3- التوسع في حروف الجر :
ويكون ذلك بحذفها ونصب الاسم بعدها ، وقد ذكر ابن هشام في الأمر السابع من الأمور التي يتعدي بها الفعل القاصر:إسقاط الجار توسعًا نحو: " ولكن لا تواعدوهن سرًا"( البقرة 235) أي نكاح – "أعجلتم أمر ربكم " ( الأعراف 150) أي عن أمره " واقعدوا لهم كل مرصد"( التوبة5) أي عليه "( 153)
ومنه قولهم دخلت الدار وسكنت البيت فالدار والبيت منتصبان علي التوسع بإسقاط الخافض (154)
التوسع في الإضافة :
وذلك بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ،ومنه قوله تعالي :" وأسأل القرية"( يوسف82) أي أهل القرية " وأشربوا في قلوبهم العجل" (البقرة 93) أي حب العجل" ولكن البر من أمن " ( البقرة 177) أي البر بر من آمن وقولهم : "بنو فلان يطؤهم الطريق " أي أهل الطريق .
5- التوسع في التراكيب بالتقديم والتأخر
ومن ذلك تقديمهم خبر المبتدأ عليه تقول قائم زيد وخلفك بكر ، والتقدير زيد قائم ، وبكر خلفك فقدم الخبران اتساعاً " ( 155) ومن ذلك إعمال ظن متأخرة عن معموليها قال ابن الأنباري : وأما من أعملها – يعني ظن – إذا تأخرت فجعلها متقدمه في التقدير وإن كانت متأخرة في اللفظ مجازاً وتوسعاً ". ( 156)
6- التوسع في دلالات الأدوات والظروف :
فمن ذلك تضمينهم "من" و"ما" و"كم" معني همزة الاستفهام، وكذلك الظروف مثل: متى، وأين ،وكيف ، قال ابن الأنباري : فإن قيل فلم أقامت العرب هذه الأسماء والظروف مقام حرف الاستفهام ؟ قيل : إنما أقاموها مقام حرف الاستفهام توسعاً في الكلام " .( 157)
ومن القواعد العامة المتعلقة بالتوسع :
1- توسعوا في الظروف ما لم يتوسعوا في غيرها . شرح قطر الندى 133
2- عدم التصرف مناف للتوسع . الأشباه والنظائر1/15
3- لا يجوز التوسع فيما لزم الظرفية . " " 1/15
4- إذا توسع في واحد لم يتوسع فيه نفسه مرة أخرى . " " 1/18
6- المناسبة
وهو مقصد عظيم من مقاصد العرب وله انتشار واسع علي المستويات اللغوية كلها بدءًا من الأصوات فالصرف فالنحو فالدلالة حتى مستوى النص .
أما على مستوي الأصوات فيكفي أن نشير إلي ما يتعلق منها بالجانب النحوي وهو حركات البناء في بعض الضمائر يقول ابن يعيش في نص مهم يوضح فيه سر اختصاص الضمير أنت بالفتحة : " وخص بالفتحة... لتكون حركتها كالتاء في ضربت وقتلت حيث كانا جميعًا للخطاب وإن اختلف حالاهما .... فإن خاطبت المؤنث كسرتها فقلت (أنتِ) لأن الكسرة من الياء ،وهي مما يؤنث بها ...فإن خاطبت اثنين قلت :"أنتما " فالميم لمجاوزة الواحد وكانت الميم أولي لشبهها بحروف المد ، وهي من مخرج الواو والواو تكون للجمع في " قاموا " والألف للدلالة علي التثنية كما كانت كذلك في "قاما" (158 )
فابن يعيش هنا يوضح المناسبة في عدة مواضع :
1- الفتحة وضمائر الخطاب في أنت وضربت .
2-الكسرة والياء في ضمائر المؤنث كما في : أنت وضربت .
3- الميم والواو وضمائر الجمع كما في قمتم وقاموا .
4-الألف وضمائر التثنية كما في قاما.
ويقول العكبري في تعليل ضم النون من الضمير "نحن" : " وضمت النون لثلاثة أوجه :أحدها : أن الصيغة للجمع والواو تدل على الجمع نحو قاموا و الزيدون ، والضمة من جنسها والثاني : أن الجمع أقوى من الواحد فحرك بأقوى الحركات وهي الضمة وهذا الضمير مرفوع الموضع فحرك بحركة المرفوع "( 159)
ومن ذلك أيضًا الضمة في نحو ضربوا فهي عارضة لمناسبة الواو ، والكسرة في نحو تضربين واضربي فهي لمناسبة الياء ، ومنه كسر ما قبل ياء المتكلم المضافة إلي الاسم نحو غلامي وكتابي فهذه الكسرة لمناسبة ياء المتكلم وبسببها تقدر الحركات كلها علي ذلك النوع من الأسماء .
ومن المناسبة على مستوى البنية أكثر مسائل الإعلال والإبدال فمن ذلك قلب الواو ياء في نحو: ميزان وميقات فالأصل: موزان، وموقات ولكن قلبوا الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها .
ومنه قلب الواو ياء إذا كانت لام مفعول الذى ماضيه علي فعِل بالكسر نحو مرضىّ ومقوىّ عليه وذلك لمناسبة الكسرة في الماضي .
ومنه قلب الألف واوًا إذا انضم ما قبلها كبويع في البناء للمجهول ، وضويرب في التصغير؛ لأن الواو تناسب الضمة .
وقلب الياء واوًا إن كانت الياء ساكنة منفردة بعد ضم في غير جمع مثل موقن وموسر والأصل : ميقن ، وميسر فقلبوا الياء واوًا لمناسبة الضمة قبلها .
ومنه قلب الواو ألفًا في نحو: يخاف لمجانسة الفتحة المنقولة إلى الساكن الصحيح إذ الأصل نخوف.
ومنه القلب في نحو: مقام إذا الأصل مقوم فنقلوا الفتحة إلي القاف وقلبوا الواو ألـفًا لمناسبة الفتحة ومثل ذلك كثير.
ومنه باب الإمالة فأكثره يقوم علي المناسبة بل إن المناسبة تدخل في تعريفها يقول ابن الحاجب "الإمالة أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة وسببها قصد المناسبة لكسرة أو ياء أولكون الألف منقلبة عن مكسور أو ياء أو صائرة ياء مفتوحة أو للفواصل أولإمالة قبلها علي وجه ( 160)
ومنه قراءة أبي عمرو والأخوين و"الضحي" ( الضحى 1) بالإمالة مع أن ألفها عن واو الضحوة لمناسبة "سجا "و"قلى " وما بعدهما (161 )
ومن المناسبة علي المستوي النحوي : ترجيح البناء في الظرف الزماني إذا وليه فعل مبني كقوله :
على حين عاتبت المشيب علي الصبا ( 162)
ومنه إجازتهم صرف الممنوع من الصرف لإرادة المناسبة كقراءة نافع و الكسائي :"سلاسًلا" ،وقواريرًا" وقراءة الأعمش : " يغوثـًا ويعوقـًا ونسرًا "( 163) ( نوح23) .
ومنه ترجيح النصب في الاشتغال في نحو قوله تعالي :"والأنعام خلقها لكم " ( النحل 5) ليناسب ما قبلها من الآيات لأنها مبدوءة بجملة فعلية .(164 )
وكذا ترجيحهم النصب في نحو: قام زيد وعمرًا أكرمته للتناسب.(165 )
ومن المناسبة علي مستوى الدلالة حملهم "ما" علي "ليس" في العمل لما بينهما من المناسبة فأن "ما "اشبهت "ليس" في ثلاثة أمور:
أحدها: أنها تدل على النفي في الحال كما أن ليس تدل على النفي في الحال .
الثاني : أن ما تدخل على المبتدأ والخبر كما أن ليس تدخل عليهما .
الثالث : أن الخبر الواقع بعد ما يقترن به الباء الزائدة كما يقترن بالخبر الواقع بعد ليس .
فلما أشبهت "ما" " ليس" هذا الشبه القوي عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر(166 ).
ومن ذلك حملهم "إن" وأخواتها على الأفعال في العمل لما بينهما من المناسبة اللفظية والمعنوية ، ومنها دلالة هذه الأحرف على معنى الفعل كدلالة" إن "و"أن" على معنى "أكدت " ودلالة "كأن " على معنى "شبهت" ودلالة " ليت "على معنى" تمنيت " ودلالة "لعل" على معنى" رجوت " فلذلك نصبت هذه الأحرف المبتدأ ورفعت الخبر كما أن الفعل ينصب المفعول ويرفع الفاعل .
ومن القواعد العامة التي صاغها النحاة مراعاة للمناسبة قولهم :
• التناسب في العطف أولي من التخالف . المغني 1/647
• عطف الاسم على الاسم أولى . المغني1/768
• تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى .من تخالفهما. المغني1/631
وبعد : فهذه أهم المقاصد التي لاحظناها في كلام العرب ونظريات النحويين ومنها يتضح مدى ارتباط هذه المقاصد بالاستعمال اللغوي وحاجة المتكلمين ، ومدى توافق هذه المقاصد بعضها مع بعض ، ومدى تأثيرها في إنشاء الكلام وتحليله .
الخاتمة
وفيها أهم نتائج البحث
ربما كان من تحصيل الحاصل أن تذكر نتائج هذا البحث ؛ لأن الشأن في الموضوعات الرائدة أن تكون كلها نتائج ، ولكن جرت عادة الباحثين أن يذكروا نتائج بحوثهم في خاتمتها حتى صار ذلك عرفًا معمولا به ، وإذا كان ذلك كذلك فنقول :
1. فتح هذا البحث آفاقاً جديدة للدرس النحوى حين ولج أرضاً جديدة لم توطأ من قبل ، وهى المقاصد النحوية إذ لم يشهد التاريخ النحوى على امتداده كتاباً أو بحثاً ألف فى هذا المجال قديماً أو حديثاً .
2. أعاد هذا البحث الاعتبار للعلل النحوية التى كانت محل انتقاد من عدد من الباحيثن المعاصرين المتأثرين بالدراسات الوصفية بل أعاد الاعتبار للنحو العربى الذى هوجم بسبب ما فيه من علل . حيث بين البحث أن هذه العلل هى طبيعة البحث فى كل علم ، وأنها من المراحل الأساسية للبحث العلمى الاستقرائي .
3. استخلص هذا البحث تصوراً عاماً جديدًا للنحو العربى يمكن أن يسمى نظرية المقاصد النحوية تفسر فى ضوئها مئات المسائل النحوية ، ويعاد صياغتها من جديد على أساس هذه النظرية ، وما النظرية إن لم تكن تعنى الأسس والقواعد والقوانين التى يقوم عليها العلم ؟
4. تختلف هذه النظرية عن علم أصول النحو وإن كانت جزءاً منه حيث تتجه أصول النحو إلى دراسة الأدلة الإجمالية التى يحتج بها على الأحكام النحوية صحة وجوازاً وامتناعاً وتحسيناً وتقبيحاً ‘ ومن هذه الأدلة السماع والقياس والإجماع والإستصحاب والاستقراء وغير ذلك، وقد غلب على هذه الدراسات الأصولية الطابع النظرى الفلسفى التقعيد ى على حساب الجانب التطبيقى ، وحتى فى مجال دراسة العلل النحوية – التى تعد المقاصد نوعاً منها – شغل النحاة فيها بأنواع العلل وتقسيماتها إلى موجبة ومجوزة وبسيطة ومركبة وتحدثوا عن مسالكها وقوادحها ، وكلما أشاروا إلى تأثيراتها فى توجيه الكلام وإنتاجه وفهمه ‘ وعلاقات بعضها ببعض وهذا ما أردنا فعله فى دراستنا حيث بينا أن المقاصد هى عبارة عن العلل المؤثرة فى تأليف الكلام على هيئة مخصوصة وتركيب مخصوص فهى من جهة مرتبطة بالواقع اللغوي ومن جهة أخرى مرتبطة بقصد المتكلم وبمراعاة حال المخاطب ، فهى من داخل اللغة وليست من خارجها ، ولا أحد يستطيع أن ينكرها إلا إذا أراد أن ينكر الحقائق الثابته .
5. لاحظ البحث أن هذه المقاصد العامة تتفاوت كثرة وقلة وقوة وضعفًا، فالإفادة ، والتخفيف ، وأمن اللبس تعد من المقاصد الكبرى التي تسعى إليها القواعد النحوية في حين تقل مقاصد الطرد والتغليب وإصلاح اللفظ عنها كثيرًا ، وقد اكتفيت من هذه المقاصد بأهمها وأكبرها ، وهي اثنا عشرمقصدًا ، وقد تناولتها من خلال ثلاثة أقسام :
الأول : مقاصد معنوية وتشمل :
الإفادة ـ أمن اللبس - الإيضاح والتبيين ـ التخصيص - التوكيد - المبالغة .
والثاني : مقاصد لفظية وتشمل :
التخفيف - كراهة توالي الأمثال – الاختصار ـ التعويض .
والثالث : مقاصد معنوية لفظية وتتضمن مقصدين : التوسع و المناسبة.
وقد رتبتها بحسب أهميتها، وضممت النظير إلى نظيره ، وذيلت كل مقصد بعدد من القواعد العامة التي تحكم مسائله ،قد بينت فى البحث علاقة كل هذه المقاصد بعضها ببعض وأنها أشبه بمنظومة واحدة ينبثق كل منها عما قبله فى علاقة عموم وخصوص أوكل وجزء أوهى أشبه بألوان طيف تنبثق من مشكاة واحدة وتعود إلى لونين اثنين.
6. بين البحث أن المقاصد كانت راسخة في عقول العرب، وأنها أيضًا كات راسخة في عقول النحاة الذين فسروا كلام العرب ، وذلك استنادًا إلى مقولة الخليل :" إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، وعرفت مواقع كلامها وقامت في عقولها علله ، وإن لم ينقل ذلك عنها ، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه " ويدل هذا على توافق النظرية مع التطبيق لدى النحاة العرب .
وبعد ، فقد تم ما أردناه من دراسة هذا الموضوع والحمد لله رب العالمين .
* * *
فهرس المراجع
1. الأحاجي النحوية مصطفى الخوري ـ مكتبة الغزالي 1969 م .
2. إحياء النحو للأستاذ إبراهيم مصطفى ،مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1959.
3. أسرار العربية ، ت فخرصالح قدارة- دار الجيل – بيروت- ط1- 1995 .
4. الأشباه والنظائر، مطبعة دائرة المعارف النظامية 1316هـ .
5. الأصول للدكتور تمام حسان ، الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1982 .
6. الأصول في النحو لابن السراج ، ت عبد الحسين الفتلي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، 1988 .
7. الاقتراح للسيوطي ، تحقيق د . أحمد محمد سالم ، 1976 .
8. الإنصاف ، ت مازن المبارك ، دار الفكر ، دمشق، ط1 ، 1988 .
9. أوضح المسالك ، شرح محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت .
10. الإيضاح في علل النحو ، ت مازن المبارك ، دار النفائس ، بيروت ط 3 1979م .
11. التبيان في إعراب القرآن للعكبري ، ت علي البجاوي،إحياء الكتب العربية ، دمشق ، ط1، 1988 .
12. الجمل في النحو ، للخليل بن أحمد ، ت فخر الدين قباوة ، دار الجيل ، بيروت ، 1995، ط5.
13. الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار ، عالم الكتب ، بيروت ، 1988 ، ط 1 .
14. دراسات نقدية في النحو العربي للدكتورعبد الرحمن أيوب ، الكويت ، مؤسسة الصباح ،1957 .
15. سر صناعة الإعراب لابن جني ، ت حسن هنداوي ، دار القلم، دمشق 1985، ط1 .
16. الشافية بشرح الرضي ، ت الزفزاف وآخرين ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1975 .
17. شرح التصريح ، للشيخ خالد الأزهري ، دار الفكر د. ت .
18. شرح قطر الندى ،لابن هشام ، ت محمد محيي الدين ، القاهرة 1383هـ ، ط11 .
19. شرح ابن عقيل ، ت. محمد محي الدين عبد الحميد ـ دار إ حياء التراث العربي ، القاهرة.
20. شرح المفصل لابن يعيش ، مكتبة المتنبي ، القاهرة د. ت.
21. الكتاب ،لسيبويه ، ت هارون ، مكتبة الخانجي 1992 .
22. اللامات للزجاجي ، ت مازن المبارك ، دار الفكر ، دمشق ، 1985، ط2.
23. اللباب في علل البناء والإعراب ، للعكبري ، ت. غازي مختار ، دار الفكر دمشق 1995، ط 1 .
24. اللمع في العربية ،لابن جني ، تحقيق فائز فارس، دار الكتب الثقافية ، الكويت، 1972،،ط2 .
25. معجم المصطلحات النحوية والصرفية للدكتور محمد سمير اللبدي163 ، مؤسسة الرسالة ،ط2 ـ 1986م .
26. مغني اللبيب ،لابن هشام الأنصاري ، ت محيي الدين، مطبعة محمد علي صبيح ، القاهرة
27. المفصل للزمخشري ، ت علي بو ملحم ، مكتبة الهلال، بيروت 1993 .
28. مناهج البحث عند مفكري الإسلام للدكتور علي سامي النشار 91-100 ـ دار المعارف 1961.
29. المنطق الحديث ومناهج البحث للدكتور محمود قاسم149 ـ دار المعارف 1967م
30. نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمحدثين للدكتور حسن خميس الملخ ـ عمان ـ دار الشروق 2000م .