عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:14 PM ]


- مظهر المزاحمة في الاستعمال :
وله صورتان كبيرتان:
< صورة مزاحمة اللغات الأجنبية ولاسيما الفرنسية بحكم حادثة 1912 وهي مزاحمة إبعاد لا مزاحمة إمداد وإسناد. وعند واقع التعليم منذ الابتدائي حتى نهاية التعليم العالي الخبر اليقين؛ حصصا ومعاملات وتخصصات …. وآفاقا وتوجّهات وارتباطات…
ولكثير من مؤسسات القطاع العام والخاص إمداد وإسناد لذلك الإبعاد.
ولحسيس العولمة بالخارج والداخل هدير وزئير، وهي تفور تكاد تَمَيَّزُ من الغيظ، لمن ألقي فيها إذا ألقي فيها شهيق وزفير..
هذه صورة وهي الأكبر والأخطر، والأدهى والأمر.
< وصورة مزاحمة اللهجات المحلية. وكثيرا ما يضخم خطرها تغطية وصرفا للأنظار عن الخطر السابق الأكبر.
ثالثا- محاولة لحصر الإشكال:
تلك المظاهر على تنوعها وتباعدها، مردها عند التأمل في عللها، ومحاولة حصرها، إلى سبب واحد وحيد هو الجهل.
أجل، الجهل بأنواعه الثلاثة أيضا:
أ- جهل بجدوى الاستعمال :
الذي هو سبب الترك والإهمال؛ إذ لو عرف الجاهلون به فوائد العلم به حاضرا ومستقبلا، وفوائد استعماله في مختلف المجالات لطلبوه وقدموه، ولو عرف ذلك الرافضون لرفضوا ما هم فيه وتابوا مما هم عليه إليه. ولو عرف ذلك المعتادون لغيره لعادوا إليه.
ولكنه الجهل المفوت لكثير من الخير، وجزى الله خيرا صاحب المثل القائل: (الّلي ما عَرفَك خَسرَك= الذي ما عَرَفَك خَسِرَك)
ب- جهل بصحة الاستعمال :
الذي هو سبب فساد الاستعمال؛ إذ لم يعد اكتساب العربية من الأصول الصحيحة الفصيحة التي كانت قبل حادثة الاحتلال (الاستعمار) في العالم الإسلامي، ونُزِّلَت مُستَنبَتَاتٌ منزلة الأصول، تَعرِف منها وتُنكٍر. وحَدَثَ في هذا الظرف وأُحدِثَ «الحديث» مبتوتا مقطوعا أو يكاد من القديم، فكان، نتيجةَ الشرخِ الأخدود، شروخ في اللغة وفي غير اللغة….
ولن يستقيم أمر اللغة إلا بميزان اللغة….
ولن يستقيم أمر العربية إلا بميزان العربية…
وإنما رأس البيان، في ميزان العربية وبميزان العربية، القرآن.
وما لم يؤسس التعليم على القرآن فلن يستقيم لاستعمال العربية ميزان.
ج- جهل بضرورة وحدة الاستعمال :
الذي هو سبب المزاحمة في الاستعمال؛ إذ لو علمنا وأيقنا أن لابد من لغة واحدة في الاستعمال لتسهيل الجمع ومنع التفريق، وتسريع التفاهم ودفع التصادم، وتكثير الائتلاف وتقليل الاختلاف …. إلى غير ذلك من لوازم رص الصف والانطلاق الجماعي في اتجاه التنمية الشاملة، والإبداع الحضاري المتميز.
لو علمنا ذلك لاخترنا، واقعا واستعمالا، كما اخترنا، دستورا وميثاقا، العربية والعربية خاصة، لأسباب كما تقدم متعددة كثيرة.
رابعا- اقتراح حل للإشكال :
لا جرم بعد الذي تقدم أن الحل يكمن في هذا اللفظ القليل المفيد:
القضاء العلمي المنهجي الشامل على الجهل بأنواعه الثلاثة:
أ- القضاء العلمي على الجهل بالبحث العلمي للإشكال استيعابا وتحليلا وتعليلا وتركيبا من مُؤَهَّلِين مُعافَين، أقوياء أمناء لا تأخذهم في العلمية لومة لائم.
ب- القضاء المنهجي بالتخطيط والتنفيذ المحكم التدريجي الذي لا يؤخر ما حقه التقديم، ولا يقدم ما حقه التأخير، ولا يساوم على ثابت من أجل متغير، ولا على اختيار بسبب ضغط كبار.
ح- القضاء الشامل بتتبع الإشكال في كل المجالات حسب الأولويات على المستوى الرسمي والشعبي معا.
ولا شك أن ذلكم القضاء يتطلب على رأس ما يتطلب:
1 – القرار السياسي السريع والإرادة السياسية الحازمة الحاسمة.
2 – التعاون الصادق المستمر من جميع مؤسسات المجتمع ومكوناته.
خامسا- خاتمة في لوازم البدء والإتمام:
وإنما يلزم الإتمام بالشروع كما يقرر ذلك علماؤنا. وأول الشروع، الشروع في السير في الاتجاه :
اتجاه من يبده القرار إلى الإسراع في اتخاذ القرار (فقد بلغ السيل الزبى ووصل الحزام الطُّبيَينِ.)
اتجاه من يعلم الحال والمآل إلى الإلحاح في الطلب بالتي هي أحسن لتحسين الحال والمآل
اتجاه من يجهل واقع الأوضاع إلى الحرص على الاستماع للتي هي أقوم بالتي هي أسرع.
وأخيرا : وا لغتاه!
وا عربيتاه!!
فهل يسمع المعتصم النداء؟
وهل يسارع أهل الحل والعقد لكشف البلاء؟
وهل يتعاون أحياء الأمة على كشف الغمة؟


*ضرورة العـودة إلى القرآن الكريم
قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (المائدة:15-16). وقال : «خيركم من تعلّم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).

لقد أمرنا ربنا أن نَذكر نعمَه علينا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم(المائدة:11). وإن من النِّعم العظمى علينا أنْ جعلنا من أبناء آدم وهي نعمة يجب أن تُذكر، لأن هذا المخلوق -أبانا آدم- كرّمه الله -سبحانه وتعالى- واستخلفه، إذ قال قبل أن يَخلقه: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة (البقرة:30). إنه تعالى كرّم هذا الخليفة وكرّم أبناءه من بعده جميعًا حيث كونهم بني آدم: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (الإسراء:70)؛ إنها نعمة عظيمة ينبغي أن نتفكر فيها ونذكرها، لأن النعم إنْ لم تُذكر لن تُشكر، فأول الشكر للنِعم أن تُذكر. ونعمة «التكريم» نعمة عظيمة جدًّا، ونِعمة «الخلافة» عن الله نعمة عظيمة جدًّا، ولكن على قدر النِعم تكون المسؤولية. هل مَنّ الله علينا بهذه النعمة العظيمة فقط؟ ما أكثر نعم الله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا (إبراهيم:34).

نعمة الإسلام :

من النِّعم التي فوق هذه النعمة هي نعمة الإسلام التي قال الله عنها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (المائدة:3)، نعمة الإسلام إذن أعظم من النعمة السابقة. فكَم من أبناء آدم لا يتمتعون بنعمة الإسلام التي بها -لا بغيرها- يتم الفوز في الدنيا والآخرة. إنها نعمة كبيرة ينبغي أن نُفكر فيها فلِـمَ اجتبانا الله واصطفانا من بين أبناء آدم ليَمُنّ علينا بهذه النعمة؟ ينبغي أن نفكر ونَذكر هذه النعمة ذكرًا يدفعنا إلى الشكر، ونتأمل في الفوائد الكثيرة لها، وحسبك أن النجاة بها في الدنيا، والفوز والنجاة الحقيقية بها في الآخرة، إذ لا فوز هناك إلا بالإسلام: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (مريم:71-72). والمسلمون «مُتقون»، إذ لا يُتصور إسلام بغير تقوى، وهدايةُ الله في كتابه -الذي هو الهدى- لا تنفع غير المتقين، وهم وحدهم الذين يهتدون بهذا الكتاب: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)، كما أن قبول الأعمال إنما يكون من المتقين، ووراثة الجنة تكون بما عملنا هنا: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الأعراف:43)، والوارثون للجنة هم المتقون: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ (المؤمنون:10-11). إذن نعمة الإسلام لا تُقدّر بثمن لفوائدها في الدنيا وفائدتها العظمى في الآخرة، إذ الحياة حياتان، حياة صغيرة بمثابة مقدمة لموضوع لا نهاية له اسمه «الآخرة» وهي الحياة: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون(العنكبوت:64). وبالتالي فإننا نتمتع بنعمة أخرى أعظم من هاته النعمة، حيث نشترك فيها مع العديد من الأمم مضت من المسلمين، لأن جميع الأمم السابقة هم مسلمون؛ جميع الأنبياء كانوا مسلمين، موسى مسلم، وعيسى مسلم، وأتباعهما مسلمون، ودينهم الإسلام لا غيره. فمقولة الأديان السماوية، خرافة، لأن الدين واحد عند الله وهو الإسلام: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران:19)، إلا أنه نزل على مراحل حسب حاجات الإنسان وحسب حكمة الله سبحانه. وحين وصلت الأمة إلى مستوى من النضج، جاءها الكتاب الذي نَزل منه بعض الكتب من قبلُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ (النساء:44)، أما هذا فـألم، ذلك الكتاب هو الذي في الذِّكر الأصل، وهو كتابٌ مصدقٌ لما بين يديه من الكتاب ومهيمنٌ عليه. فهذا هو الكتاب، نَزل في صورته الخاتمة، في الصيغة الأخيرة لأبناء آدم نزولاً تامًّا كاملاً لا نقص فيه ولا عيب: لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ (فصلت:42).

نعمة الشهادة على الناس

إن كان الإسلام نعمة تشترك فيها الأمم الأخرى قبل أمة محمد ، فما هي النعمة التي لا يشاركنا فيها غيرنا إذن؟ إنها نعمة «الشهادة على الناس». ما نَزل من الكتاب من قبلُ، استحفظ عليه الناس: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (المائدة:44). أما هذا الكتاب -حيث لن يأتي بعدُ لا نبي ولا رسول -فحُفظ من الله- سبحانه وتعالى- : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون(الحجر:9). فمن الذي يقوم بوظيفة الأنبياء التي تتلخص في تجديد أمر هذا الدين وتبليغ رسالة الله لمن لم تَبلُغه؟ تلك هي رسالة هذه الأمة، وهي النعمة الثالثة الكبرى التي تخص المسلمين من هذه الأمة (أمة محمد )، لأن رسالته تتشخص بـيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (الأحزاب:45)، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا (النساء:41)؛ هذه الصفة الملخِّصة لوظيفته ورسالته هي نفسها لأتباعه من بعده في صورة أمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (البقرة:143)، هي نفس الصفة التي للرسل: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة:143). هذه النعمة تتضمن ما سواها وتزيد، وفيها التشريف الكبير، ولكن -كما أشرت في البداية- ما من نعمة إلا وتَستَتبع مسؤولية؛ إذ هي أمانة تتطلب الأداء، فإن أُديت كان الجزاء العظيم، وإن لم تؤد كان الوزر الغليظ، فعلى قدر الأمانة يكون الأجر أو الوزر. وبما أن هذه الأمانة عظيمة جدًّا، فإن أجرها -إن حملناها بأمانة وأديناها بكفاءة- سيكون عظيمًا جدًّا. ولكن إذا لم نَحملها بأمانة ولم نؤدها بكفاءة وجدارة، فإن وزرها لا يكاد يُتصور؛ مَن ضُربت عليه الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله سبحانه صارت لهم الولاية علينا. مَن يريد العزة فإن العزة لِله جميعًا. والعزة أصلاً لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكننا نعيش حياة الذُّل، حالة الذُّل على المستوى المحلي وعلى المستوى العالمي، لِم هذا كله؟ إن القصة تتلخص في شيء بسيط اسمه «هدى الله»، الذي قال الله فيه لأبينا آدم بعد أن أَهبطه من الجنة إلى الأرض: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا (طه:123-124)؛ لأن الهدى موجود وأعرض عنه، كما عبر في الآية: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا (الأعراف:175)؛ هي بمثابة جلدٍ يَلبسه فأزاله، والأصل في اللباس أن يقي ويستر، فحين انسلخ أتبعه الشيطان، لأن الأصل الأول حين أكل أبونا آدم وأُمّنا حواء من الشجرة، بدت لهما سوءاتهما. فالمعصية تخرق الجُنة أيْ الرداء أو الدِرع الذي يمنعنا من الضلال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (الأعراف:26). هذا الذي هو واقعٌ سببه واضح جلّي، إنه الانسلاخ من «هدى الله»، والإعراض عن «هدى الله»: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (طه:124).

هذا الذكر وهذا الكتاب يوم استضاء به أعراب الجزيرة العربية وبَدْوِها، فتحوا الكرة الأرضية شرقًا وغربًا جنوبًا وشمالاً. عقبة بن نافع أدخل حوافر فرسه في البحر وقال: «لو كنت أعلم أرضًا وراء هذا البحر لخضته بفرسي، فاتحًا لها ومُبلغًا نور الله لعباد الله». وفي نحو نصف قرن تقريبًا، امتد من المحيط الأطلسي مع ثلة من الأعراب والبدو -وليس مع جيش منظم أبدًا- لا عُدّة ولا عتاد ولا عدد، وإنما مخلوقات جديدة ولدت ولادة جديدة بنفخ روح القرآن فيها، لأن القرآن روح تُنفخ لا كلمات تُتلى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس(الأنعام:122)؛ فبدون القرآن نحن أموات غير أحياء، وبالقرآن نصير أحياء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال:24). فحين نصير أحياء تنفع فينا النِّذارة: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا (يس:70). أما الذي ليس بحي فكأنما تَنفُخ في رماد بارد. الملايير التي تراها في العالم، موتى غير أحياء حتى يَحيوا بالقرآن، فالذي جعل الجيل الراشد الأول يفتح العالم ويحمل النور إلى أقاصي الكرة الأرضية؛ نرى البخاري ومسلم يجمعون سنة رسول الله من أقصى شمال الكرة الأرضية، ونرى طارق بن زياد يحمل النور إلى أوربا، وغيره يحملون النور إلى أقاصي السند والهند في شرق الكرة الأرضية. ذلك كله إنما كان بهذا القرآن فقط، لكن ليس بالقرآن النصّي المعزول الموضوع على الرف بالنص المزين المزخرف، بل بالقرآن الذي يسكن عمق القلب، ويسري عبر العروق ليسكن الخلايا، لينفخ روحًا جديدة فيك، ليولدك ولادة جديدة إلى أن يجعلك خلقًا آخر:ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ (المؤمنون:14). إن القرآن روح بنص القرآن نفسه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا (الشورى:52). القرآن، له نفس خاصيةِ الروح، والتعبير عنه بنفس التعبير الذي عبر به عن الروح التي نعرف جميعًا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (الإسراء:85)، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا. وخاصية الروح العادية التي نعرف، هي توحيد الكيان الصغير للفرد، جمع شتات أجزائه وإعطاؤهما القدرات التي تصير للكائن الحي: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح» (رواه البخاري)؛ إذ ذاك يصير كما صرحت الآية: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ. تلك الروح التي نفخت في القسم الطيني من بني آدم صيّرته خلقًا آخر، والموت ليس فناء، وإنما فصل للعنصرين عن بعضهما، فيرجع العنصر الطيني إلى طينه (إلى الأرض)، وتذهب الروح إلى بارئها غير فانية حتى يعود اللقاء بعدُ. الذي رجع إلى الطين يتجزأ ويتفتت ليس له أي قدرة، كل القدرات اختفت منه بمجرد ذهاب عنصر الروح. كذلكم -وأيم الله- جسد الأمة الإسلامية، إن روحها القرآن، إذا نفخ فيها صارت جسدًا ولم تبق عِضين ولا أباديد ولا شراذم وجزئيات ولا فتاتًا مفتتة كما هو الحال، بل صارت جسمًا واحدًا كما عبر عنه الحديث: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثَل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى» (رواه مسلم). هذه الخاصية هي للجسد، والتي هي مظهر للتراحم والتعاطف والتواد… إنما كانت في الجسد بسبب الروح، وإلا حين يموت الميت قلَّ لجسده أن يحدث فيه مثل هذا.


رد مع اقتباس