عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-26-2017 - 07:43 AM ]


ويعالج ابن مضاء القرطبي (ت 592 هـ) زعم النحاة أن الفعل المضارع منصوب بعد واو المعية وفاء السببية بأن واجبة الإضمار مثل:
لا تَأْكُلِ السمكَ وتشربِ اللبنَ، ولا يشتمْ زيدٌ عمراً فيؤذيَه فيقدرون أنْ محذوفةً مع الفعل التالي للواو أو الفاء بمصدر بحيث تصبح الجملتان هكذا: لا يكون منك أكل للسمك وشرب للبن، ولا يكون شتم من زيد فإِيذاء لعمر.
يرى ابن مضاء أن في ذلك تحملا وتعسفاً في التأويل ما كان المتكلم يقصد إِليه وإنما تَقَوَّله النحاة عليه ونسبوه إِليه زورا وبهتانا إِنما يقصد المتكلم في الجملة الأولى إِذا نصب الفعل الثاني فقال: "لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن كان المعنى لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، وإنْ رَفَعَهُ كان المعنى النهي عن أكل السمك والأمر بشرب اللبن، وإنْ جزم أراد النهي عن الفعلين، (124).
يريد ابن مضاء أن يثبت بهذا أن نصب الفعل بعد واو المعية وفاء السببية ليس بإِضمار أنْ كما قال البصريون وليس هو بالصرف أو الخلاف (125) كما قال الكوفيون، وإنما يعود إٍلى المعنى الذي يريده المتكلم، ثم هو بهذا يؤكد دعوته إِلى إِلغاء نظرية العامل لأنها تخفي الدلالة الحقيقية للحركات الإِعرابية، وهي أيضا تخَطئ صِيَغاً عربية سليمة وتأتيا بصيغ سقيمة لم يعرفها العرب ولم ينطقوا بها وفي كل ذلك إِرباك للدرس النحوي وإجهاد للمتعلم وتنفير له من علم النحو.
وقد استقى ابن مضاء رأيه النحوي هذا من مذهبه الفقهي الظاهرىِ الذي يأخذ بظاهر النص ويرفض العلل والقياس.
ويتحدث ابن مضاء عن العلل النحوي فيبقي على العلل الأوائل ويرفض الثواني والثوالث منها. يقول: " ومما يجب أنْ يسقط من النحو، العلل الثواني والثوالث (126) "، ويقسم العلل الثواني على أقسام:
ا- قسم مقطوع به
2- وقسم فيه إِقناع
3- وقسم مقطوع بفساده (127)
ولابد أن نشير إِلى أن ابن مضاء استقى هذا التقسيم والحديث عن العلل من ابن جني (ت 392 هـ) ولو تأمل ابن مضاء قليلا في كلام ابن جني لوجده يضم العلل الثواني والثوالث إِلى العلل الأوائل على أن ابن جني نفسه يذكر بصراحة أنه أخذ ذلك عن ابن السراج (ت 316 هـ). يقول ابن جني: " باب في العلة وعلة العلة. ذكر أبو بكر (128) في أدل أصوله هذا ومثّل منه برفع الفاعل. قال: فإِذا سئلنا عن علة رفعه قلنا ارتفع بفعله، فإِذا قيل ولمَ صار الفاعل مرفوعا؟ فهذا سؤال عن علة العلة.
وهذا موضع ينبغي أن تعلم منه أن هذا الذي سماه علة العلة هو تجوز في اللفظ فأما في الحقيقة فهو شرح وتفسير وتتميم للعلة، ألا ترى أنه إِذا قيل له: فلمَ ارتفع الفاعل؟ قال: لإِسناد الفعل إِليه، ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا: قام زيد: إِنما ارتفع لإسناد الفعل إِليه فكان مغنيا عن قوله: إِنما ارتفع بفعله حتى تسأله فيما بعد عن العلة التي ارتفع بها الفاعل. وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله: ارتفع بفعله أي بإِسناد الفعل إِليه.
نعم ولو شاء لما طله فقال له: ولم صار المسند إِليه الفعل مرفوعا؟ فكان جوابه أن يقول: إِن صاحب الحديث أقوى الأسماء والضمة أقوى الحركات فجعل الأقوى للاقوى، و كان يجب على ما رتبه أبو بكر أن تكون هنا علة وعلة العلة وعلة علة العلة. وأيضا فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إِلى ما وراءه فيقول:
وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة لئلا يجمعوا بين نقيلين. فإِن تكلفة متكلف جوابا عن هذا تصاعدت عدة العلل وأدى ذاك إِلى هُجنة القول وضعفة (129) القائل به (130).
كما فتح ابن مضاء فتحا جديدا، ما هو بصاحب هذه المسألة وما هو بابن بجدّتها بل سبقه إِليها أبو الفتح بن جني الذي استهجن هذا، السلسلة من العلل وتصاعدها والبحثَ فيها والإجابة عنها ورمى القائل بها بالخور بالرأي وقلة الفطنة عندما وصفه بالضعفة.
ومعلوم أن التعليل يمثل عنصرا أساسا في الدرس النحوي عند العرب وكان أوائل النحاة معللين، وتذكر الروايات أن أول من بَعَجَ النحو ومدّ القياس وشرح العلل هو عبد الله بن أبي إِسحاق الحضرمي (131) (ت 117 هـ). وكان سيبويه (ت 180 هـ) قد بنى كتابه على التعليل والحوار الذي جرى بينه وبين الخليل (ت 175 هـ) بالسؤال عن العلل، ما كانت هذه العلل تذهـب بعيدا وراء التفسير المباشر بل إِنها تبقى في ضوء الشكل التركيبي للعبارة أو بالرجوع إِلى المعنى أو بتفسير الشكل التركيبي نفسه وقد تحمل على كثرة الاستعمال مثلا. فالسؤال عن العلل والإِجابة عنها كان يدور لدى القدماء مع المعنى.
فقد سأل عبد الله بن أبي إِسحاق الحضرمي (ت 117 هـ) الفرزدق، كيف تُنْشِدُ هذا البيت؟
وعينانِ قالَ اللهُ كونا فكانتا
فعولان في الألبابِ ما تفعل الخمرُ(132).
فقال الفرزق: كذا أنشد- وأنشد فعولان. فقال ابن أبي إِسحاق: ما كان عليك لو قلت فعولين؟!
فقال الفرزدق: لو شئت أن أسبّح لسبّحت ونهض، أي لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك وإنما أراد: أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمرُ.
قال أبو الفتح (392 هـ): كان هنا تامة غير محتاجة إِلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله احدثا فحدثتا أو اخرجا إِلى الوجود فخرجتا (133).
وعندما أنشد الفرز دق لنفسه:
إليك أمير المؤمنين رَمتْ بنا
همونمُ المُنَى والهوجلُ المتعسفُ
وعَضُّ زمان يا ابن مروانَ لم يدعْ
مِنَ المالِ إِلا مسحتا أو مُجَلَّف (134)
قال له ابن أبي اسحاق: على ماذا رفعتَ (مجلف)؟
فقال الفرزدق وقد أزعجه اعتراضه عليه. على ما يسوؤك وينوؤك علينا أن نقول وعليكم أن تُؤَوّلوا، ثم هجاه فقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوته
ولكنَّ عبد الله مولى مواليا (135)
هكذا كان التعليل عنك الأوائل يجري مجرى المعنى لكن أخذ التعليل بعد سيبويه (ت 180 هـ) يتشعب فيؤثر فيه التعليل الارسطي تارة والتعليل الكلامي والفقهي تارة أخرى حتى صار التعليل غاية بحد ذاته من غايات الدرس النحوي حتى وجدنا بعض النحاة يؤلفون في العلل النحوية كما فعل الزجاجي (ت 337 هـ) فألف (كتاب الإِيضاح في علل النحو).
واستمر التعليل يتشعب حتى دخل عالم الافتراض والتخمين والميتافيزيقيا مما سبب تنفير الدارس من درس النحو وهذا هو الذي دعا ابن مضاء إِلى المطالبة بإِسقاط العلل.
ويرى ابن مضاء (ت 592 هـ) أن سؤال السائل في قولنا: قام زيد، لِمَ رُفعَ زيد؟ فيقال: لأنه فاعل وكل فاعل مرفوع، فيقول ولمَ رُفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت العرب ثبت ذلك بالاستقراء (136).
ولقد يريد أن يقول ما يقوله المحدثون في تفسير الظواهر اللغوية بأن يقتصروا على وصف الظاهرة من غير تعليلها وذلك بوصف اللغة كما هي وهو ما يعرف بعلم اللغة الوصفي.
ولأن المذهب الظاهري لا يأخذ بالقياس الفقهي فقد دعا ابن مضاء القرطبي (ت 592 هـ) إِلى إِلغاء القياس في النحو وحتى يبرهن علما ما ذهب إِليه ضرب لذلك بعض الأمثلة من أقيسة النحاة واختار قياسهم إِعراب الفعل المضارع على إِعراب الاسم لشبهه به دون أخويه الماضي والأمر والاسم عند النحاة أصل والفعل فرع وقالوا: إِن الفعل اكتسب الإعراب لعلتين:
أولا هما: كونه صالحا للحال والاستقبال كالفعل يقوم فإِذا قلت: سوف يقوم تخصص للاستقِبال بعد أن كان شائعا.
وثانيهما: أن لام الابتداء تدخل على الاسم مثل:
إِن زيداً لقائئم 137) وتدخل على الفعل المضارع مثل: إِن زيدا ليقوم بهاتينِ العلتين صار الفعل المضارع معربا.
وقد رفض ابن مضاء هذين السببين أو هاتين العلتين لإِعراب المضارع وعنده أن الإعراب أصل في الفعل المضارع كما هو أصل في الاسم. ويحكم بإعراب المضارع من غير حاجة إِلى هذا القياس. وهو يراجع النحاة في زعمهم أن الإعراب أصل في الاسم لأنه يأتي فاعلا ومفعولا ومضافا إِليه فيعرب لبيان هذه الأحوال، وعنده أن الفعل أيضا معرض لمثل هذه الوجوه فهو مثبت ومنفي مأمور به ومنهي عنه وشرط ومشروط ومخبر به ويستفهم عنه فهو بحاجة إِلى الإعراب كحاجة الاسم إِليه، ولذلك فهو لا يسلم أن الفعل فرع. ويرى أن الأسْلَم أنْ يقال: إِن الفعل المضارع يكون معربا إِذا لم يتصل بنون التوكيد ولا بنون النسوة. ولا حاجة إِلى هذا القياس وهذه العلل التي تشغل بال الدارس ولا تثبت بالتمحيص.
وكما دعا ابن مضاء إِلى إلغاء نظرية العامل والعلة والمعلول والأقيسة فقد دعا أيضا إِلى إِلغاء التمارين التي وضعها النحاة وهي افتراضية غير عملية لا تفيد في النطق ولا تدخل في الأسلوب العربي بل لمجرد التمرين وما كان للأسلوب العربي عهد بها من قبل، كأن يقال: إِبنِ مِن كذا على صيغة كذا وربما اختلفوا وجاء كل فريق بحجة على اشتقاقه وذلك يسبب بلبلة الآراء.
وابن مضاء يدعو في آخر كتابه إِلى إِسقاط الاختلاف فيما لا يفيد نطقا كاختلافهم في رفع الفاعل ونصب المفعول وسائر ما اختلفوا فيه من العلل الثواني وغيرها مما لا يفيد نطقا كاختلافهم في رافع المبتدأ وناصب المفعول فنصبه بعضهم بالفعل وبعضهم بالفاعل وبعضهم بالفعل والفاعل معا (138).
كانت صيحة ابن مضاء المنبه في الوقت المبكر لإِعادة النظر في منهج النحو قبل أن ينفر البقية الباقية من طلاب هذا الدرس، وهو في كتابه المختصر النافع لا يدعو إِلى هدم النحو ونسف الماضي بل يطالب بتجريد النحو من الشوائب وتخليصه من صناعة النحاة، إِنه بصراحة يريد تخليص النحو من النزعة المنطقية والفلسفية.
ومع أن هذه الصيحة لم يكن لها أثر على معاصريه ومن جاء بعدهم فقد استمر الغلاة في النحو في الصناعة النحوية بعد ابن مضاء وبقي النحاة يترسمون خطا من سبقهم حتى أوائل القرن العشرين فوجدنا عددا من الأساتذة والباحثين يدعون إِلى تيسير النحو وفي ذلك بعث فكرة ابن مضاء.

ا لهوا مش

(1) النصر: 110/2 من قوله تعالى: " وَرأيتَ الناسَ يدخُلُونَ في دين اللهِ أفواجا ".
(2) مراتب النحويين: 6 والخصائص: 2/8 ومعجم الأدباء: 1/82 والمزهر: 2/246 والاقتراح: 52 وكنز العمال: 1/151 ونشأة النحو: 9.
(3) التوبة: 9/3 من قوله تعالى: (وأذَانً من اللهِ وَرَسولهِ إِلى الناسِ يَومَ الحَج الأكبَر أَن اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المشركينَ وَرَسُولُهُ) برفع الرسول. وانظر قراءة الجر في الفهرست: 5 والخصائص: 2/8.
(4) الخصائص: 2/8
(5) الفهرست: 45 وأخبار النحويين البصريين: 16 وفى النحو العربي- نقد وتوجيه: 13.
(6) دروس في كتب النحو: 10
(7) نشأة النحو: 67
(8) الكتاب- طبعة هارون- المقدمة1/8 –14.
(9) اقرأ عنه كتاب (سيبويه إمام النحاة) للأستاذ علي النجدي ناصف.
(10) مراتب النحويين: 65.
(11) الفهرست: 57 ونزهة الالباء: 75 وكشف الظنون: 1427
(12) دروس في كتب النحو: 12
(13) الكتاب- المقدمة: 1/36
(14) بغية الرعاة: 1/463
(15) الفهرست:68 وإنباه الرواة: 3/149
(16) إنباه الرواة 3/109 ونشأة النحو: 150
(17) الفهرست: 69
(18) الكتاب-المقدمة: 1/36 والفهرست:68
(19) كشف الظنون: 2/1427
(20) الكتاب- المقدمة: 1/37
(21) وفيات الأعيان: 2/81
(22) كشف الظنون: 2/1427
(23) الكتاب- المقدمة: 1/36-38
(24) الفهرست: 62 وخزانهْ الأدب:1/179
(25) خزانة الأدب:1/179
(26) الفهرست: 65 وإنباه الرواة:3/285
(27) الكتاب- المقدمة:1/38-39 وكشف الظنون: 2/1427
(28) كشف الظنون: 1427 وبنية الوعاة: 1/116
(29) الكتاب- المقدمة:1/39-40
(30) كشف الظنون: 2/1427
(31) وهو مطبوع في ذيل الكتاب طبعة بولاق القاهرة 1316 هـ.
(32) الكتاب- المقدمة: 1/ 41
(33) نفسه:1/40-41
(34) في النحو العربي- نقد وتوجيه: 14
(35) حققه ونشره في مصر الأستاذ محمد عبد الخالق عظيمة.
(36) حققه ونشره في بغداد الأستاذ الدكتور عبد الحسين الفتلي ونال به درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة وأعيد طبه في بيروت.
(37) حققه ونشره في بغداد الأستاذ الدكتور علي جابر المنصورى.
(38) حققه ونشره في بيروت الأستاذ الدكتور علي جابر المنصورى.
(39) حققه الأستاذ الدكتور علي جابر المنصورى ونال به درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس.
(40) حققه الأستاذ صلاح السنكَاوى ونال به درجة الماجستير من الجامعة المستنصرية في بغداد.


رد مع اقتباس