "المصدر" والذي أراه في هذا النوع - والله أعلم- أنّ اسم المصدر في نحو "عطاء" و"ثواب" و"كلام" في قول الشاعر(151 ):
قالوا كلامك هندًا وهي مصغية يشفيك قلت: صحيح ذاك لو كانا
إمّا أن تكون أعلامًا، نحو قوله تعالى: (عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ)(152 ) وقوله تعالى: (هَذَا عَطَاؤُنَا)( 153) وقوله تعالى: (جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا)( 154) وإمّا أن يصح تقديره بـ"أنْ" والفعل، كما في الأبيات السابقة فقوله "وبعد عطائك المائة" يصح تقديره بـ"أن تعطي" وقوله "ثواب الله كلّ موحِّد" يصح تقديره بـ"أن يثيب الله كلَّ موحِّد" وقوله "كلامك هندًا" يصح تقديره بـ"أن تُكلِّم هندًا" فالأول لا يعمل، والثاني يعمل، وما أجازه الكوفيون والبغداديون من إعماله هذا هو وجهه، فهي كالمصادر في التقدير بـ"أن" والفعل، وإن كانت أسماء لها، كما أنّها أحداث في الأصل، كما أنّ الفعل حدث، فما كان اسم عين لم يعمل، وما كان اسم حدث عمل.
المبحث الثاني
تطفُّل الأسماء التي تدل على حدث وصاحبه
المطلب الأول
تطفّل اسم الفاعل
تعريفه وصياغته:
اسم الفاعل ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث.
وصيغته من الثلاثي على فاعل، ومن غير الثلاثي على صيغة المضارع، بميم مضمومة، وكسر ما قبل الآخر(155 ).
وقيل: الصفة الدّالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها( 156).
ماهية اسم الفاعل:
يصنَّف ضمن أسماء العربية المشتقّة، فمعنى الحدوث فيه لم يخرجه عن الأسماء.
دلالة اسم الفاعل:
يدل اسم الفاعل على حدث وصاحبه، قال سيبويه:
"لأنّك إذا قلت: "هذا ضاربٌ" فقد جئت بالفاعل وذكرته"(157 ).
وقال:
"ولم تحتج حين قلت: "هذا ضاربٌ زيدًا" إلى فاعل ظاهر، لأنّ المضمر في "ضارب" هو الفاعل"(158).
فالمشتق هنا فاعل موصوف، والمعنى فيه متجدّد حادث، لا مستقر ثابت(159 ).
عمل اسم الفاعل:
يعمل اسم الفاعل عمل فعله وفق شروط معيّنة، أمّا كيف عمل وهو اسم وحقُّ الأسماء ألاّ تعمل؟ فأجاب عنه سيبويه:
"ومن ذلك قولك: "وهذا ضاربٌ زيدًا غدًا" فمعناه وعمله مثل "هذا يضرب زيدًا غدًا"(160 ). فالشكل شكل الأسماء، والمعنى والعمل معنى وعمل الفعل المضارع.
وهل يستحق هذا العمل في جميع أحواله، يقول سيبويه:
"فإذا حدَّثت عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك، وتقول:
"هذا ضاربٌ عبد الله الساعة" فمعناه وعمله مثل "هذا يضرب زيدًا الساعة" و"كان زيدٌ ضاربًا أباك" فإنّما تحدِّث أيضًا عن اتصال فعل في حين وقوعه، و"كان موافقًا زيدًا" فمعناه وعمله كقولك: "كان يضرب أباك" و"يوافق زيدًا" فهذا جرى مجرى الفعل المضارع في العمل والمعنى منونًا"( 161).
فاسم الفاعل والفعل المضارع سواء في المعنى والعمل إذا حدَّثت عن فعل في حين وقوعه.
واسم الفاعل ليس عريقًا في العمل، ولا أصلاً فيه على اعتباره اسمًا، والعمل فيه بحق الشبه لا بحق الأصل، قال سيبويه:
"لأنّ "ضاربًا" اسم وإن كان فيه معنى الفعل"( 162) وإن كان أصلاً في العمل بالنظر إلى بعض أسماء العربية العاملة كأمثلة المبالغة، وأفعل التفضيل، والصفة المشبهة، فهنّ لاحقات به، قال سيبويه:
"فأمّا الأصل الأكثر الذي جرى مجرى الفعل من الأسماء فـ"فاعل"( 163).
وقال الفارسي:
"إنّما وصف بالمصادر النكرة، وهو قولك: "مررت برجل حسبك، وكفيك، وما شئت من رجل" لأنّ المصدر مشبّه باسم الفاعل، لأنّه يعمل كما يعمل"( 164).
وشبه اسم الفاعل بالفعل المضارع أنّه جارٍ عليه في حركاته وسكناته، وعدد حروفه، وهذا شبه لفظي، وهو في معناه، وهذا شبه معنوي( 165).
والرحم بينهما قوية فكما أشبه اسم الفاعل الفعل المضارع أشبه المضارع اسم الفاعل:
"وذلك لأنّ المضارع على وزن اسم الفاعل لفظًا وبتقديره معنى "فجاءني زيد يركب" بمعنى جاءني زيد راكبًا، ولاسيّما هو يصلح للحال وضعًا، وبين الحالتين تناسب وإن كانا في الحقيقة مختلفين"(166 ).
فاستغناء الحال هنا عن الواو لمشابهة يركب لراكب التي لا تحتاج إليها، فكما أشبه اسم الفاعل الفعل المضارع فعمل عمله، أشبه المضارع اسم الفاعل فاستغنى عن الواو عند وقوعه حالاً.
ومذهب المازني المتوفى سنة (249هـ) في جعل الحروف الأربعة في المضارع والأمر، وهي الألف في المثنيات، والواو في جمعي المذكر السالم، والياء في المخاطبة، والنون في جمعي المؤنث علامات كألف الصفات وواوها في نحو "ضاربان" و"حسنون" حروفًا والفاعل مستكن إنما هو بحمل المضارع على اسم الفاعل(167 ).
كما أجاز وقوع ضمير الفصل قبل المضارع لمشابهته للاسم، قال تعالى: (وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ)(168) ويمتنع "زيد هو قال" لأن الماضي لا يشابه الأسماء(169 ).
فالتطفل متبادل بين الفعل المضارع واسم الفاعل إذ يشبه كل منهما الآخر.
اسم الفاعل والفعل المضارع من الناحية التركيبية:
كلُّ من اسم الفاعل والفعل المضارع يقعان خبرًا للمبتدأ، ولما دخل على المبتدأ من العوامل، كباب "كان" و"إنّ" ويصف كلُّ منهما النكرة، نحو "مررت برجل ضاحك ويتحدث" و"برجل يتحدث وضاحك" فـ"يفعل" تصف النكرة، وكذلك "فاعل" ولذا صحَّ عطف أحدهما على الآخر، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ)( 170) ويجوز تقديم منصوبه عليه، نحو "هو عمرًا مُكْرِم" كما جاز تقديم معمول الفعل، ويعمل مضمرًا عند من قدّر اسم الفاعل ناصبًا لـ"عمرو" في نحو "هو ضاربٌ زيدًا وعمرًا" وفي نحو "أزيدًا أنت ضاربه"( 171).
اسم الفاعل والفعل المضارع من الناحية الشكلية:
اسم الفاعل يثنّى ويُجمع، وزيادة التثنيـة والجمـع فيه جاريـة مجـرى الزيادتين اللاحقـتين للفعل، فـ"ضاربان" كـ"يضربان" و"ضاربون"(172 ) كـ"يضربون"، ويذكَّر ويؤنَّث( 173)، فتقول "ضارب" و"ضاربة"(174 ) ويخالف الفعـل في جواز إضافتـه إلى معموله المفعول لا غير، ولا يضاف إلى الفاعل لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسـه، وتدخل اللام على معموله المتأخِّر(175 )، قال الرضي:
"واعلم أنّه يجوز لاسم الفاعل والمصـدر المتعديين إلى المفعول به بأنفسهما أن يعمدا باللام، نحو "أنا ضاربٌ لزيد" و"أعجبني ضربك لزيد" وذلك لضعفهما لفرعيتهما للفعل، كما يجوز أن يعمد الفعل باللام إذا تقدّم عليه المنصوب، كقوله تعالى: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)(176 ) فعُمِد اسم الفاعل باللام متأخّرًا، لضعفه في العمل، وفرعيته، كما عُمِد معمول الفعل المتقدِّم باللام تقوية للعامل لتأخّره.
كما يفارق الفعل في صحة وقوعه هو ومعطوف عليه خبرًا عن مثنى أو وصفًا له، فيمتنع تقديم معموله عليه، نحو "هذان ضارب زيدًا ومكرمه" و"جاء رجلان ضارب زيدًا ومكرمه"( 177).
ولعدم أصالته في العمل لم يكن له فيه نصيب إلاّ بشروط.
شروط إعمال اسم الفاعل:
إذا كان اسم الفاعل مقترنًا بأل فإنّه يعمل عمل فعله مطلقًا دون اعتبار للزمن فيه، عند غير الفارسيِّ، والرمانيِّ ( 178) المتوفى سنة (384هـ).
قال الرضيُّ:
"وقال أبو عليِّ في كتاب الشعر، والرمانيُّ أنّ اسم الفاعل ذا اللام لا يعمل إلاّ إذا كان ماضيًا، نحو "الضارب زيدًا أمس عمرو" ولم يوجد في كلامهم عاملاً إلاّ ومعناه المضي، ولعلّ ذلك لأنّ المجرَّد من اللام لم يكن يعمل بمعنى الماضي، فتوسّل إلى إعماله بمعناه باللام"( 179).
علّة إعمال ذي اللام:
وعلّة إعمال ذي اللام كما ذكرها سيبويه:
"لأن الألف واللام منعتاه الإضافة، وصارتا بمنزلة التنوين"(180 ) أي أنّ الألف واللام أبعدته عن الأسماء بامتناع الإضافة، وعلى اعتبار الألف واللام من خصائص الأسماء أيضًا، فإنّها ليست "أل" التعريف:
"لأنّ الألف واللام فيه بمعنى الذي، واسم الفاعل المتصل بها بمعنى الفعل، فلمّا كان في مذهب الفعل عمل عمله، فهو اسم لفظًا، وفعل معنى"(181 ).
وذكر الإمام الرضي أنّ عمل اسمي الفاعل والمفعول بمعنى الماضي مع اللام دليل على أنهما في الحقيقة فعلان.
كما ذكر في دخول اللام الموصولة عليهما أنها إنّما دخلت على فعل في صورة الاسم(182 ).
وفي هذه القضية تحايل على الخصائص النحوية، فالألف واللام مختصة بالدخول على الأسماء، ولما أشبهت الألف واللام الاسمية الألف واللام الحرفية كرهوا دخولها على الأفعال، فاحتالت بالدخول عليه في صورة الاسم المتحقّقة في اسمي الفاعل والمفعول، لما كانت أسماء في شكلها فراعت حق شبه الألف واللام الاسمية بالألف واللام الحرفية، وكانت أفعالاً في حقيقتها فراعت حق الصلة.
فالمعتبر في العمل ما يبعده من شبه الأسماء، ولذا منع الأخفش المتوفى سنة (315هـ) إعماله، لأنّ "أل" فيه ليست موصولة وإنّما هي مُعرِّفة كالتي في "الغلام" و"الرجل" والمنتصب بعده منتصب على التشبيه بالمفعول به(183 ).
فعمل اسم الفاعل المقرون بـ"أل" لأنّه اسم في شكله الظاهر، ولكنّه فعل في الأصل والمعنى، فـ"القائم" مساوية لـ"الذي يقوم" فتحول الاسم عن لفظ الفعل فعمل بلا شروط، وأبعدته الألف واللام عند سيبويه عن الإضافة التي هي من خصائص الأسماء، ونزلت منزلة التنوين الذي يكون فيه حال العمل:
"فهذا جرى مجرى الفعل المضارع في المعنى والعمل منونًا"( 184)، والعمل فيه على اعتبار أنّه بمعنى "الذي يقوم" ليس تطفلاً على ما أصله العمل وهو "الفعل" ولكن استصحابًا للأصل.
أمّا إن كان اسم الفاعل مجردّا من "أل" فقد اشترط النحويون لإعماله شروطًا، وهي:
1- أن يكون للحال أو الاستقبال:
ذهب البصريون إلى أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيًا لم يعمل في المفعول، واختلفوا في رفعه الظاهر فمنعه قوم، وأجازه آخرون(185 )، هذا إذا كان الفاعل ظاهرًا، أمّا إن كان مضمرًا فحكى ابن عصفور الاتفاق على رفعه(186 )، ومنعه ابن طاهر( 187) المتوفى سنة (580هـ) وابن خروف(188) المتوفى سنة (609هـ).