الموضوع: "كانَ" الزائدة
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-31-2017 - 10:28 AM ]


أولاً: ما المقصود بقول النحاة بزيادة "كانَ"؟
يظهر من تأمّل النصوص التي ساقها النحاة للاستشهاد على زيادة "كانَ" أنّ الأمر الذي ينطبق على "كانَ" في تلك الشواهد قاطبة أنه لا أثر لها في النسيج النحوي للشاهد وحذفها لا يؤدي إلى تغييرٍ في أي حكم إعرابي أو تركيبي؛ إذ لا ينتج من حذفها حاجة إلى تغيير في الإعـراب أو حذفٍ أو زيادةٍ في الكلام، وهذا ما أوجزه
ابن يعيش بقوله إنّ "كانَ" الزائدة: "دخولها كخروجها".(31 ) وقد بسط هذا المعنى ابن جمعة الموصليّ حيث قال: "ومعنى (الزائدة) هو الذي لو سقط لم يختلّ معنى الكلام من حيث الإسناد –و إن كان له معنى في الجملة-، وهو المراد بقوله( 32): زيدت( 33)فلم تعمل."( 34)
وإذ ظهر أنّ المقصود بقول النحاة بزيادة "كانَ" أنّ حذفها ليس له أثر في النظام النحوي للكلام، فعلى الباحث الحذر من أن يفهم أنّ القول بزيادة "كانَ" يستلزم بالضرورة أنّها لا تعمل أو أنها ليس لها دلالة وإن كان من الممكن أن تكون كذلك، و المُراد هنا أن قول النحويين إن "كانَ" زائدة له دلالة معينة سلف ذكرها قريبًا لكن هذا لا يعني أن نخرج من هذا القول –دون بحث- إن "كانَ" الزائدة لا عمل لها أو دلالة، ومما يشهد على ذلك أن النحويين وصفوا -على سبيل المثال- حرفي الجر الباء و "مِنْ" بأنهما زائدان في حالات معينة مع أن لهما عملاً وهو الجـرّ، ومن ناحية أخرى وصفوا "لا" النافية في قول العرب: "جئت بلا زادٍ" بأنها زائدة مع أنّ معنى الجملة ينقلب لو حذفت "لا"( 35). وبناءً على هذا لا يمكن الحكم القول في مسألة عمل "كانَ" الزائدة ودلالتها إلا بعد بحث كل مسألة من المسألتين على حدة.

ثانيًا: هل تعمل "كانَ" الزائدة؟
إنّ الشواهد التي وردت فيها "كانَ" الزائدة تقطع بأنها لا تعمل عملاً ظاهرًا. وقد يُعترض على هذا قول الفرزدق السالف ذكره:
فكيف إذا مررتَ بدار ِ قوم ٍ وجيران ٍ لنا كانوا كرام ٍ
إذ قد يقال إن "كانَ" في البيت -عند من قال بزيادتها- رفعت واو الجماعة وهو ضمير بارز، والجواب أنّ القائلين بزيادة "كان" في بيت الشعر -وهو قول مرجوح- لا يقولون إنّ "كانَ" هي العاملة في الضمير(36 ).
وبعد تقرير القول بأن "كانَ" الزائدة لا تعمل عملاً ظاهرًا (أي لا تعمل في اسم ظاهر أو ضمير بارز) يرد السؤال: ألا يمكن أن تعمل عملا ًغير ظاهر (أي تعمل في ضمير مستتر)؟ وبالبحث يُلاحظ أنّ أقدم كتاب ورد فيه ذكر "كانَ" الزائدة (وهو كتاب سيبويه) وُصفت فيه "كانَ" بــأنها ملـــغاة(37 ). ولكــن هذا الأمر لا يعنـــي
بالضرورة أنّ "كانَ" الزائدة في رأي سيبويه لا تعمل؛ فقد وصف سيبويه "ظن" وأخواتها بأنها تلغى(38) مع أنها ترفع فاعلاً.
وربما كان أول من تعرّض لمبحث عمل "كانَ" الزائدة صراحةً فيما تيسّر من مراجع هوابن السراج،فقد ذكر"كانَ"الزائدة ضمن ما يُلغى ثم قال:"و حق الملغى عندي أن لا يكون عاملا ً ولا معمولا ً فيه"(39 )، و قد انتصر أبو علي الفارسي لرأي شيخه ابن السراج و بسط في القول في الاحتجاج له(40 ) حتى تكررت في كتب النحو نسبة هذا الرأي إلى أبي علي الفارسي(41 ) مما قد يُفهم منه أنه أول من ذهب هذا المذهب مع أنه كان تابعًا في هذا لابن السراج كما سلف.
و ذهب أبو سعيد السيرافيّ إلى أنّ "كانَ" الزائدة تعمل و أن لها فاعلاً هو ضمير مستتر يعود إلى مصدرها، فـفي قولهم: "ما كـان أحـسن زيدًا"-على سبيل المثال- ترفع "كانَ" فاعلاً تقديره: "كان الكون"(42 )، وتبعه في هذا الصيمري( 43).
و قد ناقش الرضي مذهب السيرافي واصفـًا إياه بأنه "هَوَس"؛ لأنه لا معنى ينتج من تقدير هذا المصدر، ثم اعترض على نفسه بقول الشاعر(44 ):
لعلكَ -والموعودُ حقٌّ لقاؤه- بدا لكَ في تلك القـَلوصِ بَداءُ
حيث ورد المصدر "بداء" فاعلاً لفعله "بدا"، و خـرّ ج الرضـي البيت على أن المصدر هنا مؤوّل بالمشتق و أنّ المقصود به: "رأي بادٍ"(45 ).
و ربما قسا الرضي في عبارته عن رأي السيرافي؛ لأن السيرافي عندما قدّر فاعلاً لـ"كانَ" الزائدة لم ينظر فيما يبدو إلى الدلالة بل إلى التركيب؛ أي أنه لم يستسغ وجود فعل بلا فاعل فقدّر لـ"كانَ" الزائدة فاعلا ً، لكن لا توجد على كل حال حاجة إلى هذا التقدير؛ لأن الفعل إذا اُستعمل استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل اُستغني عنه.(46 )
أخيرًا لا بد من الإشارة إلى ما نقله الزجاج(47 ) عن المبرد من أنه ذكر أنّ "كانَ" زائدة في قوله تعالى:(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ( 48). وهو نقل غريب ظاهره أنّ "كانَ" الزائدة تعمل عمل "كانَ" الناقصة، و هو قول يخالف إجماع النحاة بل يخالف كلام المبرد نفسه الـذي لم يـذكر أنّ "كانَ" الزائــدة تعمل(49 ).
و هذا القول الذي وصفه البغدادي بأنه "غلطة لم يغلطها أصاغر الطلبة"(50 ) محمول على السهو إذا سلمنا بصحة نقل الزجاج عن المبرد.
ثالثـًا: هل تدل "كانَ" الزائدة على الزمن الماضي؟
للنحويين في هذا ثلاثة مذاهب طرفان و وسط:
الأول: أنّ "كانَ" الزائدة تدل على الزمن الماضي و إليه ذهب سيبويه إذ قال: "و تقول: ما كان أحسن زيـدًا، فتذكر "كانَ" لـتدل على أنـه فيما مضى"(51 ). و تبعه في هذا السيرافي(52 ) و ابن عصفور(53 ).
الثاني: أنها لا تدل على الزمن و إنما تقتصر دلالتها على التوكيد. و إلى هذا ذهب المبرد محتجًا بقوله تعالى:(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)( 54) ؛ إذ جزم أنّ "كانَ" في الآية الكريمة زائدة و أنها لا تدل على الماضي محتجًا بأنها لو دلت عليه لما كان في تكلم عيسى -عليه السلام- معجزة؛ لأن كل أحد من الناس كان في وقت من الأوقات صبيا في المهد( 55). و قد تبعه في هذا ابن السراج( 56) و ابن يعيش( 57).
و يلاحظ على احتجاج المبرد أنّه مبني على أنّ "كانَ" تدل على الانقطاع مطلقًا، وهذه القضية ليست مسلمة بل المحقق أنّ "كانَ" تدلّ على حصول ما دخلت عليه فيما مضى دون تعرّض لاستمراره أو انقطاعه و أن حصول أحد هذين الأمرين موكول إلى القرينة(58 )، فمن دلالتـــها على استــمرار ما دخـلت عليه قوله تعالى:(وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا *لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)(59 ) ، فإنــها دالة على الاستمرار بقرينــة وجــوب كــون الله - سبحانــــه و تعـالــى- سَميـــعًــا عَلـيمًا أبـدًا، و من دلالتهـــا على الانقطــــاع قــوله تعالــى:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (60) بقرينـة قولـه تعــالى: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) و إذا طبقنا هذا على الآية الكريمة التي احتج بها المبرد وجدنا أنّ "كانَ" دالة على الاستمرار بقرينة استنكارهم إحالة السؤال إلى عيسى –عليه السلام-، و يتحصل من هذا أنه لا غضاضة في القول إن "كانَ" هنا هي الناقصة بل هو الأولى في إعرابها لأنّ الشواهد المتقدمة على "كانَ" الزائدة ليس فيها شاهد قرآني واحد، و من هنا كان الأليق الحمل على الوجه السـائد في الذكر الحكيم. و لا شبهة أنّ "كانَ" الناقصة أكثر دورًا في الكلام الفصيح؛ إذ جاءت في القرآن فما دونه بخلاف "كانَ" الزائدة ذات الشواهد المحدودة، و إنما يحسن بالمعرب أن يوجه ما في التنزيل إلى الوجه القوى( 61)، و هو هنا "كانَ" الناقصة. و ربما كان القول بعدم دلالة "كانَ" الزائدة على الزمن حلا ً لجأ إليه المبرد و من حذا حذوه لحلّ الإشكال الناتج من القول بدلالة "كانَ" على الانقطاع حيث لا يصح القول بالانقطاع، و هو إشكال غير؛ وارد لأنّ "كانَ" لا تدلّ على الانقطاع إلا مع وجود القرينة -كما سلف-، فضلاً عن أنّ القـائـلين بهذا لم يشرحوا وجه دلالة "كانَ" الزائدة على التوكيد.
الثالث: أنّ "كانَ" الزائدة تأتي على وجهين: دالة على الزمن الماضي، و مؤكدة لا تدل على شيء. و أول مَـنْ قـال بـهذا - فيما اطلـعت عليه- الصيمري إذ أشار إليه باختصار(62 )، و تبعه في هذا الرضي و بسط فيه القول( 63). و خلاصة ما قالا أنّ "كانَ" الزائدة تدل على الزمن الماضي إذا لم يوجد في الكلام ما يدل على الزمن الماضي خلاها كقولهم: "ما كان أحسن زيدًا"، و منــه -على سبيــل المثــال- الأثـر: " أونبيٌّ كانَ آدمُ"، و يسمي الرضي "كانَ" الزائدة هنا بـ"كانَ" المجردة للزمان. أما إذا وجد في الجملة ما يدلّ على الزمان الماضي، فإنّ "كانَ" الزائدة هنا مؤكدة لا تدل على شيء، و منه -على سبيل المثال- قول الفرزدق السابق ذكره:
في حَوْمَةٍ غَمَرَتْ أباكَ بحورُها في الجاهليةِ كانَ و الإسلامِ
فإن الدلالة على الزمن الماضي متحققة بقوله: "غَمَرَتْ"، فتمحّضت "كانَ" الزائدة هنا للدلالة على التوكيد.
و هذا القــول أعدل الأقوال، و لكن لا بد من توضيح معنى دلالة "كانَ" الزائدة على التوكيد، ففي بيت الفرزدق السابق و ما شابهه من شواهد ورد فيها ما يدل على الماضي إلى جانب "كانَ" الزائدة، يُلاحظ أنّ "كانَ" الزائدة لم تنخلع بالكلية من الدلالة على الزمن الماضي، ولكن نظرًا لسبق ما يدل عليه أصبح المقصود توكيد هذه الدلالة الماضوية فقط. و نظير هذا أنّ "ما" و "إنْ" حرفان يدلان على النفي، فلما اجتمعا في مثل قول الشاعر:
و ما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ و لكنْ مَنايانا و دَوْلةُ آخَرينا(64 )
دلّت "ما" على النفي و اقتصرت دلالة "إنْ" على توكيد هذه الدلالة( 65). و مثله أنّ التاء و الكاف تدلان على الخطاب فلما اجتمعا في قولهم "أرأيتك" دلّت التاء على الخطاب و اقتصر دور الكاف على توكيد هذه الدلالةِ(66 )

رد مع اقتباس