و"من ذلك: المُقْرِف، هو عندهم البخيل. وذلك غلط. إنما المُقْرِف: الذي أمه كريمة وأبوه ليس كذلك، والهَجين: الذي أَبوه كريم وأُمه ليست كذلك، قال الشاعر:
كم بـجـودٍ مـقـرفٌ نـال الـعُـلا وكَـرِيـمٌ بـخـلُـه قـد وَضَـعَـهْ
ألا تراه سماه مقرفاً، وقد جعل له جوداً نال به العلا، وسمى الآخر كريماً، وجعل له بخلاً قد وضعه(80)"، ((استعملت الكلمة في غير ما وضعت له خطأ، فاختلف المعنى كلياً)).
من ذلك "الحِشْمَةُ" يضعها الناس موضعَ الاستحياء، قال الأصمعيُّ: وليس كذلك، إنما هي بمعنى الغضب، وَحُكِيَ عن بعض فصحاء العرب: "إنَّ ذلك لممَّا يُحْشِمُ بني فلان" أي: يغضبهم(81 )، ((استعملت الكلمة في سياق غير مناسب)).
ويورد العسكري الأمثلة التالية(82 ):
"ممن صار ضُحْكَةً للماضين والغابرين بالتصحيف، الكاتب الذي قرأ: حاضرُ طَيَّء، فقال: جاء ضريطي، ((اختلف المعنى العام للجملة بشكل كلي)).
جاء رجلٌ إلى أبي عُبَيدة، فقال: أريدُ أن أقرأ عليك شعرَ الحُطَيئةِ، فقال: اقرأ، فابتدأ فقال:
ظَـعَـنَ الذَّيـنَ فِـرَاقَـهُـمْ أَتَـوَقَّـعُ
وَخَـرَى بِـبَـيْـنِهِمُ الغُـرابُ الأنْـفَعُ
قال: فوجَّه أبو عبيدة إلى يونسَ: قد وَقَعَ طيرٌ من الباديةِ، فاحضر، فاجتمعنا، فقرأ الرجلُ. فقال أبو عُبيدة: وَيحكَ، إنْ عُذِرتَ في تصحيفك الأول، لم تُعْذَر في الثاني؛ أما سَمِعْتَ بِغُرَابٍ أَبْقَعَ ولا رأيتَهُ قطُّ! (في البيت تصحيفان: الأول في قوله: وخرى. وأصلها في الشعر: وجرى. والثاني: الأنفع، وأصلها: الأبقع، وهذا معنى قوله فيما سيجيء: إن عُذِرت في تصحيفك الأول، لم تعذر في الثاني)، ((تغير المعنى كلياً للبيت)).
قرأ رجلٌ يوماً على أبي عبد الله المُفَجَّع:
ولـمَّا نَـزَلْـنَـا منـزِلاً طََـلَّهُ النّـَدَى أنيـقاً وبُسْتـَانَـاً مِن النَّـوْرِ خَـالِـيَاً
بالخاء المعجمة، فحرّك المُفجَّعُ رأسَهُ، وقال يا سيِّدَ أُمِّه، فعلى أي شيءٍ كنتم تشرَبُونَ؟ على الخَسْف؟ الخسف: الجوع، ((تغير المعنى بإبدال الحاء خاءً)).
9- الأخطاء الجزئية
الأخطاء الجزئية (Local Errors): هي الأخطاء التي لا تتسبب في إعاقة الاتصال بصورة واضحة. وتشمل أخطاء تصريف الاسم، والفعل، كما تشمل الأدوات، والأفعال المساعدة، وصوغ كلمات الكم، واستخدام الضمير المذكر مكان المؤنث، واستعمال الفعل الماضي بدلاً من المضارع، وغيرها. وبما أن تلك الأخطاء مقصورة على جزء واحد من أجزاء الجملة فإننا نسميها (أخطاء جزئية أو محلية). فالأخطاء الجزئية: هي التي تقتصر على جزء واحد من أجزاء الجملة، ولا تحدث أثراً كبيراً على عملية الاتصال ولا تعيقه( 83).
انظروا إلى الأمثلة التالية( 84): "باب ما جاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد يقولون: للآس خاصة: رَيْحان. والرِّيْحان: كل نَبْت طيب الريح، ((استعملت الكلمة بشكل خاص، والصواب إطلاقها على الجميع)).
ولا يقولون بحر إلا لما كان ملحَاً خاصة. والبحر يقع على العذب والملح/ المالح. قال تعالى: وهو الذي مَرَجَ البَحْرَين هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ( 85). فسمى العذبَ بحراً، وإنما سُمِيَّ البحرُ بحراً لاتساعه"، ((استعملت الكلمة من قبيل الحصر والصواب التعميم)).
يقولون: "أَعْرَضْت" عليه الأمر. والصواب "عَرَضْتُه"(86 )، ((حذف الألف من الكلمة خطأً)).
العامة تقول بُخور، بضم الباء، والصواب فتحها( 87)، ((إبدال الفتحة ضمة)).
يقولون: "صك والصواب سك" معناها: الساقي أو السقاة. ويقولون "آطش والصواب آتش" معناها: نار( 88).
((أنت لعبتا. يريد: أنت لعبت./ بعد أن أحبو أمي. يريد: بعد أن أحب أمي. فالمتعلم هنا أضاف حرفين لكل كلمة خطأً))( 89).
بعد هذا الوصف اللغوي للأخطاء، يجدر بنا أن ننتقل إلى الخطوة التالية؛ وهي: الخطوة اللغوية النفسية في شرح الأخطاء.
خامـساً: شرح الأخطاء
إن وصف الأخطاء عملية لغوية صِرفة، بينما شرحها عملية لغوية نفسية بامتياز. ولذلك يجب علينا أن نشرح هنا لماذا وكيف وقعت الأخطاء. ونحاول أن نجـد لها سبباً مقبولاً قدر المستطاع. وفي هذا الصدد يقول كـوردر(90 ): "إن شرح الأخطاء هي عملية صعبة جداً وإنها الهدف النهائي والأخير من تحليل الأخطاء".
ويُقْصَدُ بشرح الأخطاء هنا: أن نعزو هذه الأخطاء إلى مظانِّها الرئيسة. أي أن نُبَيِّنَ أسبابَها ما أمكن ذلك. هل هي بسبب اللغة الأم أَمْ بسبب اللغة الثانية التي يكتسبها الطالب؟ أم أن هناك أسباباً أخرى يمكن بيانُها وذكرُها.
لقد تناول هذه القضية علماء العربية القدامى، وأَوْلَوْها اهتماماً كبيراً في مؤلفاتهم اللغوية. فالجاحظ مثلاً، تحدث في فصل من كتابه: البيان والتبيين، عن بعض أسباب الأخطاء الهامة جداً، التي يرتكبها المتعلمون للغة. وكذلك العسكري؛ المتوفى سنة 382هـ، قد أفرد كتاباً مستقلاً لهذا الغرض، أسماه: "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف".
وقبل الحديث عن أسباب هذه الأخطاء, لابد لنا من مناقشة إستراتيجيتين مهمتين من إستراتيجيات التعلم في اللغة المرحلية (أو اللغة الوسطى Inter********) في تحليل الأخطاء، التي يتحدث عنها اللغويون الأمريكيون بشكل خاص. وهما: إستراتيجيتا السهولة والتَّحَجُّر؛ اللتان أولاهما الجاحظ اهتماماً كبيراً في دراسته.
أ- استراتيجية السهولة "Simplification":
لقد تحدث علماء اللغة في أوروبا وأمريكا عن استراتيجيات التعلم، التي تعني أن المتعلم يحاول جاهداً أن يـُحَسِّنَ لغته ويُـطَـوِّرها مع مرور الزمن. ولذلك يُكَوِّنُ جملاً جديدة في اللغة الهدف. وقد تكون هذه الجمل غير صحيحة في اللغة الهدف. وذلك بحذف بعض الحروف أو العناصر من الكلمة، استسهالاً منه وظناً أنها معروفة ومفهومة من قبل الآخرين(91 ). ولهذا نرى اللغويين الأمريكيين يناقشونها تحت مصطلح السهولة؛ وتعني: أن المتعلمين يميلون إلى حذف بعض الحروف من الكلمات في اللغة الأم أو التي يتعلمونها. ويعتقدون أن هذه الحروف أو العناصر اللغوية التي حُذِفَت من الكلمة مفهومة، وأنها غير مهمة أو مفيدة.
لقد شرح الجاحظ هذه الاستراتيجية( 92)، ومثَّل لها بشكل جيد في بحثه عن اللُّثغة؛ فقال: "... فأما التي على الغين فهي أيسرهنَّ، ويقال إنَّ صاحبها لو جَهَدَ نفسَه جَهْدَه، وأحَدَّ لسانَه، وتكلَّف مخرجَ الراء على حَقِّها والإفصاح بها، لم يك بعيداً من أن تُجيبه الطبيعة، ويُؤثِّر فيها ذلك التعهُّد أثراً حسناً".
ويقول أيضاً( 93): وكانت لُثْغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوَّم لسانه، أخرج الرَّاء على الصحة فتأتَّى له ذلك. وكان يدع ذلك استثقالاً. أنا سمعت ذلك منه.
والماليزيون مثلاً، ينطقون الراءَ راءً في بداية الكلمة ووسطها ونهايتها بشكل صحيح. إلا أنهم في وسط الكلمة أحياناً ينطقونها غيناً، وأحياناً ينطقونها راءً على الصحة. وذلك إذا جاء بعدها حرف علة وذلك للدلالة على رُقِيِّ المتكلِّم بها، وعلوّ منزلته. ولقد سَمِعْتُهَا من عِليَّة القوم في ماليزيا. انظر مثلاً، كلمة: "سجل رسمي" في اللغة الماليزية ينطقون الراء صحيحة، وتعني باللغة العربية "سجل رسمي" أيضاً. وكلمة "رندو Rindo" وتعني "مشتاق" فتلفظ بالراء كذلك. وكلمة "جهور Johor" تلفظ راءً، وهي اسم ولاية في ماليزيا. أما إذا كانت في وسط الكلمة وقبلها حرف علة: تنطق غيناً أو راءً، مثال: (تشاري: Cari) تنطق "تشاغي" بالغين، وتعني بالعربية "يبحث". بينما تنطق كلمة (كاري Kari) بالراء في وسط الكلمة، ومعناها في العربية "نوع من أنواع التوابل"، وكلمة "بيريتا Berita" تنطق بالراء كذلك وتعني "الأنباء أو الأخبار"، فلها لفظان عندهم إما أن تنطق راءً، وإما أن تنطق غيناً.
ب- استراتيجية التَحَجُّر "Fossilization":
تحدث (سلنكر Selinker,)( 94) عن هذه الاستراتيجية في بحوثه المهمة عن اللغة الوسطى أو المرحلية، وهو يشير إلى القواعد والصيغ غير الصحيحة نحوياً؛ التي تَحْدُث في كلام متعلم اللغة الثانية بشكل دائم. ويمكن أن تبدو هذه الظاهرة دائمة وثابتة في كفاءة متعلمي اللغة الثانية(95 ).
لقد ناقش الجاحظ هذه الاستراتيجية عند المتعلمين الأجانب قديماً(96 ). وقال إن الكبير لا يستطيع أن يكتسب اللغة بشكل صحيح مهما حاول ذلك. ولهذا تراه يقول: "فأما حروف الكلامِ فإن حُكمَها إذا تمكنت في الألسنة خلافُ هذا الحكم. ألا ترى أن السِّنْديَ إذا جُلِبَ كبيراً فإنه لا يستطيع إلا أن يجعلَ الجيمَ زاياً، ولو أقامَ في عُليا تميم، وفي سُفلَى قيس، وبين عَجُزِ هوازنَ، خمسين عاماً. وكذلك النَّبَطيُّ القُحُّ خلافُ المِغلاق الذي نَشَأَ في بلاد النَّبَط، لأنَّ النَّبَطيَّ القُحَّ يجعل الزَّايَ سيناً، فإذا أراد أن يقول: زَورَق. قال: سَوْرق. ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مُشْمَعِلّ، قال: مُشْمَئِلّ. والنخاس يمتحن لسانَ الجارية إذا ظنَّ أنها رومية وأهلُها يزعمون أنها مولدة؛ بأن تقول: ناعمة، أو تقول شمس ثلاث مرَّات متواليات"
ونعود الآن بعد عرض هاتين الاستراتيجيتين: السهولة والتحجر عند الجاحظ، إلى شرح أسباب الأخطاء التي بيَّنها العلماء العرب القدامى في دراساتهم. "ولقد ذكر العسكري( 97) بعضاً من هذه الأسباب التي تكمن وراء الأخطاء التي تقع في كلام الناس. ولذلك أخذ يشرح الألفاظَ والأسماءَ المُشْكِلة، التي تتشابه في صورة الخط، فيقع فيها التصحيف، ويَدْخلها التحريف، مما يَعْرِض في ألفاظ اللغة والشعر، وفي أسماء الشعراء وأيام العرب، وأسماء فُرسانها ووقائعها وأماكنها، وما يَعْرِض في علم الأنساب وغيرها من الأشكال، فيصحِّفها عامةُ الناس، ويَغْلَطُ فيه بعضُ الخاصة، ولا يَكمُل لها إلا من افتنَّ في العلوم، ولقي العلماء والرواة، والمتقدمين في صناعتهم، المُتقِنين لما حفظوه؛ وأخذ من أفواه الرجال، ولم يعوّل على الكتب الصَّحَفية، واستقبح لذَّة الراحة والتقليد على تعب البحث والتنقير، فوضَحَت له الدِّراية والرواية( 98)، بكفاء الطلب والعناية؛ واحترس من الخطأ احتراسه من أقبح العيوب، وأُعين ببعض الذكاء والفطنة.
ولقد سُئِلَ ابنُ عبَّاس: أنَّى أدركت هذا العِلم؟ فقال: بلسان سَؤُول، وقَلْب عَقُول.
ويروى أن الأصمعي ذكر يوماً بني أمية وشغفهم بالعلم، فقال: كانوا ربما اختلفوا، وهم بالشام، في بيت من الشعر، أو خَبر أو يوم من أيّام العرب، فَيُبْرِدُونَ فيه بريداً إلى العراق. لقد كان الرجلان من بني مروان يختلفان في بيت شِعْر فيُرسلان راكباً إلى قَتادة يسأله. هذا وقد كان الناسُ فيما مضى يغلَطون في اليسير دون الكثير، ويُصَحِّفُون في الدقيق دون الجليل، لكثرة العلماء وعناية المتعلمين. فذهبت العلماء، وقلَّت العناية، فصار ما يُصَحِّفون أكثرَ مما يُصَحِّحون، وما يُسْقِطُونَ أكثر مما يَضْبطون".
ويذكر ابن قتيبة خبراً عن أعرابي قوله( 99): "ذكر أعرابي رجلاً يَعْيَا فقال: رأيت عَوراتِ الناسِ بين أَرجُلِهِم، وعَوْرَةَ فلان بَينَ فَكَّيْه"، "وينقل عن ابن سيرين قوله: ما رأيتُ على رجل أحسن من فصاحة، ولا على امرأة أحسن من شحم".
ومن خلال مطالعتنا لهذه المؤلفات وجدنا أن أسباب الأخطاء كثيرة. ويمكن أن تعود إلى عدة أسباب: لغوية، واجتماعية، ونفسية، وعضوية. وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل.
أولاً: الأسباب اللغوية
1- أخذ العلم من الصُحُف
يقول العسكري(100 ) إنه كان يقال قديماً: لا تأخذوا القرآنَ من مُصْحَفِيّ، ولا العِلْم من صَحَفِيّ. وروى الكوفيون أن حَمَّاداً الراوية كان حَفِظَ القرآن من المُصحف، فكان يُصَحِّفُ نَيِّفَاً وثلاثين حرفاً. ويَروي أعداءُ حمزةَ الزيات، أنه كان يتعلم القرآن من المُصْحف، فقرأ يوماً، وأبوه يسمع: "آلم. ذلك الكتابُ لا زيتَ فيه" فقال له أبوه: دع المصحف وتَلَقَّن من أفواه الرجال.
2- عدم نَقْط المصاحف والإعجام والترقين والشَّكل
يروي العسكري(101 ) أن السبب في نَقْط المصاحف هو: أن الناس غَبَروا يقرؤون في مصاحف عثمانَ رحمةُ الله عليه، نيفاً وأربعين سنة، إلى أيام عبد الملك بن مروان. ثم كثر التصحيف، وانتشر في العراق ففزع الحَجَّاجُ إلى كُتَّابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف الـمُشْـتَبِهَةِ علامات. فيقال: إن نصرَ بن عاصم قام بذلك، فوضع النَّقْـطَ أفراداً وأزواجاً. وخالف بين أماكنها بتوقيع بعضها فوق الحروف، وبعضها تحت الحروف. فَـغَـبَـرَ الناسُ بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً. فكان مع استعمال النَّـقْطِ أيضاً يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يُـتْـبِـعون النَّقْطَ بالإعجام. فإذا أُغفِل الاستقصاءُ على الكلمة فلم تُوَفَّ حقوقَها اعترى هذا التصحيفُ، فالتمسوا حيلةً، فلم يقْدِروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال. وكان من نتيجة هذا السبب وضع علم النحو. عندما سَمِعَ أبو الأسود الدؤليُّ رجلاً يقرأ: "إن اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه" بالجر، فقال: لا يَسعني إلا أن أَضَعَ شيئاً أُصْلِحُ به نحوَ هذا. فوضع النحو، وكان أَوَّلَ من رسمه.
والترقين هو النَّقْطُ في الكتاب، وأن تقرأه على نفسك، وتعتبره وتدبر بعضه ببعض. وممن مدح كثرة الشَّكل، أحمد بن إسماعيل نَطَّاحَة الكاتب، فقال:
مُـسْتَـوْدِعٌ قـرطـاسَـه حِـكـمـا
وكـأنَّ أَحْـرُفَ خَطـِّهِ شَـجَـرٌ
كالـرَّّوْضِ مَـيَّزَ بـينَـه زَهَرُهُ
والشَّـكلُ في أضعـافـها ثَـمَـرُه
ومما يستحسن في هذا المعنى بيت ندر لابن المعتز:
بِـشَكْـلٍ يُـؤْمَـنُ الإشـكالُ فيـه
كـأنَّ سُـطـورَه أغـصانُ شَـوْكِ
3- نقص كفاءة الراوي باللغة أو عدمها
يروي العسكري( 102): أن مَنْ حَدَّثَ وهو لا يُفَرِّق بين الخطأ والصواب، فليس بأهل أن يُحمل عنه. حدثنا عبدُ الله بن الحارث عن يونس عن شهاب، أخبرني عبدُ الله بن ثعلبة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، مَسَحَ وجهه "من القُبْح"(103 ). قال أحمد: أخطأ وصحَّف، إنما هو "زَمن الفتح". ومن مناقب خلف الأحمر أنه من أفضل ما عدد من مناقبه أن قال:
لا يَـهـِم الـحـاءَ في القـراءة بالـخـا
ء ولا يـأخـذ إسـنـادَه عـن الصُّـحف
أنشد محمد لأبَّان اللاحِقِي، في رَجلٍ كان كُلَّما أخطأ فَقِيلَ له: هذا لا يجوز، قال: في هذا لغة(104):
يَـكْسـِرُ الشِّـعْـرَ وإنْ عـاتَـبْـتَهُ
فـي مُـحَالٍ قـال فـي هـذا لُـغَةْ
4- الخط والهجاء
يقول الأصفهاني( 105): إن مُـحَـدِّثـاً يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحب العَسَل في يوم الجمعة، وإنما كان يستحب الغُسْل فيه...
ويروي أيضاً في( 106): أنه سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال: "إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفهُ ولامهُ، واستقامت سطوره، وضاهى صعودَه حدورُه، وتَفَتَّحَتْ عيونُه، ولم تشتبه راؤه ونونُه، وأشرق قرطاسُه وأظلمت أنقاسُه (المداد)، ولم تختلف أجناسُه، وأسرع إلى العيون تصوُّره..." كأنه حينئذ كما قيل:
إذا ما تَـجَلَّـلَ قـرطـاسـَه
تَـضمَّـن من خـطِّـه حُـلَّةً
حـروفاً تُـعيدُ لـعين الكليلِ
وسـاوره الـقـلـمُ الأرقـشُ
كنـقـش الدنانـير بل أنـقش
نشـاطاً ويقـرؤهـا الأخـفش
ووصف أحمد بن صالح من جارية خطَّاطة آلات كتابتها فقال:
"كأن خطَّها أشكالُ صورتها، وكأن مدادَها سوادُ شعرها، وكأن قرطاسَها أديمُ وجهها، وكأن قلمَها بعض أناملها، وكأن بيانها سحرُ مقلتها، وكأن سكِّينَها غنجُ لحظها، وكأن مقطَّها قلب عاشقها".
5- التصحيف والتحريف
يذكر الأصفهاني(107 ) سبب وقوع التصحيف في كتابة العرب: "هو أن الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على حكمةٍ, ولا احتاط لمن يجيء بعده، وذلك أن وضع لخمسة أحرف صورة واحدة وهي: الباء، والتاء، والثاء، والياء، والنون. وكان وجه الحكمة فيه أن يضع لكل حرف صورة مباينة للأخرى حتى يؤمن عليه التبديل... وقال أرسطو طاليس: كل كتابة تتشابهُ صور حروفها، فهي على شرف تولد السهو والغلط والخطأ فيها، لأن ما في الخط دليل على ما في القول، وما في القول دليل على ما في الفكر، وما في الفكر دليل على ما في ذوات الأشياء".
ثانياً: أسباب اجتماعية
1- الصَّمْتُ والوَحْدَة (العُزْلَة):
يذكر الجاحظ( 108)، أن أبا عبيدة قال: إذا أدخلَ الرَّجلُ بعضَ كلامه في بعض فهو أَلفُّ، وقيل بلسانه لَفَفٌ(109 ). ويفسر الجاحظ السبب في هذا اللفف أن الإنسان إذا جلس وَحْدَهُ ولم يكن له من يكلِّمه، وطال عليه ذلك، أصابه لفَف في لسانه. وأنشد الراجز:
كـأنَّ فيـه لَفَـفَاً إذا نَـطَقْ
من طُـولِ تـحبـيسٍ وهَـمٍّ وأَرَقْ
وكان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة بعد المُـقَعْـطِل، يقال له الصَّموت؛ لأنه لما طال صمتُه ثَقُلَ عليه الكلام، فكان لسانُه يلتوي، ولا يكادُ يُبين، من طول التفكر ولزوم الصَّمت. ويرشدنا الجاحظ هنا إلى أنه من أراد أن يكون فصيحاً بليغاً، بعيداً عن الخطأ والانحراف في الكلام، عليه أن يتحلَّى بالخطابة، وعمودُها الدُّربة، وجناحاها رواية الكلام. ويؤكد الجاحظ هنا على أهمية الدربة في الكلام، لأن العرب كانوا يُروُّون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونهم المناقلات ويأمرونهم برفع اللسان، وتحقيق الإعراب لأن ذلك يفتق اللهاة ويفتح الجرم. ثم يقول: "واللسان إذا كثر تقليبه رق ولان وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ"(110 ).