ووفقا لذلك تعددت وسائل تحديد المعنى في المعجمات عامّة وفي معجماتنا العربية خاصّة وكان من أهمها :
1 -التفسير بالمغايرة وأكثر ما يكون التعبير عنها بلفظ نقيض أوضدّ أو خلاف.
2- التفسير بالترجمة ويكون بشرح المعنى بكلمة أو كلمات من اللغة نفسها أو من لغة أخري
3- التفسير بالمصاحبة وهو ما يصحب الكلمة من كلمات هي جزء من معناها الأساسي .
4 - التفسير بالسياق سواء كان ذلك السياق سياقاً لغوياً أم مقامياً .
5- التفسير بالصورة وهي من وسائل الإيضاح الحديثة التي تعين على تحديد المعنى ودقته(72 )
ونستطيع القول بأن تحليل المادة المعجمية في معجمات الألفاظ القديمة، شمل جانبي الكلمة وهما المبنى والمعنى وفيا يأتي توضيح ذلك:
أولاً : مايتعلق بالمبنى :
أ : ضبط الكلمة من الناحية النطقيّة : وقد اختلف المعجميون القدماء في الاهتمام بهذا الجانب ، فالعين ، والجمهرة ، والتهذيب مثلاً ، لم يعن أصحابها بضبط الكلمة ، ولم يجعلوه سمة بارزة لمعجماتهم ؛ ذلك أنهم لم يروا حاجة إلى ضبط الكلمة في عصرهم على حين اهتم به المتأخرون ورأوا ضرورته والحاجة إليه ، وأول من اهتم به من القدماء ، القالي في كتابه ( البارع في اللغة) ثمّ الجوهريّ في (الصحاح) ثمّ الفيروزآباديّ في(القاموس المحيط) . وقد عول القدماء في ضبط الكلمة على أمور أهمها :
1- الضبط بالنصّ أو العبارة ، ومن أمثلة ذلك قولهم :
(( شَمَج ثوبه يشمجه شَمْجا بفتح الميم في الماضي وضمها في المستقبل وسكونها في المصدر : إذا خاطه خياطة متباعد الكتب.. . ))( 73) .
وكقولهم ((دبغ الجلد يدْبَغه ويَدْبُغه بفتح الدال والباء في الماضي ، وفتح الباء وضمها في المستقبل ، وسكون الباء في المصدر . والدِباغ بالكسر ما يدبغ به. والمدْبغة بفتح الميم والباء : الموضع الذي يُدْبغ فيه))( 74)
2- الضبط بالوزن أو المثال ، ومن أمثلة ذلك قولهم :
(( لغب لغبا ولَغوباولُغوبا كمَنَع وسَمِع وكَرُم …أعيا أشدّ الاعياء… ))( 75)
وكقولهم ((الرّشَأ ، على فَعَلٍ بالتحريك ، ولد الظبية الذي قدّ تحرّك ومشى))( 76).
3- الضبط بالإعجام ، ومن أمثلة ذلك قولهم
(( َتَهّتأ الثوب : تقطّع وبَلِي ، بالتاء معجمة: بنقطتين من فوق وكذلك تهمّأ بالميم))( 77) .
ب : ضبط الكلمة من الناحية الصرفيّة و النحويّة و اللغويّة ، إِذ حاول القدماء تقديم بعض المعلومات الصرفيّة أو النحويّة أو اللغويّة التي تسهم في فهم المعنى وتوضيحه ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- تصريف الأفعال وبيان مشتقاتها ونوعها من حيث التعدي واللزوم ؛ كقول الجوهريّ ((سقط الشيء من يدي سقوطاً ، وأسقطته أنا . والَمسقَط ، بالفتح: السُقوط … والمَسقِط ، مثال المجلس : الموضع … وساقطه ، أي أسقطه… وسُقط في يده ، أي ندم … وقال أبو عمرو : ولا يقال أُسقِط في يده على مالم يسمّ فاعله …))( 78) .
2- بيان الصور غير المستعملة من بعض الأفعال ؛ كقول الجوهريّ :
(( وقولهم : دع ذا ، أي اتركه . وأصله ودع يدع وقد أُمِيتَ ماضيه ، لا يقال ودعه وإنما يقال تركه ، ولا وادع ولكن تارك ، وربما جاء في ضرورة الشعر: ودعه فهو مودع على أصله …))( 79) .
3ـ بيان ملازمة بعض الأفعال للبناء للمجهول ؛ كقول ابن منظور(( وللعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به وإن كان بمعنى الفاعل مثل زُهِي الرجل وعُِني بالأمر ونُتِجَت الشاة والنــاقة وأشباهها ))( 80) .
4ـ بيان المفرد والجمع ؛ كقول الخليل:(( وجمع الشَّعر : شُعور وشَعر وأشعار . والشِّعار ما استشعرت به من اللباس تحت الثياب ...وجمعه شُعُر ...والأشعر : ما استدار بالحافر من منتهى الجلد حيث تنبت الشعيرات حوالي الحافر ، ويجمع : أشاعر...))( 81) .
5- بيان جنسه من حيث التذكير والتأنيث؛ كقول ابن سيده((شَجُع شَجاعة : اشتدّ بأسه . ورجل شُجاع ، وشِجاع ، وشَجاع ، وأشجع ، وشَجِع ، وشَجيع ، وشِجَعَة ، على مثال عنبة ...وامرأة شَجِعَة ، وشَجِيعة، وشُجَاعة ، وشَجعاء... ))( 82)
6- بيان النسب إلى الاسم ؛ كقول الخليل(( يقال أديم عُكاظيّ ، منسوب إلى عكاظ ... ))( 83) وكقوله أيضاً ((العجم: ضدّ العرب . ورجل أعجميّ : ليس بعربيّ ))( 84) .
7- بيان المحذوف من الاسم ؛ كقول ابن منظور(( والأبُ : أ صله أَبَوٌ ، بالتحريك ؛ لأن جمعه أباء مثل قفا وأقفاء ، ورحى وأرحاء ، فالذاهب منه واو، لأنك تقول في التثنية أبوان...))( 85) .
8- ببيان درجة استعمال اللفظ فأشاروا إلى المستعمل من الألفاظ والمهمل والضعيف والمنكر والرديء والمذموم ، ومن أمثلة ذلك ، قول الأزهريّ عند كلامه عن باب العين والقاف مع الجيم (( عقم ، عمق، قمع ، قعم ، معق ، مقع: مستعملات ))( 86) وكقوله في موضع آخر من باب العين ((أهملت وجوهه))( 87) .
9- بيان اللغات الفصيحة أو المذمومة أو المنكرة ، ونحو ذلك ؛كقول الخليل مثلاً : ((الصّقْع : الضرب بِبُسسط الكف ، صقعت رأسه بيدي، والسين لغة فيه . والديك يصقع بصوته، والسين جائز . وخطيب مصقع: بليغ ، وبالسين أحسن ، والصقيع : الجليد يصقع النبات ، وبالسـين قبيح))( 88) وكقول الأزهريّ : (( وقال ابن دريد : الذَّعْج : الدفع ، وربما كني به عن النكاح . يقال : ذعجها ذعجاً . قلت : ولم أسمــع بهــذا المعــنى لغير ابن دريد ، وهو من مناكيره))( 89).
ويتبيّن لنا مما سبق أن المعجميين القدماء أدركوا أهمية اللفظ في تفسير المعنى وتوضيحه ، فدفعهم ذلك إلى الاهتمام بالمادة المعجمية من الناحية الصوتية أو الصرفيّة أو النحويّة أو اللغويّة ، غير أنها تتمايز في معالجة هذا الجانب فيتميّز البارع والصحاح والقاموس مثلاً بالضبط ، ويتميّز المحكم بالنواحي الصرفيّة والنحويّة ، و الصحاح بدرجة استعمال الألفاظ والنص على الضعيف والمنكر ونحو ذلك ، و المقاييس ببيان المعنى الجامع لأصل المادة ومشتقاتها ، ويتميّز اللسان ، والتاج بجمع الأقوال وكثرة الشواهد.
ثانياً : ما يتعلق بالمعنى :
أما الجانب الأخر للكلمة وهو المعنى فقد اهتم به القدماء اهتماماً بالغاً تمثل في وسيلتين من وسـائل الشرح والتوضيح هما ( 90) :
أولاً : الشرح بالتعريف ، والمراد به تمثيل المعنى بواسطة ألفاظ أخرى أكثر وضوحاً وفهماً . وبالتأمل في المعجمات اللفظيّة القديمة ، نستطيع أن نقسم ذلك على قسمين رئيسين :
القسم الأول: الشرح بالتعريف بألفاظ واضحة ومحددة ، ومن أمثلة ذلك :
قولهم : (( خَبَع الصّبي خُبُوعاً : أي فُحِم من شدّة البكاء حتى انقطع نفسه))( 91) فقد شرح المعنى بألفاظ واضحة وحدد معنى الخبوع بأنه حالة تكون من شدّة البكاء المؤدي إلى انقطاع النفس .
وقولهم : (( الهُبَع : الحوار الذي ينتج في الصيف في آخر النتاج، والأنثى هبعة وسمّي هبعاً؛ لأنه يهْبَع إذا مشى ، أي : يمدّ عنقه ويتكاره ليدرك أمه))(92 ) .
فقد شرح المعنى بألفاظ بينة وواضحة ، وحدد معنى الهُبَع بأنه الحِوار، ثمّ خصص بزمن معين وهو الصيف ، ثمّ حدد بآخر النتاج ، وبيّن علة تسميته وهي كونه يمدّ عنقه متكارها ليلحق بأمه.
وقولهم : (( الغِبّ: أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه يوماً ))( 93) .
فحدد معنى الغِبّ بأنه ورود الإبل للماء في زمن معين وهو يوم بعد يوم .
القسم الثاني : الشرح بالتعريف بألفاظ غامضة وغير محددة ، ومن أمثلة ذلك :
1- التعريف بكلمة (نقيض) كقول بعضهم : (( العَقْل نقيض الجهل ومنه عَقَل يعقل عقلاً فهو عاقل))( 94) .
2- التعريف بكلمة ( ضِدّ) كقول بعضهم : (( الحقّ ضدّ الباطل))( 95) .
3- التعريف بكلمة (خِلاف) كقول بعضهم : (( والعرض : خِلاف الطول ، والجمع أعراض ))(96 ).
4 - التعريف بالمرادف كقول بعضهم : ((مضى هزيع من الليل : كقولك مضى جَرْس وجَرْش وهَدِيء كله بمعنى واحد ))( 97) .
5- التعريف بكلمة ( مثل ) كقول بعضهم : (( الكُهْبَة لون مثل القُهْبَة))( 98)
6- التعريف بكلمة ( معروف ) كقول بعضهم : (( الخبيص معروف ، والخبيصة أخصّ منه . و المخبصة : الملعقة يعمل بها الخبيص ))(99 ) .
ونحو ذلك من التعريفات العامة الغامضة كقولهم : وادٍ لبني فلان ، ومكان معروف، وماء لبني فلان ، ونبات في الصحراء ، ودويّبة أو طائر ، أو موضع ، وكقولهم : البياض لون الأبيض ، والسواد لون الأسود وغيرها من الألفاظ المبهمة وغير محددة المعنى، مما دفع أحد المحدثين إلى اتهام المعجمات اللفظيّة القديمة بابتعادها عن صفات المعجم الجيد يقول(( وفي الحق أن كثيراً جداً من الألفاظ في المعجمات قد أهمل شرحها إهمالاً شنيعاً فجاءت دلالتها غامضة أو مبتورة وبعدت عن الدقة التي هي من أهم صفات المعجم الجيد ))( 100) .
والحق أن هذا الذي أشرنا إليه ، وإن عدّ عيباً من عيوب المعجم الجيد ، إلا أنه لا يقلل من قيمة المعجمات اللفظيّة القديمة إذا قارنّا ذلك بتلك الجهود التي بذلت في جمع المادة وترتيبها ، كما تقدم بل إن اعتماد الشرح بالتعريف لم يكن هو الوسيلة الوحيدة في بيان المعنى المعجميّ ، وممن اعتمد هذه الوسيلة اعتماداً كلياً الفيروزآبادي، ولكنّه مع ذلك لم يسلم من النقد اللاذع من صاحب ( الجاسوس على القاموس) فجلّ نقده كان منصباً على طريقته في شرح المعنى كالإبهام وقصور العبارة وتعريف اللفظ بالمعنى المجهول ونحو ذلك ، أما سائر المعجمات اللفظيّة الأخرى، فقد ضمت إلى جانب الشرح بالتعريف شواهد يستطيع القارئ من خلالها تحديد المعنى المراد ، على ما سنبينه فيما يأتي.
ثانيا : الشرح بالتعريف مقترناً بالشاهد ، إذ أدرك معظم المعجميين القدماء ، أهمية الشاهد في شرح المعنى فلجأوا إلى الاستشهاد بالنصوص ضمن المعايير التي وضعوها للفصاحة ، وكانت نتيجة ذلك أن جاءت مصادر احتجاجهم على النحو الآتي :
أ - الاحتجاج بالقرآن الكريم : ومن أمثلة ذلك ، قول الخليل(( عددت الشيء عدّاً : حَسَبْتُهُ وأحْصيته . قال عز وجلّ : (( نَعُدُّ لَهُم عَدَّا))( 101) يعني أن الأنفاس تُحصى إحصاءً ولها عدد معلوم ))( 102)
وقول الأزهريّ : (( قال الله عزّ وجلّ : (( كَأنَهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر)) ( 103) معنى المنقعر المنقطع من أصله ...))( 104).وقول ابن سيده : (( العرش : سرير الملك . وفي التنزيل : ((وَلَهَـا عَــرْشٌ عَظـيــِمٌ))(105) وقد يستعــار لغيره ))( 106).
وقول الجوهريّ : (( هششت الورق أَهُشُهُ هَشَّا : خبطته بعصا لِيَتَحات، ومنه قوله تعالى : ((أَهُشُّ بِها على غَنَــمِي))( 107) .
وقول ابن فارس : (( قال الله تعالى : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرسَلنا الشّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا))( 108) قال أهل التفسير : تزعجهم إزعاجاً ))(109 ).
ب- الاحتجاج بالحديث الشريف : ومن أمثلة ذلك ، قول الخليل(( الخُشْعَة : قُفٌّ ، غلبت عليه السهولة ، قفٌّ خاشع وأَكَمَة خاشِعة أي ملتزمة لاطئة بالأرض. وفي الحديث : ( كانت الكعبة خُشْعَة على الماء فَدُحِيت منها الأرض )...))( 110).
وقول الأزهريّ : ((...( روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مثل الكافر كمثل الأرزة المُجْذِيَة حتى يكون انجعافها مرّة واحدة ) . قال أبو عمرو : الانجعاف : الانقلاع . ومنه قيل جَعَفْت الرّجل ، إذا صرعته فضربت به الأرض...))(111 ).
وقول ابن سيده : (( وأكل الشيء عُرْضا : أي مُعْتَرِضا . ومنه الحديث : ( كُلِ الجُبن عرضاً) أي اعترضه . يعني كله ولا تسأل عنه : أمن عمل أهل الكتاب هو، أم من عمل غيرهم؟))(112 ) . وقول الجوهريّ : (( والحِبَّةُ بالكسر : بزور الصحراء مما ليس بقوت . وفي الحديث : (فَيَنْبِتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّة في حَمِيل السيل) والجمع حبب))( 113) .
وقول ابن فارس : (( قال الفرّاء : اَلأَلُّ رفع الصوت بالدعاء والبكاء ، يقال منه أَلَّ يَئِلُّ أليلا . وفي الحديث ( عَجِبَ ربّكم من أَلِّكم وقنوطكم وسرعة إجابته إيّاكم... )(114 ) .
والذي يبدو من تصفح المعجمات اللفظيّة القديمة هو أنّ أصحابها لم يكن بينهم خلاف في الاحتجاج بالقرآن ولا بالحديث الشريف ومن هنا رأينا المعجمات اللفظيّة تحفل بهذين المصدرين، وفي ذلك يقول السيوطيّ : (( ومن ينعم النظر في معجمات اللغة وكتب قواعدها يجد كتب اللغويين أوفر حظّاً في الاستشهاد بالشعر والنثر على السواء في إثبات معنى أو استعمال كلمة ، ويجد النحاة يكادون يقتصرون على الِشعر ))( 115)
ويعدّ تهذيب اللغة من أبرز معجمات الألفاظ في هذا الجانب ، فقد اعتنى بالشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية عناية فائقة ؛ ولا غرابة في ذلك فقد ربط الأزهريّ خاصّة وعلماء اللغة عامّة بين فهم اللغة ومعرفة الكتاب والسنة يقول الأزهريّ : (( نزل القرآن الكريم والمخاطبون به عرب أولو بيان فاضل وفهم بارع أنزله جل ذكره بلسانهم وصيغة كلامهم الذي نشأوا عليه وجبلوا على النطق به فتدربوا به يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين فيمن لا يعلم لسان العرب حتى يعلّمه ...وبيّن النبي للمخاطبين من أصحابه رضي الله عنهم ما عسى أن تمسّ الحاجة إليه…فاستغنوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون من معرفة لغات العرب والاجتهاد في تعلّم العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان))(116 ) .
ومما يلاحظ على هذه الشواهد :
1- ميل أصحاب المعجمات إلى شرح الآيات والأحاديث والتعليق عليها ، بما يخرجهم عن شرح المادة المعنية ، مما أدى إلى تضخم شرح المواد ، وذلك نحو قول الخليل–تحت مادة لعق : ((وفي الحديث :(( إن للشيطان لعوقاً ونشوقاً يسـتميل بهما العبد إلىهواه)) فاللعوق اسم ما يلعقه، والنشوق اسم ما يستنشقه ))(117 ) فشرح معنى النشوق في غير مادته .
ومثل ذلك قول الأزهري -– تحت مادة عج - : (( روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ( أفضل الحج العجّ والثجّ ) قال أبو عبيدة العجّ : رفع الصوت بالتلبية ، والثجّ: سيلان دماء الهدي ))(118) فنلاحظ أنه شرح كلمة (الثجّ ) وهي ليست من كلمات المادة .
ومثل ذلك قول ابن سيده في مادة( عجل)(( وقوله تعالى((خُلِق الإنسان من عَجَلٍ))( 119) قيل إن آدم عليه السلام ، حين بلغ منه الروح الرُّكبتين ، هم بالنهوض قبل أن يبلغ القدمين ، فقال تعالى : (( خُلِقَ الإنسَانُ من عَجَلٍ ))... ))( 120) فنلاحظ أنه ذكر جانبا من قصّة نفخ الروح في آدم عليه السلام في غير موضعها فالمادة المعجمية المشروحة هي (عجل) لا نفخ الروح.
2- ذكر الوجوه والآراء المختلفة ، وذلك نحو قول الأزهري في مادة (عجز): ((قال الله عزّ وجلّ : ((وَمَا أَنـتُم بِمُعْجِزِينَ في الأرضِ ولا في السّمَاءِ))( 121) قال الفرّاء : يقول القائل كيف وصفهم الله أنهم لا يُعجِزون في الأرض ولا في السّماء وليسوا في أهل السماء ؟ فالمعنى ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا من في السّماء بمعجِز . وقال أبو إسحاق : معناه ما أنتم بمعجزِين في الأرض ولا لو كنتم في السّماء . وقال أبو العباس : قال الأخفش :ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السّماء ، أي لا تعجزوننا هرباً في الأرض ولا في السماء . قال أبو العباس : وقول الفراء أشهر في المعنى، ولو كان قال ولا أنتم لو كنتم في السّماء بمعجزين لكان جائزا))( 122) فنلاحظ أن الأزهريّ لم يكتفِ بقول الفراء ما دام أظهر في المعنى بل أردفه بغيره من الأقوال الأخرى التي لا تكاد تضيف شيئاً جديداً للمعنى المعجميّ .
ج- الاحتجاج بالشــــعر: صورة من صور الاحتجاج اللغويّ ، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تساءل عن معنى قوله تعالى : (( أو يأخذهم على تـخوّف ))( 123) فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا يا أمير المؤمنين ، التخوف التنقص …قال عمر : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال: قال شاعرنا أبو كبير الهذليّ :
تخوّف الرّحــل منها تامكـا قَـرِدا
كما تخوّف عود النبعة السّفن
فقال عمر : ((أيّها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم))(124 ) .
ثمّ أخذ هذا الاتجاه صورته التطبيقيّة على يد حبر الأمة عبد الله بن عباس (ت68هـ) رضي الله عنهما فيما عرف بعد بمسائل نافع بن الأزرق ، وأصبح حجة فيما أشكل من غريب القرآن والحديث ، إذ وصفه ابن فارس بقوله (( والشعر ديوان العرب وبه حفظت الأنساب وعرفت المآثر ومنه تعلمت اللغة وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله وغريب حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وحديث صحابته رضي الله عنهم ))( 125).
وعلى ضوء ذلك قٌسّم الشعراء على أربع طبقات : الجاهليون ، وهم الذين عاشوا قبل الإسلام، ثمّ المخضرمون ، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ثمّ الإسلاميون ، وهم الذين كانوا في العصر الأموي كجرير والفرزدق ، وقد عدّهم بعض اللغويين - كأبي عمرو- من المولدين وكان يقول : لقد حسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره ، يعني بذلك جريراً( 126) ويقول الأصمعيّ: جلست إليه (يعني أبا عمرو) ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي(127) ، وأخيراً المولدون ، ويقال لهم المحدثون أيضاً ، ويعدّ بشار بن برد (ت167هـ) أول شعراء طبقة المحدثين ، وقيل ختم الشعر بإبراهيم بن هَرْمَة (ت176هـ)( 128) ، وعن الاحتجاح بشعر هذه الطبقات ؛ يقول السيوطيّ : (( أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربيّة ، وفي (الكشاف) ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها… ))( 129) .