عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-08-2017 - 07:33 AM ]


أما النسفي فقد عَدَّ (سخريا) ـ بضم السين وكسرها ـ مصدر (ساخر) أي اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين([42]). وذكر ابن حسنون بإسناده عن ابن عباس أن (سخريا) ـ بالضم ـ لغة تميم، وبالكسر لغة قريش([43])، وأكد ذلك أبو حيان الأندلسي بوضوح، فقال نقلا عن يونس: «إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد الهزؤ فالضم والكسر([44]) فيونس يبين أن القراءتين أريد بهما الهزؤ، وهذا يصح على قوله تعالى في الزخرف» ليتخذ بعضهم بعضاً (سُخريا)([45]) ، فالضم معناه الاستخدام، وأجمع السبعة على الضم (في الزخرف). ولأن القراءتين متواترتان وجاءتا على لغات العرب فأنا أميل مع المذهب الذي يجوز القراءتين.

مما تقدم يتبين أن كثرة استعمال القراءة وشيوعها دفع العلماء لاختيارها؛ لأن القاعدة عندهم: اتباع المجمع عليه. ولا سيما في القرآن الكريم، فقد قرئ بقراءات عدة اختار العلماء منها القراءات السبع، والعشر والأربع عشرة([46]) واليوم قراءة حفص عن عاصم هي المشهورة في كثير من البلدان في المشرق.

(حذف الخبر بعد لولا): «لولا» من الحروف التي تدخل على جملتين، إحداهما مبتدأ وخبر والأخرى فعل وفاعل، فتعلق إحداهما بالأخرى. وتربطها بها، فتصيران كالجملة الواحدة، تقول: لولا الماء لمات الأحياء، نلاحظ أن الجملة الثانية (لمات الأحياء) ارتبطت بالجملة الأولى، فصارتا كالجملة الواحدة، إلا أنه حذف خبر المبتدأ من الجملة الأولى وهو كون عام لكثرة الاستعمال، وقد وضح ابن يعيش هذا فذكر أنك إذا قلت: لولا زيد لخرج محمد كان تقديره: لولا زيد حاضر أو مانع، ومعناه أن الثاني امتنع لوجود الأول، وليست الجملة الثانية خبراً عن المبتدأ إنما اللام وما بعدها كلام يتعلق بلولا وجواب لها، وتقول: زيد قائم خرج محمد، فهاتان جملتان إحداهما مبتدأ وخبر والأخرى فعل وفاعل، فإذا أتيت بلولا وقلت: لولا زيد قائم لخرج محمد، ارتبطت الجملة الثانية بالأولى، فصارتا كالجملة الواحدة، لا أنه حذف خبر المبتدأ من الجملة الأولى لكثرة الاستعمال حتى رفض ظهوره ولم يجز استعماله([47]).

بناء «أين وثم، إن وأخواتها على الفتح»:

قال ابن يعيش: «أين وجب أن تبنى على السكون لوقوعها موقع همزة الاستفهام إلا أنه التقى في آخره ساكنان فحركت النون لاجتماعهما، وفتحت طلبا للخفة واستثقالا للكسرة بعد الياء فآثروا تخفيفها لكثرة دورها وسعة استعمالها»([48]).

ونقل السيوطي عن ابن عصفور قوله: إنما بنيت «أين وثم، وإن وأخواتها» على الفتح لكثرة الاستعمال، إذ لو حركت بالكسر على أصل التقاء الساكنين لانضاف ثقل الكسرة إلى ثقل الياء في (أين)، وإلى ثقل التضعيف في (ثم)، وإلى ثقل التضعيف في «إن وأخواتها» وإلى الياء في (ليت)، وبذلك يؤدي إلى استعمال الثقيل بكثرة([49])، وهذا لا يتناسب مع منطق اللغة.

وقاسوا على (أين) بالبناء على الفتح (لَهيَ) في (لهي أبوك) ولزوم حال واحدة في (أمسٍ)، قال سيبويه([50]): (وقال بعضهم: لهي أبوك.. وتركوا آخر الاسم مفتوحاً كما تركوا آخر (أين) مفتوحاً، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروه)، وقال عن (أمسٍ)([51]): (وسألته (أي الخليل) عن أمسٍ اسم رجل؟ فقال: مصروف لأن أمس ليس ها هنا على الحد ولكنه لما كثر في كلامهم وكان من الظروف تركوه على حال واحدة كما فعلوا ذلك بأين.

(حذف الفعل في باب التحذير)

المنصوب على التحذير ينصب بفعل مضمر لدلالة الحال عليه، وظهور معناه، وكثر ذلك محذوفاً حتى لزم الحذف، وصار ظهور الفعل في من الأصول المرفوضة، فمن ذلك قولهم: إياك والأسد([52]). قال السيوطي نقلاً عن النحاس: إنما لزم إضمار الفعل في باب التحذير لكثرته في كلامهم، ونقل عن الرماني أيضاً أن التحذير مما يخاف منه وقوع المخوف فهو موضع إعجال لا يحتمل تطويل الكلام لئلا يقع المخوف بالمخاطب قبل تمام الكلام([53]).

الذي

الذي اسم موصول وما بعده جملة الصلة، وقد جرى حذف في هذا الاسم لكثرة الاستعمال، ووصف السيوطي هذه العلة بالعلة المركبة([54])، وفصل الزمخشري هذا فذكر أن العرب لاستطالتهم هذا الاسم بصلة مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه فقالوا: اللذ بحذف الياء ثم اللذ بحذف الحركة (بتسكين الذال)، ثم حذفوه رأساً واجترؤوا بلام التعريف في أوله، وقد فعلوا مثل ذلك في (التي) فقالوا: اللتِ واللت، والضاربته هند، أي التي ضربته هند، وقد حذفوا النون من مثناه ومجموعه قال الأخطل:
أبني كليبٍ إنّ عَمَّيَّ اللذا

قتلا المُلوكَ وفَكّكا الأغلالا([55])

ـ والبيت في ديوانه (ص82) من نقيضة يهجونها جريراً.

تقديم الظرف

العرب تتصرف في الظرف كثيراً فتخصه بالتقديم، بسبب كثرة استعماله، قال السيوطي نقلاً عن ابن يعيش: توسعوا ـ أي العرب ـ في الظروف بالتقديم والفصل، وخصوها بذلك لكثرة الاستعمال، والكلمة إذا كثر استعمالها جاز فيها من التخفيف ما لم يجز في غيرها([56]).

(السين وسوف)

سوف حرف تنفيس يختص بالفعل المضارع، يخلصه للاستقبال كالسين([57])، وروى السيوطي أن بعض النحويين يقول: إن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع، ولكن المازني رد هذا القول بالاستدلال بعدم النظير فلا يوجد عامل في الفعل يدخل عليه اللام، وقد قال تعالى: ?ولسوف يعطيك ربك فترضى?([58]).

وفي (سوف) لغات كما حكى الكوفيون، وهي: سف، وسو، سي. أما (السين) فهو حرف برأسه، أو منقطع من (سوف) وفي ذلك خلاف بين البصريين فهو حرف برأسه، أو منقطع من (سوف) وفي ذلك خلاف بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يقولون: إنها أصل برأسه، والكوفيون يقولون: إنها منقطعة من (سوف)، ولكل حججه وأدلته([59]).

وكما اختلفوا في بنيتها اختلفوا في دلالتها، فالبصريون يقولون إن «سوف» أبلغ من «السين». لأنها تخلص الفعل المضارع إلى الاستقبال المنفسح، والكوفيون يقولون: إنهما متساويان في الدلالة على المستقبل([60]). ولا بد من الإشارة إلى مذهب الكوفيين الذي يعد (السين) متطورة عن (سوف) فقد جرى على (سوف) تطور صوتي بسبب كثرة الاستعمال حتى أصبحت تنطق: (سو)، و(سف)، و(سا) و(س)([61]).

وقال ثعلب: سوف يكون ذاك، وسف يكون ذاك، وسيكون وسو يفعل، وسوف يفعل([62]).

وجاء في لسان العرب أن سوف كلمة معناها التنفيس والتأخير، ونقل ابن منظور عن سيبويه: لا يفصل بينها وبين أفعل في (سوف أفعل)، لأنها بمنزلة السين من (سيفعل)، وقد قالوا: (سو يكون) فحذفوا اللام، و(سا يكون) فحذفوا اللام وأبدلوا العين طلب الخفة، و(سف يكون) فحذفوا العين كما حذفوا اللام([63]).

أما ابن مالك فيرى أن التراخي في (سوف) ممنوع، وذكر أن الماضي والمضارع متقابلان، وإذا كان الماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي، فكذلك المستقبل، ليجري المتقابلان على سنن واحد، ويرى أن التفاوت بين السين وسوف في الاستقبال مردود وعلل ذلك بتعبير العرب عن المعنى الواحد الواقع في الوقت الواحد بـ (سيفعل)، و(سوف يفعل)، ويورد ابن مالك ما جاء عن العرب من أن (سف، وسو، وسي) فروع مأخوذة من (سوف)، وذكر بأنهم ـ أي العرب ـ زعموا أن السين أصل برأسها، غير مفرعة عن (سوف)، ولكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون التوكيد الثقيلة، ويرى أن هذا تكلف ودعوى مجردة من الدليل، والأفضل أن تكون (السين) جزءاً من (سوف)، كسف، وسو، وسي ـ عند من أثبتها ـ، ويكون هذا التصرف في (سوف بالحذف شبيهاً بما فعل بـ (أيمن الله) في القسم حين قيل: أيمُ الله، وأم الله، ومن الله، م الله، وقريباً من قولهم في حاشا: حاش، وحشا.. وأورد ابن مالك قول بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدة التسويف بهما سواء، وليس كذلك بل هي بسوف أطول فكانت كل واحدة منهما أصلاً برأسها. ويرد ابن مالك هذا القول أيضاً بالقياس والسماع، فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي، دون تعرض لقرب الزمان وبعده، ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل تصحيح لذلك فصار المصير إليه أولى. أما السماع فعبر بسوف يفعل وسيفعل عن المعنى الواحد في وقت واحد فصح في ذلك توافقهما وعدم تخالفهما، فمن ذلك قوله تعالى: ?وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً?، وقوله تعالى: ?فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل? وقوله تعالى ?كلا سيعلمون? و?كلا سوف يعلمون? ومنه قول الشاعر:
وما حالة إلا سيصرف حالها

إلى حالة أخرى وسوف تزول

فهذا كله صريح في توافق: سيفعل وسوف يفعل، في الدلالة على مطلق الاستقبال دون تفاوت في قرب وبعد([64]).

وهذه ظاهرة شائعة في كل اللغات السامية وسماها الدكتور رمضان عبد التواب بـ بلى الألفاظ([65]).

وهذه الظاهرة (بلى الألفاظ) انسحبت على كثير من الألفاظ ولا سيما الأدوات المستعملة كثيراً في اللغة، وكذلك عبارات التحية مثل: عم صباحاً، والتي تطورت عن أنعم صباحاً و«مُ الله» التي تطورت عن «أيمن الله»([66]).

في (هلمّ)

(هلم) اسم فعل بمعنى: ائت، وتعال، وهو مركب من حرف التنبيه مع (لمّ) أي، لمّ بنا حذف من (ها) ألفها عند البصريين، والحذف بسبب كثرة الاستعمال، قال الخليل: «هي مركبة وأصلها عنده (ها) للتنبيه، ثم قال (لمّ) أي لمّ بنا، ثم كثير استعمالها فحذفت الألف تخفيفاً». وعند الكوفيين مكونة من (هل) مع (أمّ) حذف من (أمّ) همزتها قال الفراء: «أصلها (هل) زجر وحث، دخلت على أم كأنها كانت (هل أمّ) أي، اعجل واقصد»، ثم قال: «فألزمت الهمزة في (أمّ) التخفيف فقيل: هلمّ»([67]).

(الأمثال):

مما يكثر في كلام العرب الأمثال، فنتيجة لهذه الكثرة يحذف جزء من المثل وسأذكر بعض الأمثال: قال سيبويه عن المثل (كليهما وتمرا)([68]). «فذا» مثل قد كثر في كلامهم واستعمل و«ترك ذكر الفعل لما كان قبل ذلك من الكلام، كأنه قال: أعطني كليهما وتمراً»، أي لدلالة الحال عليه.

في القراءات:

في قوله تعالى: ?هذا يوم لا ينطقون?([69]).

اختلف القراء في إعراب كلمة (يوم)، فقرأ الجمهور بالرفع وقرأ عاصم برواية أبي بكر (يوم) ـ بالنصب ـ واختار الفراء الرفع في (يوم) وعلل اختياره بكثرة الاستعمال، قال([70]): «والرفع أكثر في كلام العرب» و(اليوم) من أسماء الأزمنة لذا في إعرابه خلاف، إذا أضيف إلى الجملة الفعلية المصدرة بفعل معرب أو مبني ، فإذا أضيف إلى جملة فعلية ـ سواء أكانت مبدوءة بفعل معرب أو فعل مبني ـ فإنه يبني على الفتح، قال سيبويه([71]) «وجاز هذا في الأزمنة واطّرد فيها، وتوسعوا بذلك في الدهر لكثرته في كلامهم»، وهذه بالإضافة، أي إضافة اسم الزمان إلى الفعل المعرب والمبني، وبناؤه في الحالين على الفتح وهو مذهب الكوفيين، أما مذهب البصريين فيقوم على بناء اسم الزمان إذا أضيف إلى مبني، وإعرابه إذا أضيف إلى معرب، قال المبرّد: في حديثه عن قول الشاعر([72]):
على حين ألهى الناس جلُّ أمورهم

فندلاً زريق المال ندل الثعالب

قال: يجوز نصب (حين) وخفضه، لأنه مضاف إلى فعل مبني، وضرب مثالاً على الإضافة إلى معرف بقوله: عجبت من يوم عبد الله، وذكر أنه لا يجوز إلا جر (يوم)، لأنه مضاف إلى معرب([73]).

رد مع اقتباس