عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-19-2017 - 07:52 AM ]


ويذكر الباحثون المختصون إنَّ واقعها (منحها نوعًا من التميُّز والتفرد إذ أكسبتها تجربتها الحضارية على مدى قرون ثروة هائلة من البنى. واحتبست تعابيرها في أرحامها قدرات خفيَّة على العطاء وعلى الإيحاء وعلى تنويع التعبير... كما أكسبها انتشارها الواسع في بقاع فسيحة من الأرض وتفاعلها مع جماعات لغويَّة كثيرة ألوانًا من الغنى، تأثرًا وتأثيرًا، فهي إذن ليست... اللغة الأوليَّة البدائية التي تحاول أن تصبو إلى مقاربة الحضارة أو ملاحقتها أو الاندماج فيها... وإنَّما هي اللغة ذات التجربة السابقة وما كان لظاهرة ما اجتماعية أو إنسانية أن تقوى على التخلي عن تجاربها السابقة، فهذه التجارب جزءٌ منها)(30 ).
ومن أعظم تجاربها أنَّها خالطت لغات كثر (فلم تفسد في ألفاظها ولا في اشتقاقاتها، ولا في تراكيبها وأساليبها، أو في بيانها الدقيق المشرق، ولم يتعد تأثيرها بها عددًا محدودًا من الألفاظ التي تعربت استجابة لمتطلبات تطور أنماط الحياة وتنظيمها وازدهار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعقلية والعسكرية والعمرانية في ربوع بلاد المسلمين)( 31).
وإذا كان من سنن الله في خلقه أن تتأثر اللغة سلبًا وإيجابًا بواقع الأُمَّة فتعز بعزها وتذل بذلها فإنَّ اللغة العربية خضعت لهذه السنة ردحًا من الزمن ولكن جذوتها لم تنطفئ، والسر في ذلك ارتباطها بالقرآن الكريم فحفظت بحفظه(32 ) (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ( 33).
وخلاصة القول: إنَّ (اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزُون)( 34)، واللغة العربيَّة شعار الأُمَّة الإسلاميَّة، وهي من أهم وسائل تميُّزها وهو ما أدركته الأُمَّة وسار تاريخها في ضوئه وبهدي منه.
وعن هذا الجانب قال ابن تيمية: (إنَّ الله أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلاَّ بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم، واللسان تقارنه أمور أخرى: من العلوم، والأخلاق، فإنَّ العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله، وفيما يكرهه، فلهذا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة)(35).
وقال في مكان آخر: (اعلم أنّ اعتياد اللغة: يؤثر في العقل والخلق والدين، تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأُمَّة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق)(36).
لقد سبق شيخ الإسلام برؤيته هذه علماء اللغات الذين خلصوا إلى القول بأنّ اللغة ليست مجرد أداة للفكر بل هي جزء منه ووسيلة للتميُّز والحفاظ على الذاتية والهويَّة المستقلة عن غيرها(37).

* * *

المطلب الثاني
موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة

وإذا كانت اللغة العربية تحتل تلك المكانة في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة (التي تناولها البحث في المطلب السابق) فقد أدرك المستشرقون أهميتها ووقفوا على أثرها في وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة من جانب آخر، نقل عن (بوستل) قولـه عن اللغة العربية: (... إنَّها تفيد بوصفها لغة عالميَّة في التعامل مع المغاربة والمصريين والسوريين والفرس والأتراك والتتار والهنود، وتحتوي على أدب ثري، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس، وأن ينقضهم بمعتقداتهم التي يعتقدونها، وعن طريق معرفة لغة واحدة (العربية) يستطيع المرء أن يتعامل مع العالم كله)(38 )، ويتباهى (بوستل) أنَّه يقطع العالم الإسلامي من أقصى غربه إلى تخوم الصين دون حاجة إلى مترجم( 39). وما ذلك إلاَّ لأنه حذق العربية لغة العالم حينذاك.
ويعترف أغلب المستشرقين بأنَّ القرآن الكريم هو سبب عالميَّة اللغة العربية، وللمثال على ذلك ما قاله (كارل بروكلمان): (بلغت العربيَّة بفضل القرآن من الاتساع مدى لاتكاد تعرفه أيُّ لغة أُخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلاتهم)( 40).
ويقول (برنارد لويس): (وقد وجد الطلبة الإنكليز في الهند لدى دراستهم لغات مسلمي الهند ومدنيتهم، أن أبحاثهم وتنقيباتهم تحتم عليهم دراسة العربية التي هي أساس الثقافة الإسلاميَّة في أيِّ لغة من اللغات)(41 ).
وانطلاقًا من هذه الحقيقة توافر فئام من المستشرقين على تعلم العربية ودراستها ودراسة علاقتها بالإسلام و (كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فبحثوا في فقهها، وأصواتها، ولهجاتها، ونحوها، وصرفها، وأصولها، ومعاجمها، وأطوارها، وغزارتها، ومادتها، وفلسفتها، وعلاقاتها باللغات الأخرى، وخاصة اللغات الساميَّة، ومميزاتها وعناصرها، وتاريخها، ونقوشها، وكل ما أنتجته هذه اللغة)( 42).
وفيما يأتي ذكر بعض المهتمين بالدراسات اللغويَّة العربية وذكر بعض مؤلفاتهم فيها كنماذج ترد على سبيل المثال:
• (ويهان فاك: العربية (دراسات في اللغة واللهجات والأساليب)... اهتم المؤلف في هذا الكتاب بدراسة العلاقة بين الإسلام واللغة العربية، ودرس خصائصها وارتباطها بالقرآن الكريم، وتطورها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياتها في العهد الأموي، وأطوارها في العهد العباسي... وسيطرتها على العالم الأدبي والعلمي والفكري، ولهجاتها وفصاحتها، وظهور اللغات الدارجة، والعلاقات اللغويَّة في المحيط الإسلامي...، وبداية مرحلتها الحديثة بحملة نابليون، ومشكلة اللحن وأطوارها، وغيرها من المسائل)(43 ).
• (إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية... بحث في اللغة العربية ومنزلتها بين اللغات السامية الأخرى، ثُمَّ في اللهجات العربية البائدة واللهجات العربية الباقية، مشيرًا إلى المنهج العلمي لعلماء الاستشراق في دراستهم للغة العربية وما يتعلق بها)( 44).
• هنري فليش: العربيَّة الفصحى... درس اللغة العربية بإسهاب... من جوانبها الصوتيَّة والصرفيَّة والاشتقاقيَّة)( 45).
• (يوسف جبرا: تاريخ دراسة اللغة العربيَّة بأوروبا، بحث في تاريخ دراسة العربية بأوروبا قديمًا وحديثًا، واهتمام علماء الاستشراق بها ومتعلقاتها)(46 ).
ومن المستشرقين من توافر على (المعجم العربي كشفًا وتحقيقًا ونشراً، ودراسة)(47 )، ومنهم الآتية أسماؤهم:
• (ما ثيو لمسدن: نشر القاموس المحيط لمجد الدين الفيروزآبادي.
• إدوارد وليام لين: له مد القاموس، وهو معجم عربي إنجليزي... وقد ضمن مقدمته وصفًا لعدد غير قليل من المعاجم العربية القديمة جاء في الإيجاز والإفادة)( 48).
• (وليام رايت: له جرزة الحاطب وتحفة الطالب، وهو اسم مجموعة تحتوي على: صفة السرج واللجام لابن دريد، وصفة السحاب والغيث لابن دريد أيضًا، وتلقيب القوافي لابن كيسان)(49 ).
• (فريتس كرانكو: له بواكير المعاجم العربية حتى عصر الجوهري... ونشر: المأثور فيما اتفق لفظه واختلف معناه)( 50).
• (أرثر ج. أربري: نشر تمام الفصيح لابن فارس)( 51).
وكل هؤلاء المستشرقين من الإنجليز وغيرهم كثير من مختلف الجنسيات الأوروبية والأمريكية والروسية بذلوا جهودًا كبيرة في خدمة المعجم العربي في مجال التحقيق والترجمة والنشر( 52).
ومن المسشرقين من شارك في المجمعات اللغوية العربية في كل من مصر ودمشق وبغداد وغيرها وأسهم بجهوده في خدمة تلك المجامع(53 )، وتسلَّلَ بعض المستشرقين في هذه المجمعات لنفث سمومه وقوادحه في اللغة العربية من خلال دراساته وآرائه التي يسهم بها في أعمال تلك المجمعات وفقًا لقول الشاعر:
..................... (وداوني بالتي كانت هي الداءُ)( 54)
ومهما يكن من جدية هذه الدراسات والبحوث والأعمال التي تصدّى لها أعداد كبيرة من المستشرقين، ومهما يكن لها من إيجابيات فإنَّه قد شاع من بينها شبهات أحاقت باللغة العربية وكادت أن تقتلها بتضافر تلك الدراسات الاستشراقية مع الخطط الاستعمارية والتنصيريَّة والتغريبيَّة(55) التي جندت أفرادًا من المستشرقين لإشاعة تلك الشبهات على أنَّها مِمَّا يعوق تطور اللغة العربية، وبالتالي فإنَّها عوائق في مسيرة العرب الحضاريَّة.
وللمثال على ذلك ما قالـــــــــه (دوفرين) في تقريـــر وضعــــــــه عــــــام (1882 م): (إنَّ أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامَّة تتعلم الفصحى العربية)( 56)، ولتحقيق تلك السياسات الرامية (لزعزعة مكانة اللغة العربية ومكانة موروثها الذي يحتفظ بمقومات المجد الأصيل، ويدخر للأجيال صورًا مشرقة من تاريخهم التي يطمع الغربيون في طمسها، وكان من المستحيل التفكير في إحلال أي لغة أجنبيَّة أو تشجيعها ولكنه من المعقول في رأيهم التفكير في اللغات العاميَّة العربية وإعطائها فرصة للظهور على مسرح الحياة الثقافية والفكرية، ومن هذا الأمل في نفوسهم بدأت انطلاقة العاميَّة الأولى)(57 )؛ لذلك فُتحَتْ المدارس المتخصصة المتشعبة عن الدراسات الاستشراقية في أكثر من بلد غربي لدراسة العاميات الدارجة في شعوب العالم الإسلامي بعامة والبلاد العربية بخاصة( 58)، (وركزوا برامج تلك المدارس على التفقه في العاميات خاصة واستمروا على هذا الحال حتَّى أصلوا دراستها في نفوس عدد كبير من العرب الذين أخذوا مبدأ الاهتمام بالعاميات على أنَّه ثقافات إقليمية وبدأوا بنشرها في بلادهم على الطريقة والمنهج الذي سارت عليه مدارس الاستشراق سواء بسواء)( 59).
وفيما يأتي إيراد لأهم الشبهات ثُمَّ الرد عليها:
1- قصور اللغة العربية عن التطور الحضاري وعجزها العلمي.
2- صعوبة نطقها وصعوبة كتابتها.
3- ارتفاع مستواها عن فهم الناس.
4- التفاوت فيها بين طريقة النطق وطريقة الكتابة( 60).
وحرص المستشرقون القائلون بهذه الشبهات على أن تكون شبهاتهم هذه من المسلمات، ولذلك انتقلوا من مناقشتها في أساسها والبحث العلمي فيها إلى طرح أساليب ووسائل أخرى للخروج بالعربية من تلك الأزمات التي اختلقوها، ومجمل تلك الوسائل والأساليب فيما يأتي:
2- كتابة اللغة العربية أو العاميَّة بالحرف اللاَّتيني.
3- الدعوة إلى العاميَّة، وتقعيدها.
4- إهمال الإعراب.
5- الدعوة إلى تطوير اللغة والتصرف فيها( 61).
الرد على الشبهة الأولى:
إن رمي اللغة العربية بالقصور وعدم الكفاية العلميَّة تهمة لاتتفق مع حقيقة اللغة العربية؛ لأنَّها لغة حيَّة عمليَّة لها طاقة هائلة على استيعاب المعاني الغزيرة في الكلمات القليلة( 62)، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه عن هذا الجانب في اللغة العربية: (ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظًا، ولانعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبيٍّ)(63 ).
وقد أقرت هيئة الأمم المتحدة عالمية اللغة العربية وأدرجتها في اللغات المعتمدة (كلغة سادسة لشعوب الأرض كافة، يتكلمها ما يزيد على (180) مليون من العرب، ويقدسها المسلمون؛ لأنَّهَا لغة القرآن الكريم ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم)( 64).
ومِمَّا جاء في قرار الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة الذي اتخذته بالإجماع في دورتها الثامنة والعشرين لسنة (1973 م): (إنَّ اللغة العربية أدت دورًا مهمًّا في الحفاظ على حضارة الإنسان وتراثه الثقافي، وفي العمل على نشرهما)( 65).
ولئن خرجت اللغة العربية من صراعها مع الاستشراق والاستعمار أو كادت أن تخرج بهذه النتيجة فإنها في حقيقة الأمر اللغة الأولى ويكفيها شرفًا أنَّ الله اختارها لكلامه المجيد، وما أصدق ما قاله (حافظ إبراهيم) في رده على شبهات المستشرقين وتلاميذهم على لسان اللغة العربية:
وسعت كتاب الله لفـــظًا وغايـــــــةً وما ضقتُ عن آيٍ بـــــــــه وعظـــــــــــــــــاتِ
فكيف أضيقُ اليـــوم عن وصف آلةٍ وتنسيق أسْــــــــــــــــمَاء لمخترعـــــــــــــــــــاتِ
أنا البحرُ فــي أحشــــائه الدر كامنٌ فهــل ســـــألوا الغُوَّاصَ عـن صدفاتي ؟( 66)
أمَّا الاعتراف للغة العربيَّة بأنها حافظت على تراث الإنسان وعملت على نشره فإنَّ ذلك جزءٌ من الحقيقة، وجزؤها الآخر هو ما أسهمت به اللغة العربيَّة من صنع الحضارة الحديثة في مختلف مجالاتها، وما أضافت من ابتكارات علميَّة ومنهجيَّة إضافة لتلك الوحدة السلميَّة الفذَّة بين شعوب المعمورة التي عبَّرَت عنها المستشرقة (زيغريد هونكة) بقولها: (إنَّ كل الشعوب التي حكمها العرب اتحدت بفضل اللغة العربيَّة والدين الإسلامي، بتأثير قوة الشخصية العربيَّة من ناحية، وتأثير الروح الإسلاميَّة الفذَّة من ناحية أخرى، في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم)( 67).

رد مع اقتباس