عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-22-2017 - 12:28 PM ]


2 . توسيع مجال التأويل
الثراء بالدلالات والإيجاءات طبيعة من طبائع النص ا لأدبي تجعله مغايرا لغيره من النصوص التي لا تتحمل إلا وجها واحدا من وجوه التأويل والنظر النحوي يعين على تصور الوجوه المتعددة للنص يقول " عبد القاهر " :
" واعلم أن الفائدة تعظم إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة من غير أن تغير من لفظه شيئا ، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان وهو الذي وسع مجال التأويل والتفسير حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر ، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير " (61)
وبهذا يختلف النظر في النص الأدبي عن النظر في غيره من نصوص اللغة التي يعنيها الدكتور " تمام حسان " بقوله : " لا بد في نص بعينه أن يكون المعني محدداً " (62) فقد رأيت كيف تتعدد المعاني والرؤى في النصر الأدبي الواحد .
3.الكشف عن الصور ا لفنية
أفاد النحاة من النظر النحوي في النصوص الأدبية للاستعانة به في الوقوف علي الأغراض الفنية الخفية للمبدع من أمثلة ذلك صنيع ابن جني مع قول الشاعر :

ولما قضينا من منى كل حاجة . . ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا . . وسالت بأعناق المطى الآباطح

حيث لاحظ أن في قوله : " أطراف الأحاديث " وحيا خفيفا ورمزا حلوا ، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون من التعريض والتلويح الإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب" (63).
كذلك يكشف النظر النحوي عن المجاز والاستعارة والتشبيه.
4 . الكشف عن الصور الفنية
وقد أدرك علماءنا هذه الغاية من غايات النظر النحوي في سياق حديثهم عن قيمة الإعراب يقول الزركشى : " الإعراب هو الذي يميز المعنى ويوقف علي أغراض المتكلمين " (64)
5. الترجيح بين الروايات
مثال ذلك قول البكري في بيت زينب بنت الطثرية :
كريم إذا لاقيته متبسما . . وإما تولي أشعث الرأس جافله
هكذا رواه أبو علي وغيره يرويه :
كريم إذا استقبلته متبسم
هذه أحسن لفظا وإعرابا لأن قوله " استقبلته " أحسن مطابقة لقوله : وإما تولى " .
وكذلك الرفع في قوله : " متبسم " أجود في المعني لأنك إذا نصبته أوجبت أنه لا يكون كريما إلا في حين تبسمه وإذا رفعت فهو كريم متبسم متي استقبلته أو لاقيته " (65)
انظر كيف دلت العلامة الإعرابية في الرواية الأولى على معنى لا يتسق مع غرض الشاعرة إلى المديح ، لأن النصب يجعل كلمة ( متبسما ) حالا فيكون المعنى أنه لا يكون كريما إلا في هذه الحالة فحسب في حين دلت علامة الرفع على وظيفة نحوية أشد مناسبة للسياق هي الإخبار عن تبسمه وقد ترتب علي حسن الإعراب هنا أمران الأول جودة المعني والثاني ترجيح الرواية .
5.التمييز بين الأساليب:
من غايات النظر النحوي التمييز بين معاني الأساليب ، كما أنه وسيلة مهمة من وسائل معرفة جيد النصوص من رديئها بطريقة موضوعية بحسب دلالة ألفائها علي معانيها.
كان النقاد يحسون بجودة بعض الأشعار وأفضليتها علي بعض دون امتلاك أسبب محددة لهذا التفضيل إلا بكلمات غامضة .لا تعطي تفسيرا كاشفا عن مواضع الحسن أو أسباب التفضيل .
جاء عبد القاهر فأحسن بهذه المشكلة وعاني منها فحاول أن يلتمس تحديد جهات الاستحسان والاستجادة فلم يجد ملتمسة إلا في النحو وقد حكي لنا هذه التجربة الذاتية ، فقال :
" ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معني الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها ، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفا وبعضة كالتنبيه علي مكان الخبي ليطلب وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج وكما يفتح لك الطريق إلي المطلوب لتسلكه وتوضع لك القاعدة لبني عليها ووجدت المعول عليه أن ههنا نظما وترتيبا وتأليفا وتركيبا وصياغة وتحبيرا " (66)
التمييز الصحيح إنما يكون بالنظر في طرائق التأليف ولا يكون ذلك إلا بوسائل معروفة محددة لأنه " لابد لكل كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون إلي العبارة عن ذلك سبيل وعلي صحة ما ادعيناه من ذلك دليل " ( 67)
هذا هو السبيل فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطوة إن كان خطأ إلي النظم ويدخل تحت هذا الاسم إلا وهو معني من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل في غير ما ينبغي له فلا تري كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلي معاني النحو وأحكامه ووجدته يدخل في أصل من أصوله ويتصل بباب من أبوابه " (68).
هذا هو النحو المعني بالنص بمفهومه الصحيح لا يحجر واسعا بل يسع كلام الله لفظا وغاية بخلاف تصور الذين ضاق تعريفهم له فضاق مفهومه لديهم ونقص أثره عندهم لأن تعريف العلم مؤذن بغرضه وهذا ما لاحظه الصبان حين قال : " تعريف العلم أحد الأمور التي يتوقف الشروع فيه علي بصيرة عليه ومنها موضوعه وغايته وفائدته " (69)
خامسا : وسائل النظر النحوي
من أجل تحقيق هذه الغاية تعددت الوجوه التي يتناولها النظر النحوي كما أشار عبد القاهر قائلا:
" وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه ، فينظر في الخبر .. وفي الحال وينظر في " الحروف " التي تشترك في معني ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعني وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ثم يعرف ما حقه الوصل موضع "الواو " من موضع " الفاء" وموضع " الفاء" من موضع " ثم "وموضع " أو " من موضع " أم " وموضع " لكن " من موضع " بل" ويتصرف في التعريف والتكبر والتقديم والتأخير في الكلام كله وفي الحذف والتكرار والإضمار والإضمار والإظهار فيصيب بكل من ذلك مكانه وستعمله عليا لصحة وعلي ما ينبغي له " (70)
أريت كيف يتسع النحو حتى يشمل النص كله بدءا من الكلمة والأداء ومرورا بالأساليب والتراكيب والتصرف الإبداعي فيها بما يتيحه علم النحو من " عوارض تركيبية " وانتهاء بسرد الجمل وطرائق اتصالها مشيرا بذلك إلي قيمة التأليف بين الجمل المفيدة. وبعض وسائل الربط بينها مبينا أن هذا هو الذي يقتضيه علم النحو وقوانينه وأصوله ومناهجه ومعانيه وأحكامه مشيرا إلي وسائل نحوية متنوعة تدلك علي أنه لا عبد القاهر ولا النحو العربي يقنعان بالوقوف عند حدود الجملة .
وهذه الوسائل هي :
1. الأدوات : التي تمد الناظر في النص بالمعاني التالية :
أ ) معاني التعليق
ب) معاني التعدية
ج ) المعاني الأسلوبية المتنوعة
2 . الوظائف النحوية الكاشفة عن عناصر البناء اللغوي في النص كالفاعلية المفعولية ..
3. طرائق سرد الجمل وصور تماسكها في النص ، وتتنوع هذه الصور بتنوع الجمل وأغراض المبدعين
4 . الصور النحوية المتغيرة عن طريق ما يعزف باسم " عوارض التركيب " ويعنون به : " ما يعرض في الكلام فيجئ علي غير ما ينبغي أن يكون عليه قياسه " (71) وأهمها : الحذف والتقديم والحمل علي المعني والقلب والالتفات .
ولكل عارض من هذه العوارض قيمة تعبيرية تحقق غرضا بقصد إليه المتكلم يقول الأستاذ علي النجدي ناصف : " وربما أخذت العربية بما يخالف ظاهر الحال لا عبثا من عابث ولكنها تركن إلي هذا الخلاف قصدا إلي إشارة لطيفة أو لمحة دقيقة " (72)
ويعد الطوفى البغدادي هذه الوسائل من " أدوات التفسير " (73) وقد أفاد العلماء منها بتسميات مختلفة صار أشهرها مصطلح معاني النحو وهي " الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضة ببعض " علي ما فسرها به عبد القاهر (74)
ولعلك واجد في هذه الوجوه من وجوه " علم النحو " خطوات عملية تمكن من يتبعها علي وجهها الصحيح من النظر الأمثل في النص الأدبي وتلكم هي غاية النحو الحقيقية كما أدركها علماؤنا نظرا وممارسة.
الخاتمة
في ختام المناظرة التي جرت بين السيرافي النحوي مع متى الفيلسوف قال ابن الفرات تعقيبا : " لقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار " (1)
يدل هذا التعقيب على أن القائل مثل كثير في عصره وعصرنا لم يكن يعرف لعلم النحو قدره وجلالته لكنه لما رأي النحو كاشفا عن معانيا لنصوص مميزا بين الأساليب ، مرتبطا بمعاني الكلام . أدرك منزلته الثقافية والحضارية. فهل آن لمثقفينا أن يدركوا ما أدرك ابن الفرات.
يختلف هذا النظر الواعي عن نظر نفعي تجد صورته في هذا الحوار من مسرحية الأيدي الناعمة لتوفيق الحكيم :
الدكتور : إن حتى في الحقيقة مشكلة المشكلات التي حيرت العقول ومعضلة المعضلات التي شغلت الأذهان : فهي تجر وتضم وتنصب أرأيت أعجب من هذا ؟ فأنت تستطيع أن تقول : أكلت السمكة حتى رأسها بالكسر وبالنصب وبالضم . مفهوم ؟
البرنس : وأنت دكتور في هذا ؟
الدكتور : نعم .
البرنس : لا يا سيدي الفاضل ، ثق أني يوم أريد أن آكل سمكا . فإني لن أحتاج إليك أبدا (2)
قلت : أخطأ المتحاوران كلاهما ، الدكتور بما أساء تصوير قيمة النحو حين اختزله في الإعراب الناشئ عن أداة واحدة من أدوات النحو غافلا عن إمكانياته الثرية من خلال مثال ساذج مصنوع وصاحبه لأنه آثر النفع المادي متمثلا في أكل السمكة علي الفهم والمعرفة .
وأشباه هذا الدكتور وصاحبه كثير في القديم والحديث فهذا أبو غسان رفيع بن سلمة تلميذ أبي عبيدة يقول(3)

فقد خفت يا بكر من طول ما أفكر في أمر " أن " أن أجن
رأيت إذن من أين أتي هؤلاء لقد أتوا من هذا النظر الجزئي العقيم لمسألة من فروع النحو لا يجني منها ثمرة أما الذين عرفوا النحو سمتا لكلام العرب وسبيلا إلي تذوق نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف وكلام العرب شعرا ونثرا فهؤلاء جل لديهم علم النحو .
ولا يعين علي تصوير منزلة النحو مثل ارتباطه بالنص تأليفا وتفسيرا فهو أداة من أدوات بناء النصوص علي أنساق خاصة تحقق أغراض المؤلفين كما هو وسيلة من وسائل الناظرين في هذه النصوص للوقوف علي أسرار تراكيبها والتمييز بين أساليبها .
علي أن من الباحثين من يريد التشكيك في إدراك النحاة لقيمة النص وعنايتهم به فيقول أحدهم :" إن النحاة القدماء قروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا علي فعل ولما جاء في القرآن وفي كلام العرب( إن) وبعدها اسم لم يخضعوا لما جاء في القرآن ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرا وشعرا وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها (4)
ويتعقبه الأستاذ علي النجدي ناصف بحق قائلا :
" نلاحظ أنه يجعل قواعد النحو أسبق من دراسة النصوص وتتبع الشواهد مع أن الأمر علي العكس وصنيع النحاة شاهد عليه وطبيعة البحث تقتضيه لأن اللغة أسبق دائما من علومها فكيف يمكن التشريع لها قبل ظهورها أولا وقبل العلم بها بعد ذلك " (5)
رحم الله الأستاذ ف رده الذي ينصف النحاة من الهاجمين علي نحونا العربي.
إن الباحث يعمم الحكم علي النحاة جميعا بغير بصر ولا تمييز في مسئلة خلافية ذكرها ابن الأنبارى في مسائل الخلاف (6) ليتهم النحاة جميعا بتهمة عجيبة تعكس تصورا خاطئا للنحو وجهود النحاة في انتحائهم سمت كلام العرب . " وإذا كيف يتصور أن يقرروا القاعدة وهم لا يعرفون الآية حتى إذا بدا لهم الخلاف بينهما حاولوا أن يخضعوا الآية للقاعدة لا أن يخضعوا القاعدة لها ؟ (7).
تجلي ربط النحو بالنص منذ عرفة النحاة انتحاء لسمت كلام العرب في تصرفه وقد فسر ابن جني مصطلح الكلام تفسيرا يصلح لتعريف النص الأدبي الذي يشجو ويحزن ويتملك قلب السامع ويبعث علي الاستحسان والاستعذاب .
وعرفت الحضارة الإسلامية النص بناء لغويا مترابطا يستطيع النظر فيه أن يستدل بنسقه علي معانيه الكلية وأسراره الفنية وأفكار أصحابه ذلك كله في ضوء من معرفة ما يقترن به من قرائن دالة كاشفة.
وقد بنيت علي تصور علمائنا للنحو وغايته مفهوما للنظر النحوي يحدد غايته ويعرف بمجالاته ويشير إلي وسائله ويبين شروطه التي تجعله صالحا للتعامل مع النصوص الأدبية علي اختلافها ، لما يتسم به من سمات أهمها :
1. شمول في التعامل مع النص الأدبي ستمده من ثراء علم النحو بالإمكانيات يحدد غاياته ويعرف بمجالاته ويشير إلي وسائله ويبين شروطه التي تجعله صالحا للتعامل مع النصوص الأدبية علي اختلافها لما يتسم به من سمات أهمها
2. مرونة تجعله قادرا علي مراعاة طبيعة النص الذي يتعامل معه فقد رأيت كيف يختلف النظر النحوي في القرآن الكريم عنه في الشعر .
3. موضوعية في التقدير والتوجيه تنجيه من التعسف .
من أجل هذا كان النظر النحوي سبيلا من سبل التعامل الأمثل مع النص الأدبي لا يلغي ما سواه من وجوه التفسير لكنه يثريها ويعمقها .



رد مع اقتباس