في الشعر العربي
لكل لغة خصوصياتها النحوية واللغوية التي تساعد الأدباء في النثر والشعراء في الشعر، وينبغي النظر إلى كل لغة من منظورها وليس من منظور لغة أخرى. وانطلاقاً من هذه القاعدة شهد ديوان العرب للعرب بأنهم أكثر الأمم المتحضرة شاعرية، وشهد لهم بذلك حكماء الأمم على اختلاف أهوائهم. وأنا لا أعرف أحداً، يُعوَّل عليه في شيء يذكر، يجادل في هذه الحقيقة. والدليل على ذلك كثرة الإنتاج الشعري الجيد عند العرب والمرتبة الرفيعة التي يحتلها الشعراء المجيدون عندهم.
يقول كبير المستشرقين الأوربيين في القرن السايع عشر ألبيرت شخولتنس مقارناً حالة الشاعر العربي الجيدة بحالة الشاعر الغربي التعيسة: "إن الكرم العربي يحول دون شقاء الشاعر"! ويرد شخولتنز تفوق العرب في الشعر على سائر الأمم إلى غنى اللغة العربية وموسيقاها العذبة. يقول في إحدى خطبه: "لا بد من أخذ غنى اللغة العربية الفاحش بعين الحسبان [عند مقارنة الشعر العربي بغيره]" (1).
أما المستشرق الهولندي الكبير ولميت صاحب المعجم العربي اللاتيني الشهير (2) فيقول في محاضرة بعنوان "ذوق العرب الجمالي" (3)، وبالأخص عند حديثه عن أبي العلاء المعري: "انظر ما أروع العرب، وما أعظم عبقريتهم"! (4) وكان ولميت يرد في خطبته هذه على أحد النقاد الأدبيين (من غير المستعربين) ـ وهو الناقد وايرز ـ الذي كتب سنة 1845 قائلاً: "إن من يبحث عن شعر رفيع عند العرب شخص يضيع وقته فيما هو غير مفيد"! (5)
وشهادات حكماء الأمم الشرقية والغربية بتفوق العرب في الشعر كثيرة، ولكني سأكتفي الآن بالإشارة إلى أمرين اثنين: الأول أن بحور الشعر العربية أكثر بحور الشعر كماً وأرقاها نوعاً (لدى اليونان ستة فقيرة فقط)، والثاني أن معظم الشعوب التي احتكت بالعرب، ومنها الفرس والأتراك والهنود والسريان واليهود والأكراد وغيرهم من الأمم، استعاروا بحور الشعر العربية ونظموا عليها، وهذا لا يكون عبثاً!
أما ما ذكره بعض الأستاذة (وهو الشاعر الكردي حميد كشكولي في موقع الجمعية) عن شاعرية اللغة العبرية وجودة أشعار اليهود، فأنا لا أعرف ذلك لأن العبرية الكتابية غير مشهورة بالشاعرية فضلاً عن وجود شعر ـ بمعناه الاصطلاحي ـ في كتاب العهد القديم. هنالك كتاب المزامير وكتاب نشيد الإنشاد وهما كتابان يحتويان على عناصر غنائية كثيرة ولكن مضمونهما ليس شعراً. وقيمة كتاب العهد القديم الأدبية في بساطته وفي عفوية لغته وليس في صنعته الأدبية. والشعر أصلاً كان محرماً على اليهود، ولم يسمح لهم إلا بقرض الترنيمات الدينية التي كان "البيتانيم" يقرضونها للغناء في الكنيس. وأول ما قرض اليهود شعراً حقاً في العبرية تناولوا فيه المواضيع الدنيوية العامة كان في القرن العاشر الميلادي ، عندما استعار الشاعر اليهودي المستعرب دونش بن لبراط بحور الشعر العربية وأدخلها في العبرية فازدهر الشعر العبري وبلغ أوجه في الأندلس. ومن كبار شعراء هذه المدرسة: يهودا اللاوي (صاحب "كتاب الحجة والدليل في نصر الدين الذليل" المشهور بكتاب الخُزَري، وهو كتاب يدافع فيه عن الديانة اليهودية)، وإسماعيل بن النغريلة الذي استوزره حبوس أحد ملوك الطوائف في الأندلس (وإليه ينسب نقد للقرآن الكريم رد عليه ابن حزم الأندلسي في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، وفي رسالته "الرد على ابن النغريلة اليهودي" التي نشرها الدكتور إحسان عباس)؛ وتادروس أبوالعافية، وإبراهيم بن عزرا، وسليمان بن جبيرول وغيرهم.
ـــــــــــــــــــــــ
حواش:
(1) في الأصل Attendo porro ad incredibilem Arabicae Linguae copiam ….
(2) الذي صدر في لايدن (هولندة) سنة 1784 وهو من أهم المعاجم الثنائية على الإطلاق.
(3) في الأصل: De sensu pulcri Arabum.
(4) في الأصل Tanta est Ingenii! Tanta Phantasiae Arabum.
(5) في الأصل Qui vero poëtas Arabum propter isporum praestantia legat, si non sensu carere, certe otio suo abuti videtut.