الموضوع: "كانَ" الزائدة
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-31-2017 - 11:01 AM ]


رابعًا: أين ترد "كانَ" الزائدة في الجملة؟
تبيّنَ فيما مضى من الشواهد أنّ "كانَ" الزائدة ترد في أربعة مواضع: بين المسند و المسند إليه، و بين الصفة و الموصوف، و بيـن المـعطوف و المعطوف عليه، و بين حرف الجر و الاسم المجرور. فما القاعدة التي يمكن استنباطها من هذا؟ ذهب ابن مالك إلى أنّ "كانَ" الزائدة ترد وسَطًا( 67) أو حشوًا كما قال في الخلاصة المعروفة باسم الألفية:
و قد تـزاد "كانَ" في حشو كـ"ما كــانَ أصـحَّ علمَ مَـنْ تـقدّمـا"
و هذا التحديد لا يسع الإنسان أن يقول إنه خاطئ لكنه عامّ؛ إذ غاية ما يمكن أن يُستخلص منه هو أنّ "كانَ" الزائدة لا ترد في أول الجملة و لا آخرها، و هو ما تؤيده الشواهد التي سيقت في فاتحة هذا المبحث، و لم أر مخالفـًا لهذا من النحويين –فيما تيسر من مراجع- إلا اثنين؛ أحدهما الجوهري الذي ذهب إلى زيادة "كانَ" في قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)( 68)، و في قول الشاعر:
و كنتُ إذا جاري دعا لمَضوفةٍ أ ُشَـمِّرُ حتـّى يَنْصُفَ الساقَ مئزري( 69)
معلقـًا على البــيت بقوله: "إنـما يخبر عن حاله، و ليــس يـخبـر بكنتُ عما مضى فعله"( 70). و من البيِّن هنا أنّ الجوهري بنى تحليله من ناحية على أساس التسليم بأنّ "كانَ" تدل على الانقطاع، و على أنّ "كانَ" الزائدة لا تدل على الزمن من ناحية أخرى، و كلاهما غير مسلّم. فقد سلف أنّ "كانَ" لا شأن لها بالانقطاع أو عدمه و أنّ هذا موكول إلى القرينة التي تدلّ في الآية الكريمة على عدم الانقطاع لموجب كون الله –عز و جل- غفورًا رحيمًا أبدًا، و كذلك الأمر في البيت الذي أنشده إذ تدل القرينة على عدم الانقطاع و هي أنّ البيت جاء به الشاعر مفتخرًا بنفسه و لو كان يعني أنّ هذا أمره فيما مضى فقط لكان يقدح في نفسه. هذا من ناحية، أما قضية عدم دلالة "كانَ" الزائدة على الزمن الماضي فقد سلف أنّ الراجح أنّ "كانَ" الزائدة لا تنفكّ من الدلالة على الزمن المـاضي إمـا لبيانه إن لم يدلّ عليه سواها أو توكيده إن وجد ما يدل عليه غيرها. و مما يقطع ببطلان زيادة "كانَ" في الشاهدين أنها عملت الرفع و النصب في الآية الكريمة و رفعت ضميرًا بارزًا في البيت، و قد سلف أنه حتى مَنْ قال بعمل "كانَ" الزائدة إنما قصر عملها على الضمير المستتر. أما النحوي الآخر الذي خالف في مسألة اقتصار زيادة "كانَ" على الوسط فهو الفراء الذي أجاز زيادة "كانَ" في آخر الجملة كقولنا: "زيد قائم كانَ"( 71). و لم يأت الفراء بشاهد على قوله و يظهر أنه جاء بما قاله قياسًـا، و التــوسع القياسي أمر لا غنى للغة العربية شريطة أن يكون للقياس أصل مسموع، و قضية زيادة "كانَ" في نهاية الجملة ليس لها شاهد.البتة بحدّ علمي، و الخلاصة أن ابن مالك مصيب في قصره زيادة "كانَ" على حشو الجملة لكنه لم يحدد أتزاد في وسط الجملة مطلقـًا أم أن زيادتها مقصورة على مواضع معينة في وسط الجملة؟
و قد حاول السيوطي أن يكون أكثر تدقيقًـا من ابن مالك فغلا في ذلك حين ذكر أنّ من شروط زيادة "كانَ" أن تـزاد بين المسند و المـسند إليه ليس غير( 72)، و هو قول لا يمكن قبوله لأنّ الشواهد السابقة بينت أنّ "كانَ" تزاد بين الصفة و الموصوف، و المعـطوف و المعطوف عليه، و حرف الجر و الاسم المجرور، إلى جانب وقوعها بين المسند و المسند إليه.
أما ابن عصفور فذكر أنّ "كانَ" تزاد بين الشيئين المتلازمين( 73). و لا شبهة أن ابن عصفور استخلص هذا من تأمّل المواضع التي زيدت فيها "كانَ"، فوجد أنّ الذي يربط بينها أنّ "كانَ" زيدت فيها جميعًا بين شيئين متلازمين، و لكن يرد هنا سؤال: أتقتصر زيادة "كانَ" بين الشيئين المتلازمين على ما سُمع من العرب أم أنها عامة بين كل متلازمين؟ و بمعنى آخر: هل يسوغ التوسع اعتمادًا على المسموع فتُزاد "كانَ" بين الصلة و الموصول نحو: "أعجبني الذين كانَ في البيت"، و صاحب الحال و الحال مثل: "سرّني جلوس الطلاب كانَ منصتين"، و المضاف و المضاف إليه نحو: "هذا كتابُ كانَ زيدٍ"، و ما أشبه ذلك؟ و الجواب أنّ زيادة "كانَ" ظاهرة قليلة الدور في كلام العرب كما يظهر من قلة الشواهد عليها مما سلف ذكرُه حتى إنّ النحويين وقع بينهم خلاف في قياسية ما هو مسموع من زيادة "كانَ" كما سيأتي، فكيف الأمر بما لم يُسمع عن العرب! ثم إن هذه الاستعمالات غير المسموعة ليست موجودةً في منظوم المحدثين و منثورهم، و بالتالي لا يمكن أن يقال إنّ هناك حاجةً إلى التوسع في القياس لإيجاد وجه يسوّغ مثل تلك الاستعمالات. لهذا كله يحسن أن يقال إن "كانَ" تزاد بين المتلازمين في مواضع مخصوصة هي: المسند و المسند إليه، و الصـفة و المـوصـوف، و الـمعطـوف و الـمعطوف عليه، و حرف الجر و الاسم المجرور.
خامسًا: "كانَ" الزائدة أهي قياسية أم سماعية؟
تقرر فيما سبق تقرير المواضع التي زيدت فيها "كانَ" في كلام العرب، و آن أوان طرح السؤال: أتقاس زيادة "كانَ" في تلك المواضع أم يكتفى بحفظ شواهد الزيادة و لا يقاس عليها؟ يظهر أنّ النحويين الذين بحثوا في هذه المسألة لهم تفصيل؛ فهم يرون أنّ زيادة "كانَ" قياسية بين "ما" التعجبية و فعل التعجب، و شاذة بين حرف الجر و الاسم المجرور، و سماعية فيما عدا ذلك( 74).
و بمراجعة هذا الحكم على ما توافر من شواهد لا يُلاحظ ما يؤيد تخصيصهم زيادة "كانَ" بين "ما" التعجبية و فعل التعجب بأنها قياسية لأنهم لا يذكرون عليها إلا شاهذًا واحدًا، و هو قول امرئ القيس السابق ذكره:
أرى أمَّ عمرو ٍ دمعُها قد تحـدّرا بُكاءً على عمرو ٍ وما كانَ أصبرا
و بعد البحث لم يظهر سواه إلا قول عروة بن أذينة:
ما كانَ أَحسنَ فيكَ العيشَ مُؤْتَنِفًا غَضًّا و أطيبَ في آصالِكَ الأ ُصُلا(75 )
و بعد ضم هذا الشاهد إلى سابقه يبقى الرصيد محدودًا إلى درجةٍ لا تفسِّر تخصيص هذا الوجه بالذات بأنه قياسي؛ إذ لو كان شاهد أو شاهدان يكفيان للحكم بالقياسية، فلمَ لا يقال بقياسية زيادة "كانَ" بين الصفة و الموصوف على سبيل المثال؟ ويظهر والله أعلم أنّ القول بقياسية زيادة "كانَ" في هذا الموضع ناتج من إلف النحويين له، و هذا الإلف لم يتحقّق من كثرة شواهدها بل من أمرين:
أحدهما: تردّد هذه المسألة في كتب النحو، فلم أر نحويًا بَحَث في زيادة "كانَ" إلا ذكر زيادتها بين "ما" التعجبية و فعل التعجب أما مواضع زيادتها الأخرى فإنّ النحويين متفاوتون في استيفائها. هذا علاوة على أن هذه المسألة تبحث في بابين من أبواب النحو:" كان و أخواتها"، و "التعجب" مما يجعلها أكثر دورانًا أمام أعين الباحثين.
و الآخر: أنّ استعمال "كانَ" الزائدة بين "ما" التعجبية و فعل التعجب يوجد في كلام المحدثين بخلاف مواضع زيادة "كانَ" الأخرى التي قلما يُصاب مثال عليها في كلامهم، فمن ذلك قول منصور النمري:
أبا خالدٍ ما كانَ أدهى مصيبةً أصابتْ معدًّا يومَ أصبحتَ ثاويا(76 )
قول التهاميّ:
يا كوكبًا ما كانَ أقصرَ عُمْرَهُ و كذاكَ عُمْرُ كواكبِ الأسحار( 77)
أما الحكم بشذوذ زيادة "كانَ" بين حرف الجرّ و الاسم المجرور فليس مردُّه قلة الشواهد كما يوحي بذلك كلام بعض النحويين( 78)؛ و ذلك أنّ الشواهد على زيادة "كانَ" في شتى مواقعـها متقاربة في عددها كما سلف بل يظهر أنّ الحكم بالشذوذ هنا ناشئ من كونه يفصل بين حرف الجر و الاسم المجرور و هذا الضرب من الفصل قليل في كلام العرب، فلم أجد عليه شاهدًا من النثر إلا ما حكاه الكسائيّ من قول بعض العرب: "اشتريته بأ ُرى ألفِ درهم( 79) أي: "اشتريته بألفِ درهم ٍ أُرى". أما الشعر ففيه عدد من الشواهد على هذا الفصل كقول الشاعر:
إنّ عَمْرًا لا خيرَ في اليومَ عمرو ٍ إنَّ عَمْـرًا مُكَثــِّرُ الأحــزان ِ( 80)
أي: "لا خير في عمرٍو اليومَ". و مثله قول الآخر:
لو كنتَ في خـَلْـقاءَ أو رأس ِ شاهق ٍ و ليسَ إلى منها النــزول ِ سبيلُ( 81)

أي: "و ليس إلى النزول منها سبيل". و نحو هذا من الشواهد التي حملت الأحمر (82)و ابن مالك(83) و ابن هشام(84) على إجازة الفصل بين حرف الجر و الاسم المجرور في سعة الكلام بيد أنّ جمهور النحويين ذهبوا إلى المنع حاملين ما ورد في ذلك من الشعر على الضرائر و متجاهلين حكاية الكسائي على أنها من النادر الذي لا يقاس عليه(85)، و من هذا الموقف جاء الحكم بالشذوذ على الفصل بين حرف الجر و الاسم المجرور بـ"كانَ" الزائدة.
و الواقع أنه يصعب الحكم على زيادة "كانَ" بأنها سماعية مطلقًا؛ لأنّ هذه الزيادة أسلوبٌ ثبت عن العرب استعماله نثرًا و شعرًا، فلِمَ نحظر على أبناء العرب محاكاة سلفهم فيما ثبت عنهم؟ و من ناحية أخرى يصعب إطلاق القول بقياسية زيادة "كانَ"؛ لأنه لا شكَّ أنّ ما ورد عن العرب من ذلك محدود كما يتبين فيما سبق من شواهد. لهذا ربما كان القول العدل أنّ زيادة "كانَ" أسلوب ثبت عن العرب، و لا حرج على متكلمي العربية أن يستعملوه على الوجه الذي استخدمه الفصحاء، و هذا يتحقق بأمرين: أحدهما أن يكون استعمالها قليلاً تبعًا للعرب الذين لم يستكثروا منه، و الآخر أن تستعمل "كانَ" الزائدة في المواضع التي استعملتها العرب، و متى ما تحقق هذان الشرطان فلا حرج أن يلجأ الناثر و الشاعر إلى توظيف "كانَ" الزائدة عند الحاجة التعبيرية و الفنية. و قد سلف أنّ الشعراء المحدثين زادوا "كانَ" بين "ما" التعجبية و فعل التعجب فجاء استعمالهم مقبولا ً لا تنفر الأذن منه، فما الذي يمنع من توظيف زيادتها بين الفعل و الفاعل أو الصفة و الموصوف –على سبيل المثال- إذا أحسَّ الكاتب أو الشاعر أن مثل هذا التوظيف يُغني أسلوبهما فنيًا! و لكن لا يملك المرء إلا أن يستبعد توظيف أبناء العربية لزيادة "كانَ" بين حرف الجر و الاسم المجرور فهو أمر إن لم يفعلوه متابعةً لوصف النحويين ذلك بالشذوذ فلن يفعلوه - و الله أعلم- لأنّ الأذن تنفر من الفصل بين حرف الجر و الاسم المجرور، و يدلّ على هذا النفور ندرة هذا الفصل في كلام القدماء و المحدثين.
و يحسن هنا الالتفاتُ إلى ما ذكره ابن عصفور في كتابه "ضرائر الشعر" من أنّ زيادة "كانَ" مقصورة على الضرورة الشــعرية( 86) و هو رأي - و إن وافقه عليه أحد الباحثين المحدثين( 87)- لم أر أحــدًا من النحــاة المتقدميـن يوافقـه عـليه فـيما أعــلم حتى إنّ ابن عصفور نفسه تكلم في كتاب آخر له عن "كانَ" الزائدة بتفصيل و لم يذكر أنّ استعمالها مقصور على الضرورة(88 )، بل إنّ ابن عصفور تناقض كلامه في كتابه "ضرائر الشعر" حيث قال: "و قد تزاد في سعة الكلام" ثم عاد يقول: "إلا أنّها لا تحسن إلاّ في الشعر( 89) دون أن يشـرح العلة في كونها لا تحسن إلاّ في الشعر. و خير ما يُردّ به على هذا هو ورود "كانَ" زائدةً في النثر، فقد سلف في شواهد زيادتها إيرادُ قول أبي العالية: "أونبيٌّ كانَ آدمُ" و قول قيس بن غالب البدري: "لم يوجدْ كانَ مثلُهم" بزيادة "كانَ" فيهما.
سادسًا: هل لـ"كانَ" الزائدة تصَرُّف؟

رد مع اقتباس