عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-26-2017 - 07:40 AM ]


والكتاب قائم على هدم نظرية العامل فدعا بصراحة وجرأة إِلى إِلغاء نظرية العامل ليتخلص النحو من كل ما دخل عليه من تأويل الصيغة العربية والبقاء على ظاهر النص ثم التخلص من الأقيسة الاحتمالية والتمارين الافتراضية.
أما إِلغاء العامل وجعل الإِعراب بالمعنى فقد اقتبسه ابن مضاء من أبي الفتح عثمان بن جني (ت 592 هـ) الذي عزا العمل للمتكلم أو ما نسميه بمصطلحنا العرف الاجتماعي اللغوي فإِن ابن جني هو السابق كما يعترف بذلك ابن مضاء نفسه بقوله: " وقد صرح بخلاف ذلك أبو الفتح بن جني وغيره، قال أبو الفتح في خصائصه (92) بعد الكلام في العوامل اللفظية والعوامل المعنوية: (وأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إِنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره) فأكد المتكلم بنفسه لرفع الاحتمال ثم زاد تأكيدا بقوله لا لشيء غيره (93) ".
وابن جني يؤكد هذا المعنى ويصرح به في أكثر من مقام يقول مثلا:" اعلم أن علل النحويين- وأعني بذلك حذاقهم المتقنين لا ألفافهم المستضعفين- أقربُ إِلى علل المتكلمين منها إِلى علل المتفقهين وذلك أنهم إِنما يحملون على الحسّ ويحتجون فيه بنقل الحال وخفتها على النفس" (94) واهتمام ابن جني بالمعنى هو الذي حمله على القول: "إِن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إِلا تحصين المعاني وحياطتُها. فالمعنى إِذا هو المكرّم المخدوم واللفظ هو المبتذل الخادم (95) " ويؤكد ابن جني أن العربي يراعي المعنى ويسوق الكلام على ما يقتضيه المعنى ويستشهد بما حكاه عن الأصمعي (ت 216 هـ) عن أبي عمر بن العلاء (ت 154 هـ) قال: سمعتُ رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب (96)، جاءته كتابي فاحتقرها، قال فقلت: تقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم أليس بصحيفة؟ (97) وينقل عن أبي علي الفارسي (ت 377 هـ) عن ابن السراج (ت 16 3 هـ) عن أبى العباس المبرد (ت 285 هـ) قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير كان يقرأ: (ولا الليلُ سابقُ النهارَ) (98) بالنصب (99)، فقلت له: ما تريد؟ قال: أردت سابق النهارَ، فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن (100)، أي اً قوى.
والملاحظْ أن ابن مضاء وإن ردّ على النحاة ودعاهم إِلى منهج جديد فقد كان يذكرهم بالتوقير ويترحم عليهم فيقول:
" وإني رأيت النحويين- رحمة الله عليهم- قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن وصيانته عن التغيير فبلغوا من ذلك إِلى الغاية التي أموا وانتهوا إِلى المطلوب الذي ابتغوا (101) ".
ويذكر أبا القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ت 583 هـ) ويترحم عليه، كما يذكر يوسف بن علي الأعلم الشنتمري (ت 476 هـ) ويترحم عليه أيضا (102) وصرح ابن مضاء (ت 592 هـ) أن الدافع الذي دفعه إِلى تأليف الكتاب هو بذل النصيحة فقال في المقدمة: "فإِنه حملني على هذا المكتوب قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) [الدين النصيحة] (103) " وكان يقصد في عمله إِلى تيسير النحو بحذف ما يستغني عنه النحوي وقد نبه على ذلك بقوله: " قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه (104)".
ووجّه الأنظار إلى ما جّرته نظرية العامل من أضرار على النحو وراح ينقضها هي وما جَرَّت إِليه من عوامل لفظية ومعنوية ومن معمولات مذكورة ومقدرة ومحذوفة.
وابن مضاء الذي لم يقدح أحد في علمه وحدّة ذهنه، كل ما وُصف به أنه كان ذا آراء مخالفة لأئمة النحو(105).
ألا تراه كيف يقتضب من كلام سيبويه (ت 180 هـ) كلاما اقتضابا فجرد من كتابه نصا واحدا حاول أن يحمله على الحقيقة اللغوية لا العرفية فتحكّم في اختيار النص وفي تأويله وذلك قوله: (ألا ترى سيبويه- رحمه الله- قال في صدر كتابه: وإنما ذكرتُ ثمانية مجار لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناءً لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك فيه (106)؟ فظاهر هذا أن العامل أحدث الإِعراب وذلك بَيّن الفساد (107).
ونحن نعلم أن ابن مضاء الذي درس كتاب سيبويه يعلم علم اليقين أن سيبويه (ت 180 هـ) لا يعني أن العوامل تعمل في معمولاتها على سبيل الحقيقة. كيف يصدر من سيبويه ذلك وهو الذي يصرّح في نصوصه المبثوثة في الكتاب أن العمل للمتكلم؟ ونحيل ابن مضاء على نص واحد من كتاب سيبويه من عشرات النصوص، وله بعد ذلك أن يحكم.
قال سيبويه: (قال امرؤ القيس:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة
كفاني ولم أطلبْ قليل من المالِ (108)،
فإِنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوبا وإِنما كان المطلوب الملكَ وجعلَ القليل كافيا ولو لم يُرَد ذلك ونصبَ فسدَ المعنى) (109).
فهل نسب سيبويه العمل للفظ؟ أم نسبه بكل صراحة ووضوح إِلى امرئ القيسي؟ ثم إِن نسبة العمل إِلى اللفظ أو إِلى المتكلم تواضع عليه النحاة للاختصار في التعبير وإلا فالحقيقة إِن الارتباط بين معاني الالفاظ، والامر لا يعدو أن يكون عرفا لغويا.
وهذا يكفي لمناقشة ابن مضاء (ت 592 هـ) حول ما نسبه إِلى سيبويه، وحَسْبُه المناقشة العلمية والمحاكمة التي حاكمه بها الأستاذ الدكتور محمد إِبراهيم البنا في مقدمة (الرد على النحاة) (110) عندما حققه.
ولا نرضى بعد هذا لابن مضاء قوله وهو يعقب على كلام سيبويه: (وأما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل) (111) إِن أراد بذلك النيل من كرامة سيبويه وشيخه الخليل (ت 175 هـ) ونحن نربأ به من اللجوء إِلى التلاعب بالألفاظ ومثله من يوقر العلماء.
لقد مضى ابن مضاء (ت 592 هـ) يبرهن على فساد نظرية العامل فيذكر ما ترتب عليها من فساد الصيغة العربية للعوامل المحذوفة لعلم الخاطب بها كقولك: زيدٌ في جواب: من جاء؟
على تقدير: جاء زيدٌ.
فزيدٌ فاعل لفعل محذوف، أو لمجرد الافتراض كقول النحاة في مثل قولهـ م: (الكتاب قرأته) إِن الكتاب مفعول به لفعل محذوف والتقدير قرأت الكتاب قرأته. وفي قولنا: يا عبد الله يجعلون المنادى مفعولا به لفعل محذوف تقديره أدعو عبد الله أو أنادي عبد الله، وهذا الافتراض يخرج الجملة من كونها إِنشائية ويجعلها، جملة خبرية. فقد قسم ابن مضاء المحذوفات على ثلاثة أقسام:
1- محذوف لا يتم الكَلام إِلا به، ومنه قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُم قالوا خيراً)(112).
2- محذوف لا حاجة بالقول إِليه بل، هو تام دونه وإن ظهر كان عيبا كقولك: أَزيداً ضربته؟ قالوا إِنه مفعول بفعل مضمر تقديره: أضربتا زيداً؟ وهذه دعوى لا دليل عليها (113).
3- مضمر إِذا ظهر تغير الكلام عما كان عليه قبل إِظهاره كقولنا: يا عبد الله.. وعبد الله عندهم منصوب بفعل مضمر تقديره: أدعو أو أنادي وهذا إِذا ظهر تغير المعنى وصار النداء خبرا وكذلك النصب بالفاء والواو ينصبون هذه الأفعال الواقعة بعد هذه الحروف (بأنْ) ويقدرون (أنْ) مع الفعل بالمصدر (114).
وينبه ابن مضاء (ت. 592 هـ) علما أن مثل هذه التقديرات تؤدي إِلى إِدخال ألفاظ زائدة على القرآن الكريم من غير دليل وبذلك يدخل النحاة في القرآن ما ليس منه بتقديراتهم الخيالية وزيادة المعنى كزيادة اللفظ.
ومن بنى الزيادة في القرآن بلفظ أو معنى على ظن باطل فقد قال في القرآن بغير علم وتوجه الوعيد إِليه (115).
ويعترض ابن مضاء على تقدير متعلقات الجار والمجرور حين يقعا أخبارا أو صلة أو حالا وأن هناك تقديرات لا وجود لها في أسلوب عربي رصين وإنما دعت إِليها الصناعة النحوية، ويرى أن متعلق الظرف كمتعلق الجار والمجرور في عدم الحاجة إِليه بل إِن تقديره يفسد الكلام.
وعلى غرار هدم فكرة العامل المحذوف يدعو ابن مضاء إِلى هدم فكرة المعمول المحذوف، فأنكر وجود ضمير مستتر في قولنا: زيد قام، وقال: إِن (قام) مثل (قائم) فكما نقول: زيد قائم نقول: زيد قام وكلاهما خال من الضمير المستتر ومن هنا ذهب إِلى الألف والواو والنون في مثل: قاما وقاموا وقمن ليست ضمائر وإنما هي حروف علامة التثنية والجمع المذكر والجمع المؤنث لا تختلف عن تاء التأنيث الساكنة مثل: سافرتْ.
وإذا تقدم الفاعل المؤنث المجازي وجب إِثبات تاء التأنيث فتقول: الشمس طلعت، أما إِذا تأخر الفاعل جاز إِثباتها مثل طلعت الشمس وجاز حذفها مثل طلى الشمس وكذلك فعل العرب بأدوات التثنية والجمع إِذا كان الفاعل مثنى أو مجموعا فأثبتوها تارة فقالوا: قاما الرجلان وقاموا الرجال وأكلوني البراغيث، وسموها لغة أكلوني البراغيث وهي لغة طي وبلحارت بن كعب وأزد شنوءة (116)، ورفعوها تارة أخرى، كما تفعل غير القبائل المذكورة حيث يقول غيرهم: قام الرجلان وقام الرجال بحذف الضمير وهذا عند ابن مضاء دليل على أن العرب تتعامل مع هذه الأدوات كتعاملها مع تاء التأنيث الساكنة (117).
ولتقديم المزيد من الأدلة على بطلان نظرية العامل ناقش ابن مضاء القرطبي (ت 592 هـ) بابين من أبواب النحو ويرفض أساليب دعت إِليها صناعة النحو لا يعرفها الأسلوب العربي ولا ينطق بها العرب.
أحدهما: باب التنازع في مثل قولهم: أعطيتُ وأعطاني زيد درهماً، وظننتُ وظنني زيداً شاخصاً، وظننتُ وظناني شاخصاً الزيدين شاخصين، وظننتُ وظناني حاضراً الزيدين مسافرين، وأعلمت وأعلمانيهما إِياهما الزيدين العمرين منطلقين، وغيرها من الأمثلة المصنوعة، ويبدي ابن مضاء رأيه في هذه المسألة صريحا بقوله:
" ورأيي في هذه المسألة وما شاكلها أنها لا تجوز لأنه لم يأت لها نظير في كلام العرب وقياسها على الأفعال الدالة على مفعول به واحد قياس بعيد لما فيه من الأشكال بكثرة الضمائر والتأخير والتقديم". (118).
وابن مضاء غير مدافع فيما يقول: فعلى النحاة أن يُنَحّوا مثل هذه الأساليب الملتوية التي سببت التذمر من الدرس النحوي حتى بلغ الأمر أنه إِذا قيل: بدأ الدرس النحوي انقبضت النفوس.
وثانيهما: باب الاشتغال الذي أسهب النحاة فيه من وجوب الرفع ووجوب النصب وجواز الوجهين مع ترجيح الرفع أو ترجيح النصب أو ما يجوز فيه الوجهان من غير مرجح مقدرين في أكثر الصيغ عوامل محذوفة لا دليل عليها مثل: الكتابَ قرأته على تقدير قرأت الكتاب قرأته. ولا يرى ابن مضاء مسوغا لهذه التقديرات وهو يقترح حذف بابي التنازع والاشتغال من النحو لأن التقدير فيهما التواء بالألسنة عن الأسلوب العربي القويم، ونحن نرى فيهما تنفيرا للناشئة والدارسين من الدرس النحوي.
أما التقدير في القرآن الكريم فعند ابن مضاء (ت 592 هـ) مُحرّم، ففي قوله تعالى: (إِذا الشمْس كُوِّرَتْ) (119) لا يرتضي تقدير الآية هكذا إِذا كورت الشمس كورت، لأن ذلك يُدخِلُ في القرآن لفظا زائدا عليه وهو أمر مُحرّم.
ويضع ابن مضاء قاعدة لهذا الباب وينكر العامل بقوله: "إِن كل فعل تَقدّمه اسم وعاد منه على الاسم ضمير مفعول أو ضمير متصل بمفعول أو بمخفوض أو بحرف من الحروف التي تخفض ما بعدها، فإِن ذلك الفعل لا يخلو أن يكون خبرا أو غير خبر أو غير الخبر يكون أمرا أو نهيا أو مستفهما عنه أو محضوضا عليه أو معروضا أو متعجبا منه، فإِن كان أمرا أو نهيا فالاختيار فيه النصب ويجوز رفعه فإِن كان العائد على الاسم المقدم قبل الفعل ضمير رفع، فإِن الاسم يرتفع كما أًن ضميره في موضع رفع.
ولا يُضمر رافع كما لا يضمرُ ناصب، إِنما يرفعه المتكلم وينصبه اتباعا لكلام العرب (120).
وهذا الذي ذكره ابن مضاء القرطبي (ت 592 هـ) من أن العامل الحقيقي هو المتكلم وليس اللفظ إِنما هو رأي القدماء من النحاة كما أشار إِلى ذلك يسيبويه (ت 180) في الكتاب (121)، وصرح به ابن جني (ت 392 هـ) بقوله: (وِإنما دال النحويون عامل لفظي وعامل معنوي ليروك أن بعض العمل يأتي مسبباً عن لفظ يصحبه كمررتُ بزيد، وليتَ عمراً قائم وبعضه يأتي عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به، كرفع المبتدأ بالابتداء ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم، هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول، فأما الحقيقة ومحصولِ الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إِنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره) (122). وابن مضاء نفسه أشار إِلى هذا (123).

رد مع اقتباس