الموضوع: "كانَ" الزائدة
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-31-2017 - 11:04 AM ]


يـــرى عـامة النـحـاة أنّ مـن شــروط زيادة "كانَ" ألاّ ترِدَ إلاّ في صيغة الماضي(90 ) مما يعني نفي وجود مضارع لها. و قد خالفهم في هذا الفراء الذي أجاز استعمال "يكونُ" الزائدة(91 ). و النحاة يوردون عادةً شاهدًا على هذا الرأي قولَ أم عقيل بن أبي طالب:
أنتَ تكونُ ماجدٌ نبيلُ( 92)
أورد ابن عقيل شاهدًا آخر هو:
صَدَّقـْتُ قائلَ ما يكونُ أحقَّ ذا طِفْلا ً يَبُذُّ ذوي السيادة يافعَا(93 )
و هذا عند النحاة محمول على الشــذوذ(94 )، و قد كــان يمكنـهم حمـله على الضرورة لكني لم أر إشارة صريحة إلى ذلك. و لكن حتى لو سلم المرء بأن ذلك شاذ أو ضرورة فهذا لا يعني أن نترك هذه المسألة دون محاولة الاهتداء إلى العلة الكامنة وراء زيادة "يكون" و لا سيما أنّ سيبويه قال: " و ليس شيء يُضطرّون إليه و لا هم يحاولون به وجهًا"(95 ). و يظهر أنّ الوجـه المراد هنا هو تأكيد الزمن الحاضر؛ إذ لو قيل: "أنت ماجد نبيل" عوضًا من "أنت تكون ماجد نبيل" لظل السياق يدل على الزمن الحاضر لكن زيادة الفعل "يكون" زادت هذه الدلالة قوة كما تزيد "كانَ" الزائدة دلالة المضي توكيدًا إذا وجد في الجملة ما يدل عليه.
و قد ذهب مـهدي المـخزومي إلى أنّ زيـادة "يكـون" هنا بقية من مرحلة تاريخية قديمة كانت العربية تستخدم فيها هذا الفعل رابطًا بين طرفي الجملة الاسمية على النحو الذي هو حاصل في اللغات الهندو أوربية( 96). والحق أنه لو قال المخزومي أنّ مَنْ زاد "يكون" لَمَحَ هذا الوجه فاستخدم "يكون" رابطـًا في الجمــلة لربمـــا كــان وجهًا يستحق النقـاش، و لكن هذا شيء و القول إن زيـادة "يكون" تمثل مرحلة تاريخية قديمة للعربية شيء آخر؛ لأن الاستدلال على هذا الأمر لا يكفي فيه شاهد أو شاهدان بل يحتاج إثبات وقوعه إلى عدد مقنع من النصوص العربية الضاربة في القدم علاوة على أنّ اللغات السامية التي تُعدّ اللغة العربية إحداها لا تعرف استخدام فعل الكينونة رابطًا و إن استخدمت روابط أخرى( 97).
و أيًّاما كان الأمر فإنّ زيادة "يكون" أسلوب لم يصطنعه إلا فئة قليلة من العرب –كما هو واضح من ندرة شواهده-، و لم يكن شائعًا عند فصحاء العرب، و لا حفل به مَنْ جاء بعدهم ممن كتب بالعربية و نظم بها، فظلَّ هذا الأسلوب حبيسًا في النص الذي وَرَدَ فيه، دفينًا في بطون كتب النحو التي تناقلته.
سابعًا: هل يزاد سائر الأفعال الناقصة كما زيدت "كانَ"؟
تنظر خاتمة مسائل هذا البحث في حكم زيادة الأفعال الناقصة: أهي جائزة كما جازت في "كانَ" أم لا؟ إنّ جمهور النحويين لا يجيزون زيادة فعل من الأفعال الناقصة خلا "كانَ" لكنّ الكوفيين أجازوا زيادة "أصبحَ" و "أمسى" خاصة لورود السماع بزيادتهما فقد حكوا عن العرب قولهم: "ما أصبحَ أبْرَدَهَا" و "ما أمسى أَدْفَـأها"( 98)، و قد قال بهذا من البصريين الأخفش( 99) الذي دخل كلامه بهذا الصدد في بعض نسخ كتاب سيبويه لكنّ المحققين نفوا أن يـكون هذا من كلام سيبويه و صححوا أنه من كلام الأخفش( 100). و ردّ ابن السراج على هذا القول بما خلاصته أنّ قياس "أصبحَ" و "أمسى" على "كانَ" غير صحيح؛ لأنّ هذين الفعلين مؤقتان (أي يدلاّن على وقتين محددين هما الصباح و المساء) في حين أنّ "كانَ" غير مؤقتة (لا تدل على وقت معين) علاوة على أنّ زيادة "أصبحَ" و "أمسى" قياسًا على "كانَ" بجامع كون هذه الأفعال ناقصة يـؤدي إلـى إجــازة زيادة جميع أخوات "كانَ"( 101).والواقع أنّ هذا يُعدّ ردًّا على من أجاز زيادة "أصبح" و "أمسى" لو كانوا أجازوا ذلك قياسًا لكنهم اعتمدوا في إجازتهم على السماع كما سلف، ثم إن تفريق ابن السراج بين "كانَ" من جهة و "أصبحَ" و "أمسى" من جهة أخرى ليس مقنعًا لأنّ هذه الأفعال تتفق في أمر عام و هو الدلالة على الزمن الماضي و إن اختلفن في أنّ "كانَ" تـــدلّ على الماضي مطلقًا في حين أن "أصبح" و "أمسى" تدلان على ماضٍ مخصوص. و لكن هذا لا يعني إطــلاق القول بقياسية زيــادة "أصبحَ" و "أمسى" بل يقال إن قومًا من العرب أجروهما مجرى "كانَ" في الزيادة لكن جمهورهم لم يشاركوهم في هذا التوجه بل اقتصروا على زيادة "كانَ" دون غيرها من الأفعال الناقصة.
و قد انفرد الفراء عن الكوفيين بتوسعه في القياس على أساس ما سُمع من زيادة "أصبحَ" و "أمسى"، فأجاز زيادة الأفعال الناقصة قاطبة( 102). و القياس أصل من أصول العربية لكن الإفراط فيه غير محمود علاوةً على أنّ إجازة زيادة جميع الأفعال الناقصة –خلا "كانَ" و الحكايتين في "أصبحَ" و "أمسى"- أسلوب غير مستعمل قديمًا و حديثًا فلا تمس حاجة إلى الخوض فيه، بل في مثل هذا ضرر؛ لأن إجازة الأساليب المهجورة بأدنى شبهة يجعل اللغة مترهلة يصعب ضبطها بضابط.
و في الختام يحسن عرض أبرز النتائج التي انتهى إليها البحث:
1- المراد من وصف النحويين لـ"كانَ" بالزائدة أنـَّه يمكن حذفها دون أن يؤثر هذا الحذف على النسيج النحوي للجملة.
2- الراجح أنّ "كانَ" الزائدة لا تعمل خلافـًا لمن قال إنها ترفع ضميرًا مستترًا على أنـَّه فاعل.
3- تدل "كانَ" الزائدة على المضي إذا لم يوجد في الجملة ما يدل عليه، أما إذا وجد ما يدل على المضي فإنّ دورها يقتصر على توكيد هذه الدلالة.
4- ترد "كانَ" زائدةً في كلام العرب بين المتلازمين في مواضع مخصوصة هي: المسند و المسند إليه، و الصفة و الموصوف، و المعطوف و المعطوف عليه، و حرف الجر و الاسم المجرور.
5- الأظهر أنّ زيادة "كانَ" قياسيَّة إذا روعي أمران؛ أحدهما: أن يكون استعمالها محدودًا فلا يُستكثر منه، و الآخر: أن يُقتصر في زيادتها على المواضع المسموعة من كلام العرب مع ملاحظة ما في استعمال "كانَ" زائدةً بين حرف الجر و اسم المجرور من غرابة تنفر الأذن العربية منها و هو أمر راجع إلى نُدرة الفصل بين الجار و المجرور في لسان العرب.
6- "كانَ" الزائدة غير متصرفة فلا ترد إلا على صيغة المضي.
7- لا تـُزاد الأفعال الناقصة قياسًا على "كانَ" و إن وردت زيادة شيءٍ منها في نصوص محدودة لا يُقاس عليها. .

رد مع اقتباس