عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-08-2017 - 07:34 AM ]


قضايا دلالية:

كثرة الاستعمال تؤدي إلى تغيير في دلالة الألفاظ التي يكثر دورانها على الألسنة عبر العصور، فأصل الكلمة يدل على معنى معين، ولكن هذه الكلمة تكتسب معنى جديداً في عصر آخر، ومظهر التطور هذا الذي يختص بالدلالة له مظاهر ثلاثة: تخصيص وتعميم وتغيير مجال.

أولاً: تخصيص الدلالة:

معنى تخصيص الدلالة: أن معنى الكلمة يحدث له تضييق وتخصيص فمثلاً كلمة (دابة) كانت في الأصل تطلق على كل ما يدب على الأرض، فأصبحت لنوع خاص من الدواب.

وكذلك في كلمة (اللحن) التي تعني صرف الكلام عن جهته، تطور مدلولها إلى أن أصبحت اسماً لازماً لمخالفة الإعراب([74]).

ثانياً: تعميم الدلالة:

وهو أن ينتقل اللفظ من مدلول خاص إلى مدلول عام، فمثلاً كلمة (بَحَثَ) التي كانت أصلاً للتراب، انتقلت دلالتها إلى البحث عن أي شيء، تشبيهاً بمن يبحث التراب، وظاهرة، توسيع المعنى أقل استعمالاً من ظاهرة تضييق المعنى([75]).

ثالثاً: انتقال الدلالة:

وهو تغيير مجال الاستعمال للألفاظ، ويدخل في مجال هذا النوع المجاز المرسل بأنواعه التي يتساوى فيها الطرفان، والاستعارة، وإطلاق البعض على الكل([76]). فمثلاً كلمة (الغائط) التي كانت تعني المطمئن من الأرض تحولت دلالتها عرفاً لقضاء الحاجة، قال أبو هلال العسكري ـ بعد أن تحدث عن هذا اللفظ (الغائط)([77]): «وليس يعقل على الإطلاق سواه».

وهناك ألفاظ في اللغة العربية طرأ عليها تطور دلالي بتغيير الدلالة وهي الألفاظ الإسلامية، مثل (الصلاة، والزكاة، والتحري، والفجور، والفسق، والنفاق) فلكل كلمة من هذه الكلمات معنى في اللغة، وهو المعنى الأصل، ومعنى في الاصطلاح وهو المعنى الجديد.

وذكر المحدثون هذه الظاهرة، وقالوا: إن المعنى الجديد يفرض نفسه شيئاً فشيئاً حتى يتغلب بموجب الأمر الواقع([78]).

من هذا يتبين أن التغير في دلالة الألفاظ تضييقاً وتوسيعاً وانتقالاً لا يتم إلا بسبب كثرة الاستعمال، فالمعنى الجديد يفرض نفسه بالممارسة حتى ينسى المعنى الأصل أو يكاد.

كثرة الاستعمال والقياس:

كثرة الاستعمال علة قوية في تعليل الظواهر اللغوية حتى إنها تقدم على القياس، قال ابن جني([79]): «وإن شذ الشيء في الاستعمال وقوي في القياس، كان استعمال ما كثر استعماله أولى، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله».

وقال أيضاً: «واعلم أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدع ما كنت عليه، إلى ما هم عليه، فإن سمعت آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير: تستعمل أيهما شئت. فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت، كنت على ما أجمعوا عليه البتة» أما إذا تساوت العلتان: كثرة الاستعمال والقياس، في الشيوع، فهذا هو الجيد الذي لا غاية وراءه، مثل النصب بحروف النصب، والجر بحروف الجر، والجزم بحروف الجزم.

ومما ورد كثيراً في الاستعمال وقوياً في القياس لغة الحجاز وتميم، فقد قدمت الحجازية على التميمية، لأن الأولى أكثر استعمالاً وبها نزل القرآن الكريم. وقد يتكلم فصحاء العرب بلغة غيرها أقوى في القياس منها([80])، وروى ابن جني عن ابن السراج والمبرد، أن عمارة بن عقيل كان يقرأ: «ولا الليل سابقُ النهارَ» بالنصب، فقال له المبرد: ما أردت؟ فقال: أردت سابقٌ النهارَ) فقال له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، فقوله: أوزن، يدل على أنه أقوى وأمكن في النفس، فهو بذلك قد جنح إلى لغة غيرها أقوى في نفسه منها([81]).

أما ضعف الشيء في القياس وقلته في الاستعمال فمرذول مطّرح، وهذا النوع من الألفاظ اللغوية قد يجيء إلا أنه قليل جداً، فمن ذلك ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر([82]):
اضربَ عنك الهموم طارقها

ضربك بالسيف قونس الفرس

قالوا أراد «اضربن» محذوف نون التوكيد، وهذا من الشذوذ في الاستعمال، وأما ضعفه في القياس فيأتي من أن الغرض منه هو التحقيق والتشديد، فإذا كان السماع والقياس يدفعان هذا التأويل وجب إلغاؤه وإطراحه والدول عنه إلى غيره مما قد كثر استعماله. ويليق بهذا، (أي التوكيد) الإسهاب والإطناب وينتفي عنه الإيجاز والاختصار، ففي حذف هذه النون نقض للغرض، فجرى هذا مجرى استقباح العرب إدغام الملحق نحو: مهدد، وقردد، وجلبب، وشملل، فقد ترك الادغام لتوالي الأمثال المتحركة. ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعاً قول الشاعر([83]):
له زَجلٌ كأنّهُ صَوْتُ حادٍ

إذا طلب الوسيقة أو زميرُ

فقوله: (كأنه) بحذف الواو وتبقية الضمة في القياس قليل في الاستعمال، ووجه ضعفه في القياس أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف، فالوصل يجب أن تتمكن فيه واوه فتكون (كأنّهو)، وفي الوقف يجب أن تحذف الواو والضمة جميعاً وتسكن الهاء فتكون (كأنّه)، فضم الهاء بغير واو منزلة بين منزلتي الوصل والوقف، وهذا ضعيف في القياس([84]).

ومهما يكن من أمر فإن كثرة الاستعمال والقياس علتان تعلل بهما الظواهر اللغوية، فإن كانت الظاهرة كثيرة الاستعمال قوية في القياس فهذه هي الغاية، وأما إذا كانت الظاهرة اللغوية قليلة الاستعمال ضعيفة في القياس فإنها مرذولة متروكة يجب طرحها.

الخاتمة ونتائج البحث:

وبعد هذه الجولة مع ظاهرة كثرة الاستعمال أخلص إلى الملحوظات والنتائج الآتية:

1 ـ كثرة الاستعمال عللت فيها كثير من الظواهر اللغوية والصرفية والنحوية والدلالية وذلك للتخفيف، واللفظ إذا كثر على ألسنة العرب واستعمالهم آثروا تخفيفه، وعلى حسب تفاوت الكثرة يتفاوت التخفيف.

2 ـ إذا تعارضت كثرة الاستعمال مع القياس قدمت كثرة الاستعمال على القياس وهذا ما نص عليه العلماء.

3 ـ حكمت كثرة الاستعمال كثيراً من الظواهر اللغوية التي ذكرت جزءاً يسيراً منها ومن هذه الظواهر ظاهرة الحذف بأنواعها المختلفة.

4 ـ سيادة لهجة معينة على غيرها بسبب كثرة استعمالها ومن ذلك سيادة لهجة قريش قبيل نزول القرآن لذا نزل بها القرآن الكريم بالرغم من أن لهجة تميم أقيس منها.

5 ـ في القراءات القرآنية كان هناك اختيار في القراءات المتواترة الصحيحة والذين اختاروا القراءات حكمتهم كثرة قراء القراءة المختارة.

6 ـ كثرة الاستعمال التي تعلل بها الظواهر اللغوية مقيدة بزمن عصور الاحتجاج ولا يجوز انسحابها على عصور ما بعد ذاك العصر فلا نقبل التعليل بها في لهجاتنا العامية الحديثة.

7 ـ قانون السهولة والتيسير يسير جنباً إلى جنب مع كثرة الاستعمال فالتغيير الذي حصل بسبب الاستعمال يكون من أجل التسهيل.

8 ـ ليس كل ما قل استعماله يعد خطأ بل هو صحيح ولكنه غير مستعمل.

9ـ إذا قل الاستعمال لظاهرة معينة وضعفت في القياس فإن ذلك أمارة على ترك هذه الظاهرة فهي من المرذول الذي لا يجوز استعماله.

رد مع اقتباس