الموضوع: واو الثمانية
عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي واو الثمانية

كُتب : [ 04-01-2017 - 08:51 AM ]


واو الثمانية
عمر بن عبدالله العمري

تمهيد
واو الثمانية هذا الاسم هو أحد الاستعمالات للواو في لغة العرب ، وهو رأي ذهب إليه ابن خالويه ومجموعة سنرى آراءهم هنا .
والشواهد التي يستشهد بها القائلون تدور حول مجموعة من الآيات الكريمة، استعرضتها موضحًا ما قاله العلماء الذين يقولون بها ، وقرنت ذلك بتخريج العلماء الذين لا يرونها .
وقد رتبت من تيسر لي الوقوف على رأيهم بناءً على تاريخ الوفاة ـ عليهم جميعاً رحمة الله ـ , ثم بينت في نهاية المبحث الرأي الذي خرجتُ به نتيجة الدراسة .

1- أبو إسحاق الزجاج [31هـ] :
قال تعالى : "... ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم" [الكهف :22] .
قال ـ رحمه الله ـ عن هذه الواو : « دخول الواو ههنا وإخراجها من الأولى واحد ، وقد يكون الواو يدخل ليدل( 1) على انقطاع القصة وأنّ الشيء قد تم»( 2).
في واو التوبة والتحريم لم يذكر شيئًا ؛ وقوله : « ههنا » يريد الآية المذكورة , وقوله : « الأولى » يريد ما سبق من الآية نفسها وهو قوله تعالى : " سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب" [الكهف : 22] .
فأبو إسحاق ـ عليه رحمة الله ـ له في هذه الواو رأيان :
الأول : وهو أنّ دخولها وخروجها سواء .
الثاني : وهو أنّ الواو تدل على تمام القصة وانقطاع الكلام .
أقول : ويستفاد من الرأي الثاني أنّه يذهب إلى أنّها مؤكِدةٌ عدتهم ، وبعدها ينقطع الخوض بالعدة .
لم يذكر ما يشير إلى أنّها واو الثمانية . وهذا يدل على أنّه ليس من القائلين بها .
2- رأي أبي جعفر النحاس [338هـ] :
قال أبوجعفر النحاس ـ رحمه الله ـ : « . . . وفي المجيء بالواو (وثامنهم) خاصة دون ما تقدم قولان :
أحدهما : أنّ دخولها وخروجها واحد,
والآخر أنّ دخولها يدل على تمام القصة وانقطاع الكلام . . .فيكون المعنى عليه أنّ الله جل وعز خبّر بما يقولون ثم أتى بحقيقة الأمر فقال : "وثامنهم كلبهم" ( 3) .
ذكر أبوجعفر رأيين لهذه الواو الواردة في سورة الكهف :
1ـ أنّها زائدة أي : زائدة في الإعراب لا في المعنى .
2ـ أنّها مصدقة لخبر القائلين بهذا العدد .
ولم يذكر ما يشير إلى أنّها واو الثمانية .
3ـ ابن خالويه [370هـ] :
1ـ « وقالت فرقة منها ابن خالويه هي واو الثمانية » (4 ).
2ـ في معرض تعداده لاستعمالات الواو قال ابن هشام : « التاسع : واو الثمانية ، ذكرها جماعة من الأدباء , ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه »( 5) .
4- الهروي 415هـ :
قال في باب مواضع الواو : « اعلم أنّ للواو اثني عشر موضعًا » . ثم عددها ولم يذكر منها واو الثمانية(6 ) .
وواضح من عنوان الكتاب أنّه متخصص في مباحث الحروف وما يختص به كل حرف . والهروي ـ عليه رحمة الله ـ من أئمة النحو ؛ ومع هذا لم يذكر من استعمالات الواو واو الثمانية .
5- رأي الحريري [51هـ] :
قال عن الواو : « ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، كما جاء في القرآن "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون والناهون عن المنكر" ( 7) .
وكما قال سبحانه : "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم" [الكهف : 22] »(8 ) .
نرى أنّ الحريري ـ رحمه الله ـ يقول بها على سبيل الجزم بوجودها بلغة العرب .
وكونها من خصائص اللغة فهذا يقتضي شيوعًا في الاستعمال ؛ وأن يكون دخولها هو القاعدة وما عداه فشاذ؛ ولكنّ استعراض مجموعة من الآراء لا يؤيد هذا المذهب . كما أني لم أجد شيوعًا في استعمالها في لغتنا .
وقد ضعّف ابن هشام ما ذهب إليه الحريري فقال : « ذكرها أي واو الثمانية جماعة من الأدباء كالحريري . . . وزعموا أنّ العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية » مغني اللبيب وسيأتي مفصلاً بإذن الله .
وبقراءة تحليلية لكلام ابن هشام نجد فيه تضعيفًا لرأي الحريري حيث أشار إلى أنّه من الأدباء .
أقول : وأنا أميل إلى جعل هذا السبب مضعفًا رأي الحريري ؛ لأنّ الأدباء ليسوا من الذين يعتد برأيهم في المسائل العلمية الصِرفة ، فالأدب الغالب فيه أنّه فن يخضع للقول والاستطراد ، وليس محدوداً بقواعد . فما قاله زيد في الأدب قد ينقضه عمرو ، وكلاهما صواب . من هنا أرى أنّ الأديب الذي غلب عليه الأدب لا يعول على رأيه في المسائل العلمية, وإنما قد يستأنس به .
كما أنّ الإنتاج الأدبي الغالب فيه تأثره بالحالة الشعورية التي تصحب الأديب ساعة إفراز العمل الأدبي ؛ والأديب نفسه يكون إفرازه الأدبي متعدد الصور لحدث واحد . فما يسوؤه في يومه قد يسعده في غده ؛ بسبب ما يتلبس به الأديب من حالة شعورية ساعة ولادة العمل الأدبي ؛ لذلك أرى أنّ الحريري ـ عليه رحمة الله ـ انطلق من نظرة أدبية أفرزتها حالة شعورية حفزته إلى القول بهذا الرأي واستحسانه ؛ فهو قد أُعجب به لنظرة أدبية جمالية لا علمية ؛ فالقاعدة التي أرى أنّ الحريري انطلق منها هي ذوقه وإحساسه بجمال التسمية .
على أنّ الحريري وإن كان في عداد الأدباء بسبب شهرة مقاماته إلا أن له إسهاماتٍ في النحو تتمثل في منظومته (ملحة الإعراب) التي عدد أبياتها سبعة وسبعون وثلاثمائة بيت .
6 . رأي الزمخشري 538هـ
أولاً : كلامه عن آية سورة الكهف وهي قوله تعالى : "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم " ( 9) .
قال: فإنّ قلتَ : ما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة؟ ولم دخلت عليها دون الأوليين؟
قلتُ : هي الواو التي تدخل على الجمل الواقعة صفة للنكرة ، كما تدخل على الواقعة حالاً في نحو قولك:جاءني رجل ومعه آخر, ومررت بزيد وفي يده سيف؛ومنه قوله تعالى : "وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم" (10 ).
وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف, والدلالة على أنّ اتصافه بها أمر ثابت مستقر ؛ وهذه الواو هي التي آذنت بأنّ الذين قالوا سبعة قالوه عن ثابت علم وطمأنينة نفس, ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم ؛ والدليل على ثبات قولهم أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله : "رجماً بالغيب" وأتبع الثالث قوله : "وما يعلمهم إلا قليل" .
وقال : "سبعة وثامنهم كلبهم " على القطع والثبات » انتهى( 11) .
قوله عن سورة التحريم وهي قوله تعالى : "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيباتٍ وأبكاراً"(12 ) .
قال : « فإنّ قلت : لم أُخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار » .
قلت : لأنّهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن( 13) فيهما اجتماعهن في سائر الصفات فلم يكن بد من الواو » .
تحليل كلام الزمخشري :
قوله عن آية سورة الكهف . نلاحظ أنّه ذكر لهذه الواو في آية سورة الكهف ما يلي :
1ـ أنّها الواو التي تدخل على الجمل الواقعة صفة للنكرة .
2ـ أنّ لها فائدتين :
أ- توكيد لصوق الصفة بالموصوف .
ب ـ الدلالة على أنّ اتّصافه بها أمر ثابت مستقر .
3ـ الدلالة على القطع والثبات في الإخبار .
وأمّا عن الواو في آية التحريم فعلّل دخولها ؛ لأنها بين صفتين متنافيتين . وهما صفة الثيوبة والبكارة ، ولا يُتصور وجودهما معاً في امرأة واحدة . مع أنّ ورود الواو جاء بعد الصفة السابعة .
فالزمخشري ـ رحمه الله ـ على إمامته في اللغة لم يتعرض لذكر واو الثمانية . وحاصل قوله عن آية الكهف أنّها مؤكِدة, وعن آية التحريم أنّها فارقة بين متنافيين .
وقوله في تعليله السابق عن واو سورة الكهف: [إنّها الواو التي تدخل على على الجمل الواقعة صفة للنكرة] هذا تعليلٌ نحويٌ علمي ، لم يُبنَ على الاستحسان والذوق .
وهذا يضعف رأي الحريري ـ رحمه الله ـ .من القول بواو الثمانية, وجزمه بأنّها من خصائص لغة العرب .
7- رأي السهيلي ـ 581هـ :
السهيلي ـ عليه رحمة الله ـ في كتابه شرح سيرة ابن هشام قال عن آية الكهف : «... والذي يليق بهذا الموضع أن تعلم أنّ الواو تدل على تصديق القائلين ؛ لأنها عاطفة على كلام مضمر تقديره : نعم وثامنهم كلبهم , وذلك أنّ قائلاً لو قال : أزيدٌ شاعر فقلت له وفقيه كنت قد صدّقته كأنك قلت : نعم هو كذلك وفقيه أيضاً » .
ولتأكيد مذهبه في أنّ الواو مؤكدة ساق مثالين من القرآن والسنة . قال : «وفي التنزيل : "وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير" [البقرة: 126]. ثم قال : «هو من هذا الباب » انتهى( 14) .
قلت : أي أنّه من باب أنّ حصول الرزق لمن بعد الواو مؤكِدٌ حصوله لمن قبلها , فسأرزق من كفر أيضاً . فعندما يرزق الله الكافر من غير دعاء فهذا تأكيد لرزق المؤمن المدعوِ له .
وقال ـ رحمه الله ـ : « وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُتوضأ بما أفضلت الخمر؟ فقال : « وبما أفضلت السباع » يريد : نعم وبما أفضلت السباع (15 ) .
فحاصل رأي السهيلي أنّ هذه الواو ليست واو الثمانية . بل تدل على أنّ الذين قالوا إنّهم سبعة هم الذين قولهم موافق للحقيقة ؛ فهي مؤكدة .
8ـ رأي الرازي 660هـ :
أ- تحدث في البداية عن آية سورة التوبة حيث قال : «... فإن قيل كيف قال تعالى : "والناهون عن المنكر" بالواو وما قبلها من الصفات بغير واو؟ قلنا : لأنها صفة ثامنة, والعرب تدخل الواو بعد السبعة إيذاناً بتمام العدد ؛ فإنّ السبعة عندهم هي العقد التام كالعشرة عندنا » .
ب ـ قال : « ونظيره قوله تعالى : "وثامنهم كلبهم" » .
ج ـ وقوله تعالى في صفة الجنة : "وفُتحت أبوابها"(16 ) بالواو ؛ لأنها ثمانية . وقال في صفة النار نعوذ بالله منها : "فُتحت أبوابها"( 17) بغير واو لأنّها سبعة .
د ـ وليس قوله تعالى : "ثيبات وأبكاراً"(18 ) . من هذا القبيل ؛ لأنّ الواو لو أسقطت فيه لاستحال المعنى ؛ لتناقض الصفتين (19 ) .
تحليل رأي الرازي :
أخرج من كلام الرازي ـ عليه رحمة الله ـ أنّه من القائلين بورود واو الثمانية في لغة العرب . بل ذهب بعيدًا حين عدَّ من هذا آية سورة الزمر ، مع أنّه لم يذكر فيها عدد أصلاً .
وقد ذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ تضعيفه لهذا الرأي حيث قال : « وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية » .
وقال ابن هشام عن هذا الموضع : « لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن هذه الآية منها؛ إذ ليس فيها ذكر العدد البتة » .
وسيأتي الحديث مفصلاً حول رأي ابن القيم وابن هشام إن شاء الله » .

رد مع اقتباس