خامسا:
الجناس: تحفل مقامات الحريري بكافة أنواع الجناس المتعارف عليها في كتب البلاغة قديمها وحديثها، والتي أكثر منها الحريري في مقاماته، بل قد تكون أحيانا الغرض الأساس من وراء بعض المقامات، كالمقامة الحلبية مثلا؛ وذلك بغية إظهار براعة كاتب المقامات في مثل هذا النوع من المحسنات البديعية التي يتوق إليها الحريري ويتحين الفرص لإظهارها، بل قد يكون باب الجناس من أكثر الأبواب التي استشهد بها البلغاء من كلام الحريري في مقاماته شعرا ونثرا، ومن هذه الأنواع جناس التركيب وهو أن يكون أحد لفظي الجناس تاما والآخر مركبا، وشاهده من مقامات الحريري قوله في المقامة الرازية (ص:209):
ولا تلهُ عن تَذكارِ ذنبِكَ وابكِهِ بدمعٍ يُضاهي المُزْنَ حالَ مَصابِهِ
ومثّلْ لعينَيْكَ الحِمامَ ووقْعَـــهُ وروْعَةَ مَلْقاهُ ومطْعَمَ صـــابِــهِ
استشهد به ابن الناظم في «المصباح» في باب التجنيس المركب واكتفى به، وجعله من المرفو حيث قال:" المرفو قسمان: أحدهما ما رفي إحدى كلمتيه ببعض الأخرى كقول الحريري:
ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه بدمع يحاكي الوبل حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعــه وروعة ملقاه ومطعم صـابه"(27)
ذكره القزويني في «الإيضاح» وجعله من شواهد جناس التركيب حيث قال:" إن كان المركب منهما مركبا من كلمة وبعض كلمة سمي مرفوا كقول الحريري ثم ذكر البيتين"(28).
وذكره بعد ذلك السبكي في «عروس الأفراح» بعد عرضه لكلام القزويني؛ وعلق على الشاهد بقوله: "يعنى أنض المصاب في الأول مفرد، والثاني مركب من «صاب»، و«ميم» مطعم، ولا نظر إلى الضمير المضاف إليه فيهما، فالأول مفرد، والثاني مركب من كلمة وبعض أخرى"(29)
وممن استشهد به ابن عربشاه في «الأطول» وجعله أيضا من الجناس المرفو(30)، وعلق عليه الصعيدي وذكر موضع الشاهد فيه وهو (مصابه ومطعم صابه)(31).
ومن شواهد الجناس أيضا في مقامات الحريري والتي أوردتها كتب البلاغة قوله في المقامة الحلبية(ص:501):
والمكْرُ مهْما استطَعْتَ لا تــأتِهِ لتَقْتَني السّؤدَدَ والمَكرُمَــــهْ
وقد أورد هذا الشاهد ابن حجة الحموي إلى جانب الشاهد الأول وجعله من أنواع الجناس المركب وسماه أيضا مرفوا، وعرفه بأن يكون أحد الركنيين جزءا مستقلا والآخر مجزءا من كلمة أخرى، وعلق على الشاهدين معا بقوله:" وهذا النوع لا يخلو من تعسف وعقادة في التركيب"(32)، كما أورده المرشدي في «شرح عقود الجمان»، وجعله من الجناس التام المركب المفروق المرفو(33).
ومن شواهد الجناس أيضا والتي أوردها ابن حجة الحموي في «خزانة الأدب» قول الحريري في المقامة الحلبية (ص:499) أيضا:" زُيّنتْ زينَبٌ بقَدٍّ يقُدُّ " وجعله الحموي من الجناس الذي اجتمع فيه التصحيف والتحريف(34). ويبدو من كلام الحموي أنه يذم هذا النوع من المحسنات التي تشهد على شدة تكلف الكاتب من أجل إظهارها؛ لأنها لا تأتي عفو الخاطر بل تأتي عن مشقة وطلب وتكلف.
تعتبر المقامات بالنسبة للبلاغيين مجالا خصبا لاستقاء شواهد الجناس على اختلاف أنواعه ومن شواهده في مقامات الحريري ما ذكره القزويني في «الإيضاح» وهو قوله في المقامة المغربية (ص:163):" وبَيْني وبينَ كِنّي ليلٌ دامِسٌ. وطريقٌ طامِسٌ"، وجعله القزويني من الجناس المضارع لتقارب حرفيه المختلفين(35).
كما استشهد به السبكي في باب الجناس الناقص حيث قال:" ثم الحرفان اللذان وقع الاختلاف بهما، إن كانا متقاربين سمي الجناس مضارعا، وهو أي اختلاف الحرفين بالنوع إما في الأول، كقول الحريري: بيني وبين كنى ليل دامس وطريق طامس فالاختلاف بالطاء والدال، وهما حرفان متقاربان، كلاهما من الحروف الشديدة"(36)، ونجد السبكي يذكر العلة في الشاهد أعلاه وهو تقارب الحرفين المختلفين الطاء والدال، ودخولَ الشاهد في باب الجناس الناقص.
وجعل العباسي أبيات الحريري (المقامة الكرجية ص:254):
للهِ من ألبَسَني فَـروةً أضحتْ من الرِّعدَةِ لي جُنّــهْ
ألبَسنِيها واقِياً مُهجَتــي وُقّيَ شرَّ الإنْسِ والجِنّـــهْ
سيَكتَسي اليومَ ثَنائي وفي غدٍ سيُكسى سُندُسَ الجَنّـهْ
من شواهد الجناس المحرف.
ومن شواهد الجناس في مقامات الحريري والتي ذكرها ابن عربشاه في الأطول(37) قول الحريري في المقامة الشتوية (ص:475):
وذا ذِمامٍ وفَتْ بالعَهْدِ ذمّتُهُ ولا ذِمامَ لهُ في مذهَبِ العرَبِ
وقد استشهد به ابن عربشاه في باب الجناس المتماثل، وعلق عليه بقوله:" مع أن الذمام الأول مفرد بمعنى العهد والثاني جمع ذمة بالفتح وهي البئر القليلة الماء" (38)، وذكر هذا الشاهد أيضا المرشدي في "شرح عقود الجمان" وعلق عليه أيضا(39).
وأضاف القزويني شاهدا آخر في باب الجناس وهو قول الحريري في المقامة الدمياطية (ص:42): " ولا أُعطي زِمامي، مَنْ يُخْفِرُ ذِمامي" وجعله من الجناس اللاحق(40) لأن حرفيه المختلفين غير متقاربين، وقد وقع في أول الكلمتين (زمامي/ذمامي).
ـــــــــــــ
الهوامش:
*الحريري: هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الحرامي، وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربعمائة ببلد قريب من البصرة يسمى المشان. قرأ الأدب على أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني البصري بها، وكان غاية في الذكاء والفطنة والفصاحة والبلاغة، ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، عين صاحب الخبرة بالبصرة وظل بهذا المنصب حتى وفاته. وللحريري تصانيف حسان تشهد بفضله وتقر بنبله، ومنها:« درة الغواص في أوهام الخواص»، ومنها «ملحة الإعراب» وهي عبارة عن منظومة في النحو، وكتاب «المقامات» وكذلك له شعر كثير غير شعره الذي في المقامات، توفي سنة ست عشرة، وقيل خمس عشرة وخمسمائة بالبصرة.[معجم الأدباء، 5/2202-2216]، [وفيات الأعيان، 4/63-68].
1 – المقامة شوقي ضيف ص:7.
2 – مقدمة تحقيق شرح مقامات الحريري للشريشي لإبراهيم شمس الدين ص:3.
3- دراسات أدبية وإسلامية ص:128.
4- معجم الأدباء(إرشاد الأريب)،5/2205.
5- المقامة شوقي ضيف، ص:77.
6- شرح مقامات الحريري للشريشي 1/8.
7- مقدمة تحقيق شرح مقامات الحريري، ص:4.
8- المقامة شوقي ضيف ص:65.
9-المصدر نفسه ص:66.
10- الإيضاح للقزويني ص:299.
11- شرح مقامات الحريري للشريشي 1/339.
12- التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات ص:110.
13-الإيضاح ص:358.
14- المصدر نفسه ص:359.
15- المصدر نفسه ص: 359-360.
16-المطول ص:732.
17-خزانة الأدب وغاية الأرب1/408.
18- الإيضاح ص:14.
19-المثل السائر 1/289.
20-عروس الأفراح1/77.
21-بغية الإيضاح 1/18.
22- الإيضاح ص:288.
23- المصدر نفسه ص:291.
24- عروس الأفراح2/230.
25- خزانة الأدب وغاية الأرب2/453.
26- بغية الإيضاح4/578.
27-المصباح ص:206-207.
28- الإيضاح ص:324.
29- عروس الأفراح2/285.
30-الأطول2/457.
31-بغية الإيضاح 4/241-242.
32- خزانة الأدب وغاية الأرب1/60.
33- شرح عقود الجمان للمرشدي، ص:162.
34- خزانة الأدب وغاية الأرب، 1/86.
35- الإيضاح ص:326.
36- عروس الأفراح2/289.
37- الأطول2/454.
38-المصدر نفسه.
39- شرح عقود الجمان للمرشدي، ص:161.
40- الإيضاح ص:326.