عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-08-2017 - 07:25 AM ]


ويلاحظ تقارب هذه الدلالات وتداخل بعضها مع بعض كما في المثالين 51 و52 اللذين تتداخل فيهما سمة "الفضلة" و سمة "الانتقاء"(نُخالة، حُصالة). و تتداخل سمتا "القطع" و"الطرح" في كثير من الأمثلة ( 1،2، 5، 6، 9، 10،...) وسمتا القطع والفضلة (42، 43، : جُذامة، حُصاصة، ...). غير أن المهم ليس هو تقاطع المفردات السابقة في الدلالة فهذا واضح لايحتا ج إلى الشرح. إنما الذي يعنينا هنا هو ملاحظة واستجلاء تطور صيغة "فُعالة" التي سبكت فيها هذه المفردات جميعا.
فهي لاتفيد الدلالة على "فضلات الأشياء فحسب" كما يقول صبحي الصالح(16). و قد يجوز أن يكون هذا هو معناها الأصلي أو الغالب، ولكنها نُقلت أيضا بالتوسع الدلالي أو بالمجاز لتدل على معانٍ لها مناسبة وعلاقة ما بمدلولها الوضعي الأصلي. فبين سمة "القطع" و"الطرح" كما رأينا" قرابة دلالية. وقل مثل ذلك في سمتي "الفضلة" و "الانتقاء". لكن الصيرورة التحولية قد أفضت أحيانا إلى معان متضادة. فقد يكون "الطرح" من قبيل الفضالات المرذولة التي يحسن التخلص منه (منها مثلا: كُناسة، فُضالة، لُفاظة، حُثالة) وقد تكون "البقية" مما يستبقى أو يستصفى لجودته أو لمزية فيه كما في : خلاصة، نقاوة، مجاجة، عصارة.
وإذا كانت المجموعات الفرعية التي تنضوي داخل المجموعة الرئيسية الأولى تتقارب كلها في الدلالة بحيث يمكن اعتبار تطور بعضها عن بعض مجرد توسع دلالي لا غير، فإن الأمر يختلف بالنسبة الى المجموعتين الرئيسيتين الأولى والثانية، حتى إننا لا نكاد نتبين لأول وهلة العلاقة بين "العُمارة" و"الجُعالة" مثلا وبين "القُطاعة" و "الجُذامة". لكن إذا أنعمنا النظر نجد أن المجموعة الثانية التي تتميز بالسمة الدلالية "أجرة كذا" تفرعت مجازا عن المجموعة الفرعية "ب" التي تفيد "القطع" و "الجز" و ما في معناهما. و يمكن تحليل الصيرورة المجازية التي تولد عنها الحقل الدلالي "للجعالة" ونحوها كما يلي:
لقد مر بنا أن "جُزارة" (من جزر) تعني : أطراف ما يجزر أي اليدان والرجلان. و لما كانت هذه الأطراف تعطى للجزار أجرة له فقد أطلقت "جُزارة" على سبيل التوسيع الدلالي على كل ما يعطى للجزار أجرة له. وشيئا فشيئا خبت السمة الدلالية :"مايعطى للجزار" وبقيت السمة "أجرة". وهذا التطور في دلالة اللفظ "جُزارة" اقترن بتطور الصيغة التي سبك فيها وهي "فُعالة". فلما خبت السمة المُحِيلة على الحقل الدلالي "جزر+جزار..." ورجحت السمة الدالة على "الأجرة" بدت "فُعالة" في بعض استعمالاتها وكأنها لاتفيد إلا معنى "الأجرة". وعندئذ أمكن نقلها على سبيل الاستعارة إلى الحقل الدلالي الذي يفيد "الأجرة" وإن لم تكن له علاقة "بالجزر". فقيل"جُعالة" لما يعطى لعامل إذا حارب؛ و "عُمالة" : أجرة العامل ؛ و "عُمارة" : أجرة العمارة.
والنتيجة التي نستخلصها مما تقدم هي أن تطور دلالات الألفاظ عن طريق التداول والاستعمال قد يفضي إلى تطور الصيغ الصرفية التي بنيت عليها هذه الألفاظ. وهذا دليل على التفاعل المستمر بين "اللسان" (langue) و بين "الكلام"(parole).

ونختم هذا البحث المقتضب بجملة من الملاحظات والاستنتاجات:
-"فُعالة" تدل في الغالب على معان حسية لكنها قد تفيد أيضاً بالتوسع الدلالي معنى مجردا، كما في "حشاشة".
- الألفاظ التي جاءت على وزن "فُعالة" قليلة نسبيا في اللغة العربية ( لاتكاد تتجاوز المائة) وأكثرها يدل على ما "يسقط من الشيء عند عملية القطع أو ما في معناه". و لذلك غلب استعمالها للدلالة على الفضالات، حتى في اللغة العربية المعاصرة. وهذا ما دفع بأحد الباحثين إلى أن يطلب من مجمع اللغة العربية بالقاهرة أن يجعل "فُعالة" قيا سية للدلالة على الفضالات(17). أما المعاني المجازية لهذه الصيغة "كعُمالة" و"جُعالة" و "بُشارة" فلم يطرد استعمالها وأهملت إهمالا في اللغة العربية المعاصرة وحلت محلها ألفاظ مركبة مبدوءة بأجرة مثل : "أجرة العامل"، "أجرة الصباغ" "أجرة الخباز"، أجرة "البناء". ولست أدري بِمَ أجاب مجمع اللغة العربية الأستاذ الباحث الذي تقدم إليه في جعل "فُعالة" قياسية للدلالة على "الفضالات". وإذا قبلت قياسية الأصل (وهو الدلالة على الفضالة مما يقطع ويسقط وغيره) فما الذي يمنع من قبول الدلالة المجازية المتفرعة عنه لإفادة "الأجرة" عندما تقتضي الضرورة ذلك في مجال من مجالات الاختصاص. ففي استغلال الطاقة المجازية للغة مزايا كثيرة منها : توفير الجهد بالنسبة للمتكلم (مستعمل اللغة) الذي نعفيه من مشقة صوغ كلمات جديدة عن طريق قواعد الاشتقاق المعقدة ؛ وعدم تحميل النظام الاشتقاقي الصرفي نفسه ما لايطيق، سيما وأن الصيغ والأوزان الصرفية محدودة جدا -كما أسلفنا- بالقياس إلى حاجاتنا الاصطلاحية والمعجمية. فلابد إذا من تشجيع الطاقة الإبداعية (وهي وليدة المجاز) عند المتكلم وعدم التعويل كُلٌية على نظام اللغة الاشتقاقي. ففي تشجيع الإبداعية المعجمية (créativité lexicale) إغناء لأنظمة التوليد المصطلحي المُنظم (création ou néologie lexicale) بقوالب وصيغ جديدة مستحدثة. أليس "السماع" في كل اللغات مقدما على "القياس"؟ ثم إننا بتسخير الطاقات المجازية للغة قد نستغني في كثير من الأحوال عن اصطناع صيغ وأوزان جديدة بطريقة آلية (أي دون أن تكون لها علاقة دلالية ما بما هو موجود في اللغة بحيث يقاس الفرع على الأصل) كما اقترح بعض اللغويين العرب المحدثين(18).
- نلاحظ أن هناك مفردات في اللغة العربية ينضوي معناها تحت الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه صيغ "فُعالة" لكنها بنيت على أوزان أخرى مثل :" جَراية(بفتح الجيم): ما يناله الجندي كل يوم ؛ "جَذَاذة": فضل كل شيء (ويقال أيضا جُذاذة)؛ الحَزاز: القشرة التي تتساقط من الرأس ؛ جُلْفة : ما قشرته من الجلد ونحوه ؛ الجُزْعة ( من جَزَع: قطع): البقية من الماء ؛ كما أن هناك بعض المفردات على وزن "فُعالة" لكنها لاتندرج فيما يظهر ضمن الحقل الدلالي الذي درسناه: مثال ذلك: "حُزانة" الرجل: عياله الذي يتحزن ويهتم لأمرهم ؛ "حُسافة" : الغيظ والحقد ؛ "طُلاوة": البهجة والحسن ؛ "لُبانة": حاجة من غير فاقة. والمجموعة الأولى تدخل ضمن ما يسمى "التزاوج الدلالي" أو "المُزاوجات الدلالية" (doublets sémantiques) أما المجموعة الثانية فتدخل ضمن "المزاوجات اللفظية" لأنها تتماثل لفظاً وتختلف معنى. وهناك طائفة أخرى يصعب الحسم فيها مثل : "هُذامة" فهي من "هَذَم" بمعنى قطع بسرعة (المنجد) أي أن فيها سمتين دلاليتين نجدهما مثلا في "قُطاعة" و"عُجالة"، لكنها استعملت صفة للسيف الذي يقطع بسرعة : فهل نعتبرها من قبيل المجاز المرسل(métonymie) الذي ينقل اسم أثر الحدث (وهو القطع بسرعة) إلى الآلة التي تساعد على تحقيق هذا الحدث ( وهي الشفرة أو السيف)؟
- في العربية ألفاظ كثيرة على وزن "فُعال" تلتقي في دلالتها مع "فُعالة"، منها على سبيل المثال:
"جُذاذ" : من جذ: قطع، ويستعمل (إلى جانب مُزاوجه: جُذاذة") بمعنى : ما تكسر من الشيء.
"جُفاء": ما يلقيه السيل جانبا، ومجازا: الباطل لا نفع له.
"رُغام": مُخاط.
"حُزاز": من "حز" بمعنى "قطع"، ومجازاً: ماحز في القلب أو الصدر فآلمه ( ومثله: "الحزازة" و هي الشائعة في العربية المعاصرة).
"لُباب" : المختار الخالص من كل شيء.
"هُرار" من "هر الجمل بسرحه (غائطه) : رمى به. والهُرار: سلح الأبل من أي داء كان. ويطلق أيضا على داء كالورم بين جلد الإبل و لحمها.
"هُراء": كلام كثير فاسد لا نظام له.
"هُذاء": الكلام بغير معقول لمرضٍ ( ومثله هذيان وهو الشائع).
إن صيغة "فُعال" كانت تدل قديما على التصغير ( مثل خُفاف: تصغير تحقير) كما تدل على التكبير (مثل: "هُمام" : شهم). و" لكنها خرجت من الاستعمال تاركة بقاياها من آثارها، نحو "صُداع" و "سُعال"... مما يعبر عن الانحرافات والأمراض، وهو استعمال تحقير"(19).
و لاشك أن بين سمة "الفُضالة" و"التحقير" و"الانحرافات والأمراض" صلات دلالية واضحة، كما يتجلى ذلك في كلمة "هُرار" و "مخاط" و"رُغام". ولعل "فُعالة" تطورت عن "فُعال" بزيادة الكاسعة(suffixe) "ة" في آخره (فُعال+ة)، ثم اختصت الأولى ("فُعالة") بالفُضالات ونحوها واختصت الثانية ( "فُعال") بالانحرافات والأمراض، وهو معناها الشائع في العربية المعاصرة وفي المصطلحات الطبية خاصة(20). وتجردت "فُعال" أيضا من معنى "التصغير"(أو التكبير) الذي جُعِلت له صيغ أخرى كفُعَيل و غيرها. ومن الظواهر العجيبة في اللغة العربية أن تدل صيغة واحدة على معنيين متضادين: فُعالة: نُقاوة/نُفاية ؛ "فُعال" : "لُباب" (المختار من كل شيء) / "هرار" ؛ "خُفاف"/ "هُمام". فظاهرة "الأضداد" في اللغة العربية لا تقتصر إذن على الألفاظ بل تعدتها إلى بعض الصيغ كما رأينا.
يتضح مما تقدم أن اللغة العربية كسائر اللغات الحية تنطوي على طاقات توليدية رائعة بفضل مرونة وطواعية نظامها الصرفي، وقدرة مفرداتها وأبنيتها على التوسع الدلالي (عن طريق التعميم والتخصيص و المجاز المرسل و الاستعارة) ؛ وهو توسيع لا يُفَجر بناء الكلمة كما رأينا، بل يُضَمنها معاني جديدة متفرعة عن معناها الأول دون تغيير في مادتها، أي أنه يمكن من "إعادة استعمال" صيغ مستمدة من متن اللغة للتعبير عن المعاني المستجدة وشِياتها (nuances) دون إرهاق للنظام الاشتقاقي الذي يتعذر عليه ابتداع صوغ صرفي جديد لكل معنى طارئ نظراً لمحدودية أوزانه. فالتوسيع الدلالي إذا وسيلة توليدية خلاقة وهو فوق ذلك يتيح اقتصادا في الجهد واقتصادا في الطاقات التوليدية للغة.

رد مع اقتباس