قال تعالى: {وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ}(90) .
أي: بأنَّ لهم جنات.
وقال تعالى: {إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً}(91) .
أي بأن تذبحوا بقرة.
وقال تعالى: {أَفَتَطْمَعونَ أَنْ يُّؤْمِنوا لَكُمْ}(92) .
أي بأن يؤمنوا لكم.
وقال تعالى: {شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ}(93) .
أي: بأنه لا إله إلا هو.
وقال تعالى: {إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا}(94) .
أي: بأن تفشلا.
وقال تعالى: {قالوا إنَّ اللهِ عَهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسولٍ}(95) .
أي: بألأ نؤمن، أو على تضمين الفعل (عهد) معنى ألزم.
وقال تعالى: {وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}(96) .
أي: في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ.
وقال تعالى: {سُبْحانَهُ أَنْ يَّكونَ لَهُ وَلَدٌ}(97) .
أي: من أن يكون له ولد.
وقال تعالى: {لَنْ يَّسْتَنْكِفَ المَسيحُ أنْ يَّكونَ عَبْداً للهِ}(98) .
أي: من أن يكون عبداً لله، أو عن أن يكون عبداً لله.
وقال تعالى: {وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ}(99) .
أي: بأنَّ لهم قدم صدق.
وقال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكونَ مِنَ المُؤْمِنينَ}(100) .
أي: بأن أكون من المؤمنين.
وقال تعالى: {مالَكَ ألاَّ تَكونَ مَعَ السّاجِدينَ}(101) .
أي: من أن تكون، أو في أن تكون.
المطلب الثالث:دراسة كي في اللغة:
جاءت (كي) في اللغة على أربعة أضرب: منها وجه واحد سماعي، والثلاثة الباقية قياسية.
الضرب الأول السماعي::اسم مختصرمن كيف، كما اُختصر (سَوْ) من (سوف)، قال الفراء:"سمعت بيتاً حذفت الفاء فيه من كيف قال الشاعر:
مَنْ طالِبينَ لِبُعْرانٍ لَنا رَفَضَتْ كَيْ لا يُحِسُّونَ مِنْ بُعْرانِنا أَثَرا(102)
أراد كيف لا يحسون"(103) .
قال ابن مالك: "وإن ولي (كي) اسم، أو فعل ماض، أو مضارع مرفوع عُلم أن أصلها (كيف) حذفت فاؤه"(104) .
وقال ابن يعيش: "في (كيف) لغتان:(كيف وكي)"(105) .
وأنكر أبو علي الفارسي على الفراء أن تكون (كي) في البيت السابق مرخـمة من كيف، وحتَّم أن تكون فيه حرفاً بمعنى اللام، بحجة أن كيف اسم ثلاثي خال من علامة التأنيث، والثلاثي لا يرخم منه إلا ما لحقتة علامة التأنيث، كما أنه نكرة والنكرة لا ترخم، وهو مبني لمشابهته الحروف، والحذف لا يكون في الحروف قال: "وكذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب عليه شبهُـها وصار بذلك في حيّزها"(106) .
الضرب الثاني وهو قياسي: حرف تعليلي كاللام معنى وعملاً(107) ، وذلك إذا وليها (ما) الاستفهامية نحو كيمه ؟، أو المصدرية، ويمثل لها النحاة بقول الشاعر:
إذا أنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإنَّما يُرَجّى الفَتى كَيْما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ(108)
أو وليتها اللام ومنه قول:
وَأَوْقَدْتُ ناري كَيْ لِيُبْصَر َضَوْؤُها وَأَخْرَجْتُ كَلْبِي وَهْوَ في البَيْتِ داخِلُهْ(109)
ونُسب للأخفش أن (كي) لا تكون إلا تعليلية، ولايصح كونها مصدرية(110) ، والذي في معاني القرآن لا يحتِّم ذلك، بل يجيز كونها مصدرية، قال:"قوله: {لِيَشْتَروا بِهِ ثَمَناً قَليلاً}(111) فهذه اللام إذا كانت في معنى (كي) كان ما بعدها نصباً على ضمير (أنْ) وكذلك المنتصب بـ(كي) هو أيضاً على ضمير (أن) كأنه يقول للاشتراء فـ(يشتروا) لا يكون اسماً إلا بـ(أن) فـ(أن) مضمرة وهي الناصبة، وهي في موضع جرّ باللام وكذلك: {كَيْ لا يَكُونَ دُوْلَةً}(112) (أن) مضمرة وقد جرّتها كي، وقالوا:(كَيْمَهْ) فـ(مه) اسم، لأنه (ما) التي في الاستفهام وأضاف (كي) إليها.
وقد تكون (كي) بمنزلة (أن) هي الناصبة، وذلك قوله:{لِكَيْ لا تَأْسَوا}(113) فأوقع عليها اللام، ولو لم تكن (كي) وما بعدها اسماً لم تقع عليها اللام"(114)
الضرب الثالث وهو قياسي:حرف مصدري ينصب المضارع بنفسه وذلك إذا دخلت على كي اللام التعليلية ولم يقع بعدها أن المصدرية نحو: زرتك لكي تكرم محمداً.
الضرب الرابع وهو قياسي: جواز أن تكون مصدرية وتعليلية ولها حينئذ صورتان:
الأولى: أن تكون مجرّدة من لام التعليل قبلها ومن أن المصدرية بعدها نحو: جئتك كي تكرمني.
الثانية: المتوسطة بين لام التعليل وأن المصدرية نحو: جئتك لكي أن تكرمني ومنه قول الشاعر:
أَرَدْتَ لِكَيْما أنْ تَطيرَ بِقِرْبَتِي فَتَتْرُكَها شَنّاً بِبَيْداءَ بِلْقَعِ(115)
وكثير من النحاة يدمجون الضرب الرابع مع الضرب الثالث.
المطلب الرابع: كي في القرآن:
جاءت كي في القرآن في عشرة مواضع: سته منها مجرورة باللام، والأربعة الباقية غير مجرورة.
ووقع المصدر بعدها منفياً بـ(لا) في سبعة مواضع، أربعة منها وُصلت كي بـ(لا) رسماً هكذا: (كيلا)، وفُصلت في ثلاثة هكذا: (كي لا) - مع اختلاف في عدد المرسوم - ويعلل الإمام الزركشي الوصل في الرسم بأن النفي إذا كان داخلاً على معنى كُلّيّ وُصِلَ حرفُ النفي بـ(كي)، لأن نفي الكلّيّ نفي لجزئياته، ويرى أن الكلي المنفي ليس له أفراد في الوجود، وأما فصل (كي) عن (لا) النافية رسماً فسببه أن النفي منصبٌّ على جزئي ولا يلزم منه نفي الكلّيّ(116) .
قال تعالى: {ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسولِهِ مِنْ أهْلِ القُرى فَللَّهِ وَلِلرَّسولِ وَلِذي القُرْبى واليَتامى والمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ كَيْ لا يَكونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمْ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا اللهَ إنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ}(117) يرى ابن هشام أن كي في الآية مجرورة بلام محذوفة والتقدير (لكي لا) قال:"وذلك إذا قدّرت كي مصدرية"(118) وهو يشير بقوله إذا قدّرت كي مصدرية إلى المذهب الكوفي الذي يحتم كون كي مصدرية.
فالمصدر منصوب على نزع الخافض بفعل مقدّر وهو:(فَعَلْنا، أو بيّنا ذلك، أو حكمنا بذلك) لئلا تكون الغنائم دولة بين الأغنياء، قال المنتجب:"أي فعلنا ذلك في هذه الغنائم، أو بيّنا ذلك لئلا يغلب الأغنياء على الفقراء على الفيء"(119)
وقال تعالى: {إذْ تَمْشي أُخْتُكَ فَتَقولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَن يَّكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتوناً فَلَبِثْتَ سِنينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يَّا موسى}(120) .
وقال تعالى: {فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَّلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمونَ}(121) .
وقال تعالى: {وَأَشْرِكْهُ في أَمْري كَيْ نَسَبِحَكَ كَثيراً}(122) .
يجوز في الآيات الكريمة السابقة أن تكون لام كي محذوفة والتقدير: لكي تقر عينها، ولكي نسبحك، والمصدر منصوب على نزع الخافض كما سبق في آية الحشر.
المبحث الثاني: نزع الخافض سماعاً في القرآن:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نزع الخافض من المفرد:
نزع الخافض من المفرد موقوف على السماع، كما سبق ذكره، وقد جاءت آيات في القرآن كثيرة قال عنها عددٌ من النحاة، و المفسرين، والمعربين له بأنها منزوعة الخافض، وذلك مع أفعال لازمة، أو مما يتعدى لواحد بنفسه، وللثاني بالحرف، في غير المسائل القياسية الآنفة الذكر، منها قوله تعالى: {وَاللاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ وَاضْرِبوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً إنَّ اللهَ كانَ عَلِيّاً كَبيراً}(123) .
يتوقف إعراب {سِبيلاً}(124) على معرفة أصل اشتقاق الفعل (بغى) فإن أُخِذَ من (البَغْي) وهو الظُّلم فهو لازم وتكون كلمة (سيبلاً) حينئذٍ منزوعةَ الخافض والمعنى فلا تظلموهنَّ.
وإنْ فُسِّر الفعل (بغى) بـ(طلب) يقال بغيت الأمر أي طلبته، فالفعل حينئذٍ متعدٍّ بنفسه ويكون (سبيلاً) معمولاً له، والمعنى: لا تطلبوا عليهن ذنوباً تعنتاً لتتوصلوا بها إلى سبيل من السبل الثلاثة المتاحة لكم وهي: الوعظ، والهجر، والضرب التي كانت مباحة لكم وقت نشوزهن، أو الخوف من نشوزهن.
واختتام الآية الكريمة بـ{علياً كبيراً} غاية في البلاغة والإعجاز، ففيه إعلام للأزواج الذين منحهم الله صفة القوامة والعلو على أزواجهم بأن هذه صفة محكومة بأمر الله، وتوصيتهم بعدم الظلم والإسراف فيما أبيح لهم، فلا تستعلوا عليهنّ ولا تتكبروا، وتنبيه لهم بخفض الجناح ولين الجانب، وإشارة إلى أن قدرة الله فوق قدرتهم عليهنّ، و تذكيرهم بأن العلو والكبر من صفات الله تعالى.
وقال تعالى: {وَقالوا كونوا هوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهيمَ حَنيفاً وَّما كان مِنَ المُشْرِكينَ}(125) .
قراءة الجمهور بنصب:(مِلَّةَ)، وقرئ(126) في الشواذ برفع (مِلَّةُ)، وتوجَّه قراءة الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره بل الهَدْيُ ملةُ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره بل ملةُ إبراهيم حنيفاً هدْيُنا.
وفي توجيه قراءة النصب أربعةُ أقوال:
الأول: أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره بل نتَّبِعُ ملةَ إبراهيم(127) .
الثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: عليكم ملةَ إبراهيم، وبه قال أبو عبيدة(128) .
الثالث: أنه منصوب على أنه خبر لـ(نكون) محذوفة، والمعنى حينئذٍ بل نكون أهلَ ملَّةِ إبراهيم، أو أصحابَ ملَّةِ إبراهيم، فحذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامه وهو رأي الفراء، والأخفش، والزجاج، والزمخشري(129) .
الرابع: أنه منصوب على نزع الخافض والمعنى نقتدي بملة إبراهيم(130) .
فالوجه الأول والثاني من هذه الأقوال واحد وهو أنه مفعول به ولكن العامل مختلف، والوجه الرابع مفعول به توسعاً بعد نزع الخافض، والثالث خبر كان.
والوجه الرابع عندي ضعيف، لأن نزع الخافض مع غير أنْ وأنَّ وكي غير قياسي، ولا ينبغي حمل إعراب الآيات على وجه ضعيف، ما أمكن حملها على وجه أقوى منه، ولاسيما أن من الأوجه ما يدعمه السياق.
وقال تعالى: {إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَّطّوَفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ}(131) .
وقال تعالى: {فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخُرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقونَه ُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُوموا خَيْرٌ لَّكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمونَ}(132) .
في توجيه نصب (خيراً)في الآيتين الكريمتين أربعة أقوال(133) :
الأول: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تطوّع بخير فنزع الخافض، وانتصب (خيراً)، وتعضد هذا الوجهَ قراءةُ ابن مسعود:(ومن تطوع بخير)(134) .
الثاني: منصوب على تضمين الفعل (تطوّع) معنى (فَعَلَ) فيكون المعنى ومن فَعَلَ خيراً.
الثالث: مفعول مطلق نائب عن المصدر الأصلي، لأنه وصف له في الأصل، والتقدير ومن يتطوّع تطوّعاً خيراً فحذف المصدر وحلت صفته محله.
الرابع: إذا قدر المصدر المحذوف معرفة فـ(خيراً) حال منه، والتقدير ومن تطوّع تطوّعه خيراً فإن الله شاكر عليم.
وقال تعالى: {وإنْ عَزَموا الطَّلاقَ فَإنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ}(135)
وقال تعالى: {وَلا تَعْزِموا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ}(136) .
الفعل عزم لازم، يتعدَّى بـ (على)، قال في القاموس: "عزم على الأمر يعزِم عزماً ويضمّ ومعزماً كمقعَد ومجلِس وعُزْماناً بالضم وعزيماً وعزيمة واعتزمه وعليه وتعزّم أراد فعله"(137) .
و قال الشاعر:
عَزَمْتُ عَلى إقامِةِ ذي صَباحٍ لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ(138)
فـ(الطلاق)(139) في الآية الأولى، و(عقدة) في الآية الثانية منصوبان على نزع الخافض، والأصل - والله أعلم - وإن عزموا على الطلاق، ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف الخافض، وانتصب معموله.
ويجوز أن يضمّن الفعل(عزم)معنى الفعل(نوى)فينتصب ما بعـده مفعولاً به.
وقال تعالى: {وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً إلاّ أنْ تَقولوا قَوْلاً مَعْروفاً}(140) .
في انتصاب (سِرّاً) مع الفعل (واعد) ستة أوجه ذكرها العلماء(141) ، وقدّروا في بعضها مفعولاً محذوفاً وهو لا تواعدوهنّ نكاحاً سراً:
الأول: أنه مفعول ثانٍ للفعل (واعد).
والثاني: أنه حال من فاعلِه أي لا تواعدوهنّ مستخفين.
الثالث:أنه نعت مصدر محذوف والتقدير: لا تواعدوهنّ مواعدةً سرّاً.
الرابع: أنه حال من ذلك المصدر المحذوف مع جعل المصدر معرفه والتقدير:المواعدة مستخفية.
الخامس: أنه منصوب على الظرفية أي في سرٍّ.
السادس:أن يكون منصوباً على نزع الخافض والتقدير على سرٍّ،وذلك عند من فسّر السر بالجماع،ذكر هذا المنتجب،و ابن هشام، وعزاه للأخفش(142) .
وقال تعالى: {وإنْ كُنْتُم مَّرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّموا صَعيداً طَيِّباً}(143) .
الفعل:(تَيَمَّمَ) سمع من العرب متعدياً بنفسه قال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ:
تَيَمَّمْتُ كَبْشَ القَوْمِ حَتَّى عَرَفْتُهُ وَجانَبْتُ شُبَّانَ الرِّجالِ الصَّعالِكا
فإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصيبَ صَميمُها فَعَمْداً عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مالِكا(144)
وقال الأعشى:
تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُوْنَهُ مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ(145)
وقال كُثيِّر عَزَّة:
تَيَمَّمْتُ لِهْباً أَبْتَغِي العِلْمَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ رُدَّ عِلْمُ العائِفِينَ إلى لِهْبِ(146)
قال امرؤ القيس:
تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتي عِنْدَ ضارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عِرْمِضُها طامِ(147)
وقال ذو الرُّمَّة:
تَيَمَّمْنَ عَيْناً مِنْ أُثالٍ نَميرَةً قَموساً يَمُجُّ المُنْقِضاتِ احْتِفالُها(148)
ولو ذهبتُ أتتبعُ الشواهد الشعرية في تعدية الفعل (تَيَمَّمَ) عند العرب لطال البحث وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقال ابن السكيت: "أَصْلُ التَّيَمُّم: القصد، ويقال تيمّمته إذا قصدت له، قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً} أي اقصدوا لصعيد طيّب، ثم كثر استعمالهم هذه الكلمة حتى صار التيمُّم مسح الوجه واليدين بالتراب"(149) .
والياء في تيمّم منقلبة عن همزة، وأصل الفعل: (أمَّ) بمعنى قصد يقال أمَّه يؤمُّه أمّاً بمعنى قصده.
ومع أن الفعل استعمل متعدِّياً كما رأينا في الشواهد السابقة إلا أننا نجد من المعربين للقرآن من أجاز أن تكون (صعيداً) منزوعة الخافض، قال أبو البقاء: "صعيداً مفعول تيمّموا، أي: اقصدوا صعيداً، وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي: بصعيد"(150) .
وقال المنتجب: "وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي بصعيد، وقيل هو ظرف وهذا على قول من جعل الصعيد الأرض، أو وجه الأرض، والوجه هو الأول وعليه المعنى والإعراب"(151)
وقال السمين:"وصعيداً مفعول به لقوله تيمّموا أي اقصدوا، وقيل: هو على إسقاط حرفٍ أي: بصعيد، وليس بشيء لعدم اقتياسه"(152) .
وقال الجمل: "وصعيداً مفعول به لقوله فتيمّموا أي اقصدوا، وقيل هو على إسقاط حرف أي لصعيد، وليس بشيء لعدم انقياسه"(153) .
وقال تعالى: {قالَ فَبِما أَغْوَيْتَني لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُسْتَقيمَ}(154) .
جاءت كلمة (صراطَ) في الآية منصوبة، والفعل الذي يطلبها هو (قَعَدَ)، وهو لازم، وللنحاة في توجيه نصبها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه منصوب على إسقاط الخافض وهو رأي الأخفش قال:(أي على صراطك، كما تقول توجه مكة أي: إلى مكة وقال الشاعر:
كَأَنِّيَ إذْ أسْعى لأظْفَرَ طائِراً مَعَ النِّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ(155)
يريد:لأظفر بطائر، فألقى الباء، ومثله: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}(156) يريد عن أمر ربكم"(157) .
ووافقه الزجاج، وحكى الإجماع على ذلك قال: "لا اختلاف بين النحويين في أنَّ (على) محذوفة، ومن ذلك قولك ضُرِبَ زَيدٌ الظهرَ والبطنَ"(158) .
الوجه الثاني: أنَّه منصوب على الظرفية المكانية:وإليه مال الفراء قال: "المعنى - والله أعلم- لأقعدنَّ لهم على طريقهم، أوفي طريقهم، وإلقاء الصفة من هذا جائز، كما قال قعدت لك وَجْهَ الأرض، وعلى وجه الأرض، لأن الطريق صفة في المعنى فاحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام إذا قيل آتيك غداً أو في غدٍ"(159) .
القول الثالث: هو مفعول به للفعل:(لأقعدنَّ) لأنه قد ضمِّن معنى (لألزمنَّ) ذكره أبوحيّان، والسمينُ وغيرهم(160) .
واسْتضعفَ الرأيُ الأولُ، لأن حذف حرف الجر هنا ليس من مواضع القياس.
وضُعّف القول الثاني، لأن الصراط ظرف مكان مختص، وظروف المكان المختصة لايصل إليها الفعل إلابواسطة حرف الجر.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَّالقَمَرَ نوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابِ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالحقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمونَ}(161) .
الضمير في: {قَدَّرَهُ} قيل: إنه منصوب على نزع الخافض، و{مَنازِلَ} مفعول به للفعل قدّر، والفعل (قدّر) حينئذٍ على بابه، والمعنى: والقمر قدّر له منازل، قال أبو جعفر النحاس:"{وقَدَّرَهُ مَنازِلَ}: بمعنى: وقدّر له، مثل: وإذا كالوهم"(162) ، ووافقه أبو البقاء(163) ، والمنتجب(164) ، وأبو حيّان(165) والسمين(166) .
ويصح أن يكون الضمير مفعولاً به، ومنازل حينئذٍ إما ظرف مكان أي: قدّر القمر في منازل، ويشكل أن العامل في الظرف ليس من مادته، أو مفعولٌ به ثانٍ بعد حذف مضافٍ وإحلال المضاف إليه محلّه، وذلك إذا ضمّن الفعل قدّر معنى صيّر، والمعنى صيّر القمر ذا منازل، أو حال من الضمير إذا فسّر قدّر بـ(خلق أو هيَّأ)، والمعنى خلق الله القمر متنقلاً(167) .