أولاً: جمع المادة
وهذه الخطوة تتعلق بمنهجية البحث، وكيفية جمع المادة اللغوية، وعدد المتعلمين، وغيرها من المعلومات المفيدة( 21). ولقد جمع العلماء العرب القدامى الأخطاء عن طريقين: أولهما شفوي، وثانيهما كتابي. فها هو ابن مكي مثلاً، يحدثنا عن جمع المادة اللغوية قائلاً (22 ):
ولقد وقفت على كتاب، بخط رجل من خاصة الناس وأفاضلهم فيه: وأحب أن تَشْتَهِدَ لي في كذا وكذا بالشين يريد تجتهد. ورأيت بِخَطِّ آخَرَ أكبَر منه وأعلى منزلةً، بيتَ شعر على ظهر كتاب، وهو قول الشاعر:
زَوَامِـلُ لـلأسـفارِ لا عِلْم عِندهمْ
بِجَـيِّـدِهَا إلَّا كـعـلم الأبـاعرِ
كتبه للأصفار بالصَّاد. وأكثر الرواية فيه للأشعار.
وكتب إليَّ آخرُ من أهل العلم رُقعة فيها: وقد عزمت على الإتيان إليك، بزيادة ياء.
وشهدت يوماً رجلاً قِـبَـلَـهُ تخصصٌ وفِقْه، وحِفظ للأخبار والأشعار، وقد سمع كلاماً فيه ذكر الشِدْق, فلما سمعه بالدال – غير المعجمة – أنكره، وتعجب من أن يجوز ذلك، وليس يجوز سواه، ثم سألني، ورغَّبَ إليَّ أن أجمع له مما يصحف الناس في ألفاظهم، وما يغلط فيه أهل الفقه، وما قدرت على جمعه.
فأجبته إلى ما سأل، وأضفت على ذلك غيره من الأغاليط التي سمعتها من الناس، على اختلاف طبقاتهم، مما لا يوجد في كتب المتقدمين التنبيهُ على أكثره... فجمعت من غلط أهل بلدنا ما سمعتُه من أفواههم، مما لا يجوز في لسان العرب، أو مما غيرُه أفصحُ منه وهم لا يعرفون سواه، ونبهت على جواز ما أنكر قوم جوازه، وإن كان غيرُه أفصحَ منه، لأن إنكار الجائز غلط.
فمن خلال هذه النصوص التي بين أيدينا، نلاحظ أن ابن مكي: جمع المادة اللغوية من عامة الناس وخاصتهم، شفوية وكتابية.
وأما حجم العينات التي اختاروها لدراساتهم فهي كبيرة جداً. فلقد جمعوا المادة اللغوية من جمهور الناس: عامتهم وخاصتهم، انظر مثلاً؛ ابن السكيت، وابن مكي، والحريري، والصفدي، والعسكري, إلخ.
وفيما يتعلق بالموضوعات التي عالجوها فهي متنوعة وكثيرة جداً. وتشمل الموضوعات النحوية، والصرفية، والصوتية، والمعجمية، والبلاغية، والأسلوبية، والإملائية، وغيرها، انظر؛ ابن مكي، والزبيدي، وسيبويه، والجاحظ، والسيوطي، وابن هشام الإشبيلي، وأبو الطيب اللغوي، والزجاجي، والقالي، وثعلب، وابن جني في الخصائص في باب سقطات العلماء، إلخ.
إحصاء الأخطاء وتعدادها
على الرغم من أن هذه العملية كانت نادرةً جداً في مؤلفاتهم، إلا أنهم لم يهملوها كل الإهمال، ولقد تطرقوا إليها من باب الحرص على صحة المادة التي يَدْرُسُونَها، والتنبيه على أهميتها. وقاموا بجمع الأخطاء وإحصائها بشكل دقيق. يقول العسكري في كتابه لحن الخاصة(23 ):
"لقد جاءني رجلٌ وبيده ورقةٌ مكتوبةٌ، وتحتوي على كثير من الأخطاء. ولقد جمعت الأخطاءَ فيها، فوجدت فيها 70 خطأً".
ويقول أيضاً؛(24 ): وقد ادَّعى خلف الأحمرُ على العُتْبِيِّ أنه صَحَّفَ هذا فقال في قصيدة عَدَّدَ فيها تَصْحِيْفَاتِه:
وفـي يَـوْم صِـفِّـينَ تَـصْحِيفَةٌ
وأُخـرَى لـه فـي حـديثِ الـكُلاب
من خلال هذين الكتابين نجد أن اللغويين التطبيقيين العرب، لم يغفلوا هذا الإجراء كل الإغفال، وإنما أشاروا إليه بشكل موجز وبسيط.
الخطوة التالية من خطوات تحليل الأخطاء هي تحديد الخطأ:
ثانياً: تحديد الخطأ
يقول محللو الأخطاء: إن عملية تحديد الأخطاء ليست بالأمر السهل، كما يظن بعض علماء اللغة(25). ولذلك يجب على الباحث في تحليل الأخطاء، أن يكون عالماً باللغة التي يَبحثُ فيها، ويَدْرُسُهَا جيداً، لكي لا يُخَطِّئ الصواب، ويُصوِّب الخطأ؛ كما قال ابن مكي آنفاً (انظر؛ جمع المادة أعلاه). وهنا يجب علينا أن نشير إلى أن العلماء العرب، قد حددوا الأخطاء التي درسوها بشكل واضح ودقيق؛ ومن ثم قاموا بدراستها. هاكم الأمثلة التالية:
يقولون: رَجُلٌ "شَحَّاثٌ"( 26).
يقولون في جمع (عِضة): عِضات( 27).
قال الراجز( 28):
يـا قَـبَّـحَ اللهُ بـني السعلات
عَـمْرو بـن يـربوع شِـرار الناتِ
لـيسوا بسـاداتٍ ولا أكـياتِ
وقال أيضاً:
يـا ابن الـزُّبـير طـال ما عصَيْكا
وطـال مـا عنَّـيْـكنا إليكـا
لنضربنْ بسيـفِنَا قَـفَيْكا
إذا كانت هذه الأمثلة تحتوي على الأخطاء، وجب علينا أن نحددها أولاً؛ وذلك بوضع خط تحتها، أو أن نجمعها ونكتبها على ورقة أخرى. ومن ثم ننتقل إلى الخطوة التالية.
ثالثاً: تصنيف الخطأ
إن عملية تصنيف الأخطاء، تتطلب منا مرونة كبيرة، وأن نجعل الخطأ يحدد الفئةَ التي يجب أن ينضم إليها( 29). ويمكننا أن نصنف الأخطاء تحت فئات مختلفة مثل: الأخطاء النحوية، والصرفية، والصوتية، والبلاغية، والأسلوبية (تحليل الخطاب)، والمعجمية، والإملائية، والأخطاء الكلية، والجزئية، وغيرها. ويمكن أن يُصنف الخطأ الواحد في فئتين أو أكثر.
ولقد صنف اللغويون العرب القدامى الأخطاءَ في مؤلفاتهم بدقة بالغة؛ فها هو الزبيدي مثلاً، يقول في كتابه لحن العوام( 30):
"كنا قد أَلَّـفْـنَا فيما أفسده عَوَامُّنا وكثير من خَوَاصِّنا، كتباً قَسَّمناها على ثلاثة أقسام: قسم غُـيِّـرَ بناؤه وأُحِيل عن هيئته، وقسم وُضِع في غير موضعه وأُرِيد به غيرُ معناه، وقسم خُصَّ به الشيءُ وقد يَشْرَكهُ فيه ما سواه".
وكذلك تحدث ابن مكي عن هذه الخطوة قائلاً( 31): "فجمعت من غلط أهل بلدنا ما سمعتُه من أفواههم... وعلقتُ بذلك ما تعلق به الأوزان، والأبنية، والتصريف، والاشتقاق، وشواهد الشعر، والأمثال، والأخبار، ثم أضفت إليه أبواباً مُستطرفة، ونُتفاً مستملحة، وأصولاً يُقاس عليها. ليكون الكتابُ تثقيفاً للسان، وتلقيحاً للجَنان، ولينشط إلى قراءته العالِمُ والجاهِلُ، ويَشتركَ في مطالعته الحالي والعاطلُ. وجعلته خمسين باباً، هذا ثَبـتُها؛ منها مثلاً: باب التصحيف، وباب ما غيَّروه من الأسماء بالزيادة، وباب ما غيَّروه من الأفعال بالنقص، وباب غلطهم في التصغير، وباب ما وضعوه غير موضعه... إلخ. وإنما ابتدأت بالتصحيف، لأن ذلك كان سَببَ تأليف الكتاب، ومفتاحَ النظر في تصنيفه، ثم أتبعته كلاماً يَليق به أو يُقاربه"
ومن خلال هذين النصين نجد: أن اللغويين العرب صنفوا أخطاءهم تصنيفاً صحيحاً ودقيقاً. ونحاول فيما يلي أن نتحدث عن وصف الخطأ.
رابعاً: وصف الخطأ
لقد أوجد محللو الأخطاء أربع فـئات لوصف الأخطاء، وهي: الحذف، والإضافة، والإبدال، وسوء الترتيب( 32). ويُقْصَدُ بالحذف: أن نحذف حرفاً أو أكثر من الكلمة؛ أو كلمة أو أكثر من الجملة. وتعني الإضافة هي أن نضيف حرفاً أو أكثر إلى الكلمة؛ أو كلمة أو أكثر إلى الجملة. ويعني الإبدال هو أن نبدل حرفاً مكان آخر؛ أو كلمة مكان أخرى. وأما سوء الترتيب فيعني أن تُرتبَ حروف الكلمة خطأً في الجملة، وذلك بالتقديم والتأخير وغيرها.
لقد تحدث ابن الجوزي عن وصف الخطأ قائلاً( 33): "واعلم أن غلط العامة يتنوع: فتارة يضمون المكسور، وتارة يكسرون المضموم، وتارة يمدون المقصور، وتارة يقصرون الممدود، وتارة يشددون المخفف، وتارة يخففون المشدد، وتارة يزيدون في الكلمة وتارة ينقصون منها وتارة يضعونها في غير موضعها، إلى غير ذلك من الأقسام. وإن وُجِد لشيء مما نَهيتُ عنه وجه فهو بعيد، أو كان لغةً فهي مهجورة وقد قال الفراء: وكثيرٌ مما أنهاك عنه قد سمعتُه. ولو تجوزتُ لرخصتُ لكَ أن تقول: "(رأيت) رجلان" في لهجة من يلزم المثنى الألف، ولقلت: "أردت عن تقول ذلك". إلى عنعنة تميم أي قلب الهمزة المبدوء بها عيناً. والله الموفق".
فإليكم الآن وصف الأخطاء كما بيَّنها العلماء العرب القدامى.
1- الأخطاء النحوية
يقصد بالأخطاء النحوية: الأخطاء التي تتناول موضوعات النحو؛ كالتذكير، والتأنيث، والإفراد، والتثنية، والجمع، وغيرها.
انظروا إلى الأمثلة التالية(34 ): باب ما أنثوه من المذكر
"من ذلك: القلب، والبطن، يقولون: رَقَّتْ له قلبي وانتفخَتْ بطني، ونحو ذلك.
والصواب: تذكير الجميع. قال الشاعر:
وإنكَ إنْ أَعطـيتَ بطنَـكَ سُـؤلَـهُ وفـرجَـكَ نـالا مُنـتَهى الـذَّمِّ أَجمـَعا
كذلك القميص، ربما أنثوه فقالوا: قميص جديدة، وقديمة.
الصواب: التذكير، قال تعالى: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي(35).
باب ما ذكروه من المؤنث
مما يذكرونه وهو مؤنث: السراويل، وهو مؤنث. قال قيس بن سعد بن عبادة:
أردتُ لـكيـما يعلَـمَ النـاسُ أَنـها
سـراويـلُ قيـسٍ والـوفـودُ شـهود
باب ما العامة فيه على الصواب، والخاصة على الخطأ
يقولون: "ثلاث شهور، وخمس شهور، وما أشبه ذلك، من العدد الذي دون العشرة، وذلك غلط على وجهين: أحدهما أن المذكر لا يقال فيه إلا ثلاثة، وأربعة، وخمسة إلى عشرة، بإثبات التاء. وإنما تحذف في المؤنث نحو: ثلاث نسوة، وأربع سنين، وما أشبه ذلك. والآخر أن الشهور إنما تكون في كثير العدد، فأما ما دون العشرة فإنما تضاف إلى الأشهُرِ لا إلى الشهور. وكذلك كل ما كان على فَعْل إنما يجمع في قليل العدد على أَفعُل، فصار قول العامة: خمسة أَشهُر، وتسعة أَشهُر، وسبعة أَشهُر ونحو ذلك، أقرب إلى الصواب من قول الخاصة: خمس شهور.
وكذلك يقولون: أربع أيام، وخمس أيام، ونحو ذلك. والصواب: أربعة أيام، وخمسة أيام، بإثبات علامة التأنيث، كما تقول العامة".
وكان يوسف بن خالد يقول: هذا أَحْمَرُ من هذا. يريد: هذا أشدُّ حمرةً من هذا( 36). "فعل التفضيل يصاغ من الثلاثي، وألا يكون الوصف منه على وزن أفعل أو فعلاء. وإن لم يستوف الشروط كما في المثال السابق، يجب علينا أن نأتي بفعل آخر مستوف للشروط كي نتمكن من صوغ اسم التفضيل( 37)".
يقولون في التعجب من الألوان والعاهات: ما أبيضَ هذا الثوبَ وأعورَ هذا الفرس. وذلك غلط، لأن العرب لم تَـبْـنِ فعل التعجب إلا من الفعل الثلاثي الذي خَصَّتْهُ بذلك لخفَّته. والغالب على "أفعل" الألوان والعيوب التي يدركها العِيانُ، فإن أردتَ التعجب من بياض الثوب قلت: ما أحسنَ بياض هذا الثوب وما أقبحَ عَوَرَ هذا الفرس. ويجوز أن نقول: ما أبيضَ هذا الطائر، إذا تعجبتَ من كثرة بَيْضِه، لا من بَيَاضِه( 38).
يقولون: هذا واحدٌ اثنانِ ثلاثةٌ، فيعربون أسماء الأعداد المُرسَلة. والصواب أن تبنى على السكون في حالة العَدِّ، فيقال: واحدْ، بسكون الدال، وكذلك حكم نظائره، اللهم إلا أن يُوصَفَ أو يُعطَفَ بعضُها على بعض فيعرب حينئذ بالوصف كقولك: تسعةٌ أكثر من ثمانيةٍ، وثلاثةٌ نصف الستةِ( 39).
القول في جمع أرض. يقولون في جمع أرض: أراض، فيخطئون فيه لأن الأرض ثلاثية والثلاثي لا يجمع على أفاعل، والصواب أن يقال في جمعها: أَرَضون بفتح الراء، وذلك أن الهاء مقدرة في أرض فكان أصلها أَرْضَة وإن لم ينطق بها، ولأجل تقدير هذه الهاء جمعت بالواو والنون على وجه التعويض لها عما حذف منها...( 40).
"وهبت فلاناً مالاً". والصواب: لفلانٍ، فإنَّ (وهبت) لا يتعدى إلا بحرف الجر( 41).
2- الأخطاء الصرفية
يقصد بالأخطاء الصرفية: هي الأخطاء التي تتناول موضوعات الصرف؛ كالتصغير، والنسبة، وغيرها. انظروا إلى الأمثلة التالية(42 ):
باب غلطهم في التصغير
يقولون في تصغير: مُهْر: مُهَيِّر، وفي تصغير بَغْل: بُغَيِّل. وفي تصغير: طفل: طُفَيِّل...إلخ. والصواب: مُهَيْر وبُغَيْل وطُفَيْل، على وزن شُعَيْب.
باب غلطهم في النسب
يقولون: رجل نَحَوِي. والصواب: نَحْوِيٌّ. بإسكان الحاءِ، منسوب إلى النحو.
ورجل لَغَوِيٌّ. والصواب: لُغَوِيٌّ، بضم اللام، منسوب إلى اللغة.
ويقولون: يوم بَدَريٌّ، وليلة بَدَريَّة. والصواب: بَدْرِيٌّ وبَدْرِيَّة. بإسكان الدال، لأنه منسوب إلى البَدْر".
ويقولون: ذَيَّبْتُ الشَّحْمَ. والصواب ذَوَّبْتُهُ بالواو لأنَّه من ذَابَ يَذُوبُ. يقال: أَذَبْتَ أيضا( 43).