عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي التعليل بكثرة الاستعمال في اللغة العربية

كُتب : [ 04-08-2017 - 07:32 AM ]


التعليل بكثرة الاستعمال في اللغة العربية
د.مازن جرادات


ملخص البحث

من المسلمات التي لا يختلف عليها اثنان، أن اللغة كائن حي ينمو ويتطور بفعل الزمن، فهي تحيا على ألسنة المتكلمين بها، وتعيش في أحضان المجتمع تستمد كيانها منه، من عاداته وتقاليده وسلوك أفراده، فترقى برقيه وتنحط بانحطاطه.

واللغة نتيجة حتمية للحياة، وجدت من أجل التفاهم والتواصل، لذا فهي ظاهرة اجتماعية في مختلف عناصرها، الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.

وكثرة الاستعمال تؤدي بالضرورة إلى كثير من التطورات والتغييرات، التي تطرأ على الألفاظ تيسيراً لنطقها، وتهيئ الطريق إلى سيادة لهجة من اللهجات أو لغة من اللغات، والذي يحكم ذلك عنصر الانتقاء والاختيار من قبل أفراد المجتمع.

والذي أريد أن أؤكده في هذا البحث أن كثرة الاستعمال التي أقصد هي الظاهرة التي حكمت كثيراً من أبواب اللغة الفصيحة، والعلة التي عللت بها كثير من الظواهر، وذلك في عصور الاحتجاج، فلا تأثير لكثرة الاستعمال في العربية الفصيحة في ما بعد عصور الاحتجاج، وإلا ضاعت اللغة باختلاف الأهواء وكثرة الناطقين بها إذ تسود بينهم فيهم لهجة ما ولا سيما اللغة المنطوقة.

التطور اللغوي المطلق غير المقيد بزمن مقبول في غير العربية، بل هو القاعدة التي تتحكم بمصائر لغات الناس ولكن العربية ذات حالة خاصة متميزة فهي لغة مرتبطة بكتاب الله العظيم، القرآن الكريم، فلا مجال للقياس على ما يحدث من تطور لهجي في العصور الحديثة، ومن هذا الارتباط اكتسبت حيويتها التراثية العريقة تسير معه حيث سار، فهي حية ما وجد القرآن الكريم.

واتبعت في هذا البحث منهجاً يقوم على تناول علة كثرة الاستعمال، فبينت قيمتها، وتناولت أمثلة تطبيقية، صرفية ونحوية ودلالية وأدخلت القراءات القرآنية، لأن فيها اختياراً للقراءة التي قرأ بها كثير من القراء، أما التي قرأ بها القلة من القراء فهي قراءة صحيحة، وليست شاذة، فالقراءات الشاذة لها شأن آخر.

كثرة الاستعمال؛ تعريفاً وأهمية:

«استعمل» من (عمل)، و«استعمله» طلب إليه العمل، و«اعتمل» اضطرب في العمل، ورجل عَمِل أي مطبوع على العمل، و«استعمله» عمل به فهو مستعمل([1]).

قال الأزهري([2]): «استعمل فلان اللَّبِنَ أي بنى به بناء».

وقياساً على ذلك فالاستعمال اللغوي هو شيوع الظاهرة والعمل بها بكثرة، وليس المقصود بالاستعمال اللغوي الشيوع في كل عصر، بل هو مقيد بعصر الاحتجاج، وهذا يدفع اللهجات المتغيرة حسب قوانين التطور على مر العصور.

إن الاستعمال اللغوي علة قوية تعلل بها الظواهر اللغوية. وهي من التمكن والقوة ما يجعلها تقدم على القياس عند تعارضهما، قال ابن جني([3]): «إذا تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال قدم ما كثر استعماله، وإن كان شاذاً عن القياس» واستشهد ابن جني على ما قال بلغة الحجاز (لهجتها) التي تقوى على لهجة تميم لأنها أكثر استعمالاً منها، لذا نزل بها القرآن الكريم، وإن كانت التميمية أقوى قياساً([4])، قال تعالى: ?ما هذا بشراً?([5])، وقال تعالى ?ما هنّ أمهاتهم?([6]) فـ (ما) في الآيتين حجازية([7]).

وقد اعتمدت علة كثرة الاستعمال في كثير من أبواب العربية لتعليل الظواهر اللغوية، صرفاً ونحواً ودلالة. قال السيوطي([8]): «كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية». ولعلة وثيقة غير واهية، نقل السيوطي عن صاحب المستوفى قوله: إذا استقريت أصول هذه الصناعة علمت أنها في غاية الوثاقة، وإذا تأملت عللها عرفت أنها غير مدخولة ولا متسمح فيها.

ودافع السيوطي عن علل النحويين، ووصف من ضعّف عللهم بغفلة العوام.

قال: وأما ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية ومتمحلة.

واستدلالهم على ذلك بأنها أبداً تكون هي تابعة للوجود لا الوجود تابعاً لها. فبمعزل عن الحق، وذلك أن هذه الأوضاع والصيغ وإن كنا نحن نستعملها فليس ذلك على سبيل الابتداء والابتداع، بل على وجه الاقتداء ولا بد فيها من التوقيف([9]).

والحس والطبع هما الحكم في علل النحويين، وهي بذلك تختلف عن علل الفقه، قال ابن جني: اعلم أن علل النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفتها على النفس وليس كذلك علل الفقه. ثم قال: «فجميع علل النحو إذاً مواطئة للطباع» ثم بين أن النحو كله أو غالبه مما تدرك علته وتظهر حكمته([10]) قال:

«والذي دعا العلماء إلى اعتماد هذه الظاهرة وإدخالها في منهج التعليل وعيهم لحقيقة ثابتة، وهي أن التراكيب اللغوية حين يكثر استعمالها تدخلها تغييرات لا تدخل غيرها، وذلك لضرب من التخفيف والتسهيل». قال سيبويه([11]) «وهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج». وقد عرف المحدثون هذه الظاهرة وأسموها بقانون الاقتصاد اللغوي، وذكروا أن استعمال العبارة بكثرة يجعلها معروفة مفهومة، ولهذا لا يجد المتكلم حرجاً في أن يقتصد في لفظها([12]).

والأمثلة التي عللت بهذه الظاهرة كثيرة في كتب النحو والقراءات، ولا سيما كتب الاحتجاج للقراءات، كثرة بينة([13]).

وسأتناول أمثلة تطبيقية على أبواب مختارة ـ أغلبها من كتاب سيبويه ـ وفق منهج الدرس اللغوي، (الأصوات والصرف، والنحو، والدلالة)، وذلك بأمثلة محددة وليس على سبيل الاستقصاء.

ضرب سيبويه مثالاً على هذه الظاهرة معللاً بها، وهو قول العربي (لاهِ أبوك)، فأصله (لله أبوكِ)، ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفاً على اللسان، ونسب القول للخليل، ثم بين أن هذا (حذف الجار) ليس طريقة الكلام ولا سبيله، وليس كل جار يضمر، لأن المجرور داخل في الجار، فصار عندهم بمنزلة حرف واحدٍ فمن ثم قبح، ولكنهم قد يضمرون الجار فيما كثر من كلامهم، وذكر سيبويه أيضاً (لهيِ أبوك) ونسب القول لبعضهم: «(لهيِ أبوك)، فقلب العين وجعل اللام ساكنة، إذ صارت مكان العين كما كانت العين ساكنة، وتركوا» آخر الاسم مفتوحاً كما تركوا آخر أين مفتوحاً. وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروه([14]).

وقال سيبويه على لسان الخليل أيضاً: عندما ترى رجلاً قاصداً إلى مكان أو طالباً أمراً تقول: (مرحباً وأهلاً) أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، وكأنه صار بدلاً من رحبت بلادك وأهلت([15]). والمتكلم العربي بكثير من استعمال النداء، لذا قد تحذف العرب ياء الإضافة من المضاف إليه لكثرة الاستعمال، كقوله تعالى: «يا ابن أمّ»([16]).

وقال سيبويه: قال الخليل([17]): «وقالوا يا ابن أمّ» و«ابن عمّ» فجعلوا ذلك بمنزلة اسم واحدة لكثرة هذا في كلامهم.

وقال ابن يعيش في باب (كان)([18]): «كان» مقدمة لأنها أم الأفعال لكثرة دورها وتشعب مواقعها. وعلل الاسترابادي حذف النون من (يكن) ـ في حالة الجزم ـ بكثرة الاستعمال، قال([19]): «وقد يحذف لام (يكن) للجزم تشبيهاً لنونها بالواو فحذفت، مع أنه قد حذف قبل حركتها للجزم، وذلك لكثرة استعمالها».

وعلق ابن عقيل على هذه المسألة قائلاً: «والقياس يقتضي أن لا يحذف من (يكن) شيء، فحذف النون لكثرة الاستعمال، ووصف هذا الحذف بأنه جائز([20]). أما السيوطي فإنه لم يعترف بالتخفيف كعلّة لحذف النون، بل يقول: «إن المسوغ للحذف هو كثرة الاستعمال»([21]).

قضايا نحوية:

وفي القسم:

القسم مما يكثر استعماله ويتكرر في الكلام لأنه ضرب من التوكيد، لذلك بالغت العرب في تخفيفه من غير جهة واحدة. قال الزمخشري [22]) «ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التصرف فيه وتوخوا ضروباً من التخفيف» وفصل ابن يعيش هذه الضروب فذكر منها: حذف حرف القسم مع اسم الله تعالى، وحذف فعل القسم كثيراً للعلم به والاستغناء عنه فقالوا: بالله لأقومنّ، والمراد: أحلف بالله، قال تعالى: ?بالله إن الشرك لظلم عظيم?([23]) (بالله): في أحد الوجهين هو قسم، والآخر: يتعلق بقوله: ?لا تشرك بالله?. وحذف القسم به، لدلالة الفعل عليه، يقولون: أقسم لأفعلنّ، والمعنى: أقسم بالله. هذا الحذف كان لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب بالمراد، ومنه قول الشاعر([24]):
فأقسم أن لو التقينا وأنتم


لكان لكم يوم من الشر مظلمُ



ومن ذلك حذف الخبر من جملة الاسمية نحو لعمرك، فالخبر محذوف تخفيفاً، وكذلك أيمن وتصرفهم فيها، وأن همزتها همة قطع تحولت إلى همزة وصل بسبب كثرة الاستعمال، وهذا الرأي كما يقول ابن يعيش لابن كيسان وابن درستويه، ولكنه يرى أنها همزة وصل كهمزة لام التعريف([25]). وقال السيوطي: يجوز حذف حرف القسم في اسم الله من غير عوض، ولا يجوز في غيره، لأن الشيء إذا كثر كان حذفه كذكره([26]).

ومما حذف لكثرة الاستعمال ياء المتكلم عند الإضافة، وقولهم: (ايش هذا) وحذف الاسم في: لا عليك، أي لا بأس عليك، والتخفيف في (قد) و(قط) إذ أصلهما التثقيل لاشتقاقهما من قددت الشيء وقططت، وقولهم: الله لأفعلن بإضمار حرف الجر، أما (ايش)، فإن الأصل: (أي شيء)، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على الياء، فتحركت الياء بالكسرة فكرهت الكسرة فيها فأسكنت فلحقها التنوين فحذفت لإلتقاء الساكنين([27]).

في قوله تعالى:

?خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم?([28]).

كان الاختلاف بين القراء في كلمة (صلاتك)، فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم ـ برواية أبي بكر ـ (صلواتك) بالجمع، وقرأ عاصم ابن أبي النجود برواية حفص: (صلاتك) على التوحيد، وكذلك قرأها حمزة والكسائي([29]).

وأجمع القراء على قراءة (صلاتك) بالإفراد في سورة (الأنعام 22)، ومن قرأ بالإفراد في هذه الآية (التوبة 103) احتج بقراءة الإفراد في (الأنعام 22)، ومن قرأ بالإفراد احتج بقراءة الإفراد في الإنعام المجمع عليها، واختار الفراء قراءة (صلاتك) وذلك لعلة كثرة الاستعمال([30]).

فقراءة (الصلاة) أكثر استعمالاً من قراءة (الصلوات).

ونص النسفى في تفسيره على ما قال الفراء، من أن علة القراءة بالإفراد هي الكثرة، قال([31]) «والصلاة أكثر من الصلوات لأنها جنس» هذا وقد تتبعت([32]) الآيات القرآنية التي ذكرت (الصلاة) و(الصلوات) فوجدت أن (الصلاة) بـ بالإفراد ـ أكثر من (الصلوات) بالجمع، فقد بلغت الآيات التي أفردت (الصلاة) سبعاً وسبعين آية، في حين بلغت الآيات التي (جمعت) (الصلوات) خمساً فقط.

وفي قوله تعالى: ?لمن أراد أن يتم الرضاعة? (البقرة 233).

اختلف القراء في فتح الراء وكسرها في كلمة (الرضاعة) * والقراء السبعة جميعهم قرؤوا (الرّضاعة) أما قراءة (الرِّضاعة) فكانت لأبي رجاء، وهي من القراءات الشاذة. فقراءة الفتح هي قراءة الجمهور، قال الفراء: القراء تقرأ بفتح الراء، وقال الأخفش: إن قراءة (الرضاعة) في كل شيء مفتوحة، وقال أبو حيان: هي قراءة الجمهور([33]).

ذهب الأخفش إلى أن قراءة (الرِّضاعة) ـ بالكسر ـ لهجة تميم، إذ كانت من الارتضاع، والرَّضاعة والرِّضاع واحد، ولا يعرفهما البصريون إلا بهذا الضبط، أما الكوفيون فيقولون: الرضاعة والرضاع([34]).

من هذا يبدو أن قراءة (الرَّضاعة) ـ بالفتح ـ هي المشهورة إذ قرأ بها القراء السبعة، أما (الرِّضاعة) ـ بالكسر ـ فهي قراءة شاذة وهي لغة، ولكنها لم تشتهر لقلتها، قال أبو حيّان الأندلسيّ([35]): (وهي لغة كالحَضَارة والحِضَارة).

وفي قوله تعالى: ?فاتخذتموهم سِخْريّا?([36]).

اختلف القراء في ضم السين وكسرها (سخريا)، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (سِخْريّا) ـ بالكسر. و(سُخرّيا) قراءة نافع وحمزة والكسائي([37]). ذكر الفراء أن (سخريا) ـ بالضم ـ هو من السخرة، وسخريا ـ بالكسر ـ من الهزؤ، وإلى هذا ابن خالويه ومكي ابن أبي طالب([38]) وفضل الفراء قراءة الضم لكثرة الاستعمال، ونسب هذه اللغة إلى الحجاز([39]) وذكر أبو زرعة حجة من قرأ (سُخريّا) ـ بالضم ـ وهي إجماع القراء على الضم في قوله تعالى: (ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريا)([40]) فالإجماع أولى من الاختلاف في الإتباع، فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه أولى([41]).


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 04-08-2017 الساعة 07:41 AM
رد مع اقتباس