في تاريخ الشعر العربي
لا يمكن اعتبار الحداء أصلا للشعر العربي كما يقال كثيرا، ففي هذا القول إجحاف شديد ومخالفة لعوائد الأحوال الطبيعية. ومثله في السذاجة القول إن النثر العربي نشأ من سجع الكهان وهلوستهم ... وهذا القول أخطر من الأول لأنه يتعرض لنص القرآن الكريم دون وجود أي سبب علمي لذلك غير الجهل في طبائع الأشياء!
هنالك لغز كبير في نشأة الشعر العربي والنثر العربي والأدب العربي عموما مرده إلى اللغز الأكبر الناتج عن جهلنا بمراحل تطور اللغة العربية، التي لا نعرف عنها إلا الشيء القليل جدا وذلك لانعدام وجود المصادر.
نحن نعرف أن العربية عربيتان: عربية الجنوب (ودونت ابتداء من الألفية الثانية قبل الميلاد)، وعربية الشمال (ودونت في القرن الثالث بعد الميلاد). فالبون الزمني بين تدوين العربيتين شاسع جدا. وصحيح أن اكتشاف نصوص مدونة باللهجات الثمودية واللحيانية والصفوية، وهي لهجات عربية شمالية تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، كان بمثابة حلقة الوصل بين العربيتين، إلا أن المعلومات اللغوية التي تحتويها تلك النصوص ضئيلة جدا. ولا مجال لحل اللغز في تاريخ الشعر العربي إلا بحل اللغز في تاريخ اللغة العربية، وهذا لا يكون إلا بالتنقيب الأثري في شبه الجزيرة العربية!
لماذا هذه المقدمة؟ لأن أهل الاختصاص من العرب والعجم يجمعون على أن اللغة العربية الشمالية، التي ظهرت فجأة في القرن الثالث/الرابع بعد الميلاد، ظهرت غاية في الكمال اللغوي بحيث فاقت جميع اللغات الجزيرية (ومنها البابلية التي دونت في الألفية الثالثة قبل الميلاد) وغير السامية (ومنها السانسكريتية والفارسية واليونانية واللاتينية) كمالا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان تطور السانسكريتية، وهي دون العربية في كل شيء، استغرق ألفي سنة، فكم سنة مرت على العربية قبل بلوغها هذا الكمال اللغوي؟! السؤال نفسه ينطبق على بحور الشعر العربي: فهي أكمل بحور الأمم كما ونوعا ووزنا وموسيقى ووفرة.
إذن: علينا أن نترك الإبل والحداة جانبا، ولنبحث في تاريخ اللغة، فهو الشرط الأساسي لمعرفة تاريخ الشعر العربي .. وليركز الجادون من الطلاب الباحثين عن مواضيع للماجستير والدكتوراة، جهدهم على هذه القضايا في اللغة والأدب، لأن مجال االبحث فيها لا يزال مفتوحا على مصراعيه، وليتوقفوا عن اجترار الروايات التي وردت في كتب الأوائل دون إضافة أي شيء مفيد إليها!