المتن اللغوي في المعجم العربي القديم- دراسة في كيفية المعالجة -
د. حيدر جبار عيدان
كلية الآداب – جامعة الكوفة
هناك تقسيم درج عليه الباحثون في المعجم العربي، يصنف التراث المعجمي عند العرب إلى ما يسمى بمعجمات الألفاظ، وكان يغلب على جهود أصحابها الجانب الاستقصائي من جهة، والهاجس التوثيقي من جهة أخرى، وهناك صنف آخر يسمى بمعجمات المعاني مثل المعجمات التي اهتمت بالأضداد وأنواع الصيغ الصرفية وأنواع الأفعال وغيرها.. وقد كانت هذه المعجمات قد أُلّفت تلبية لحاجات الشعراء والكتاب من المعاني والعبارات المناسبة لمختلف الاستعمالات...
وسواء أكانت الغاية استقصائية كمية أم موضوعية (نوعية)، فإن الخلفية التي توجه أعمالهم في معظمها هي الإحاطة بالمعنى الغامض لاستجلائه وتفسيره، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وقد كانت العادة، قبل ظهور المعجمات، أن يرجع الناس، متى استغلق عليهم لفظ أو اضطرب لديهم معنى من المعاني، إلى (( أهل العلم )) فالعرب كانوا يعتزون بلغتهم التي آثرها الله فجعلها لغة القرآن، وكان فخرهم يتعاظم بسبب ما يرونه من اتساع لغتهم وغنى معجمها إلى حد يرون لغتهم لا حدود لمعانيها وألفاظها، وذلك مدلول ما يؤثر عن الكسائي في قوله (لقد درس من كلام العرب كثير) وكذلك ما يروى عن أبي عمرو بن العلاء، وهو من القراء ومن الرواة الكبار، ان (ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير) وقد كان للرواة أثر في جمع اللغة وتفسير ما غمض منها وكانت لهم مناهج في ذلك، فقد كان ابن عباس ينصح الناس إذا خفي عليهم معنى أن يردوه إلى الشعر، لأن (الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله رجعنا إلى الشعر فالتمسنا ذلك منه).
1 ـ طبيعة المادة المعجمية :
يمكن تعريف اللغة بأنها((أصوات يعبر بها كلّ قوم عن أغراضهم))( 1) . ولعل هذا التعريف يشرف على اجتماعية اللغة . التي تتألف من مجموعة من الكلمات التي يستعملها أبناء البيئة اللغوية .
وتعدّ الكلمة هي المادة الأساس في المعجم اللغويّ ومن هنا عُرِّف المعجم اللغويّ بأنّه ((كتاب يضم بين دفتيه أكبرعدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها ، وتفسير معانيها ،على أن تكون المواد مرتبة ترتيباً خاصاً ، إما على حروف الهجاء أو الموضوع ، والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبيّن مواضع استعمالها))(2 ) .
وتأسيسا على ما سبق كان تدوين المعجم ضرورة لغويّة لكل مجتمع متقدم ، ليتمكن أفراده من معرفة كثير من المعلومات التي توضح ما يحيط بالمادة الأساسية فيه ألا وهي الكلمة ( 3)
أما المادة في عُرْف اللغويين فكل ما يكون مدداً لغيره ومادة الشيء أصوله وعناصره التي منها يتكون حسيّة كانت أو معنوية ومواد اللغة ألفاظها ( 4)
وعلى الرّغم من وضوح الكلمة ومفهومها في الذهن فإن الخلاف بين علماء اللغة – قدامى ومحدثين – كبير جدّا في تحديد ماهيتها ، إذ إن للكلمة جوانب متعددة يمكن النظر إليها ، كالجوانب الصوتيّة أو الصرفيّة أو النحويّة أو الدلاليّة ومن ثمّ تعددت التعريفات ، وواجه كلّ تعريف منها نقداً من علماء اللغة على اختلاف مدارسهم ( 5) .فالكلمة عند النحاة من علماء العربية هي : (( لفظ وضع لمعنى مفرد))(6 ) وهي ((اللفظة الدّالة على معنى مفرد بالوضع))( 7) ، وهي ((قول مفرد مستقل أو منوي معه))(8 ) . وقد حدد القدامى شروطا في مفهوم الكلمة العربيّة وهي:الصوت والمعنى أو الوضع ثمّ الاستقلال بدلالة محددة(9 ) .
ولكن هذه التعريفات غير مرضية عند بعض المحدثين ، لأسباب أهمها : انها لاتفرق بين الصوت والحرف و انها تخلط بين الوظيفة اللغويّة والمعاني المنطقيّة و انها لاتفرق بين وجود الكلمة وعدمها في التعريف ( 10) .
أما الكلمة عند المحدثين فهي : ((ربط معنى ما بمجموعة من الأصوات صالحة لاستعمال جراماطيقي ما))( 11) ، وهي : ((جزء من الحدث الكلاميّ له صلة بالواقع الخارج عن اللغة ، ويمكن اعتبارها وحدة غير قابلة للتقسيم ، ويتغيّر موضعها بالنسبة لبقية الحدث الكلاميّ))( 12) ، وهي (( أصغر صيغة حرّة))( 13) .
الحق أنّ ثمّة معايير ينطلق منها المحدثون في تصورهم لماهيّة الكلمة منها :
1- معيار الدلالة (الذي قامت على أساسه المعجمات اللغويّة) والكلمة بهذا المعيار هي التي تدل على معنى ما .
2- معيار الشكل والكلمة بهذا المعيارامتداد صوتي محدد يحافظ على شكله واستقراره حيثما وقع في الجملة ويشغل فيها وظيفة نحويّة.
3- معيار ثلاثي وفحواه أنّ الكلمة تشتمل على جوانب ثلاثة هي : الصوت ، الدلالة ، الوظيفة النحويّة .( 14)
غير أن كلّ معيار من هذه المعايير ، لا يخلو من الاضطراب عند التطبيق ، ومن هنا رجح الدكتور تمام حسّان تعريف الكلمة العربية بأنّها: ((صيغة ذات وظيفة لغويّة معينة في تركيب الجملة ، تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم ، وتصلح لأن تُفْرَدَ ، أو تُحْذَفَ ، أو تُحْشَى ، أو يُغَيَّرَ موضعها ، أويُسْتَبْدَل بها غيرها في السياق وترجع مادتها غالبا إلىأصول ثلاثة وقد تلحق بها زوائد))( 15).
ويرى بعض الباحثين أنّ المعجميين ينطلقون من وجهة نظر تخالف غيرهم من العلماء ، ولذلك لم يحاولوا البحث عن تعريف نظريّ للكلمة ، وإنّما انصرفوا إلى تحديد ماهيتها من الناحية العملية ؛ لأنّ مهمة المعجم اللغويّ هي بيان وشرح معاني الكلمات سواء من ناحية المبنى أم المعنى(16) .
وهذا ما نلحظه في ضوء ترتيب المعجمات العربية القديمة ؛ إذ يدل ذلك على إدراك المعجميين العرب لجانبين مهمين في طبيعة الكلمة ، وهما جانب اللفظ ، وجانب المعنى ، وقد نتج عن ذلك ظهور نوعين من المعجمات اللغويّة هما:
أ- معجمات الألفاظ : وهي المعجمات التي تضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها وتفسير معانيها ومرتبة ترتيبا خاصا ، والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة ، وأول هذه المعجمات معجم (العين) للخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت175هـ) ثمّ توالت بعد ذلك معجمات الألفاظ كالجيم لأبى عمرو الشيباني (ت 206هـ ) ، والجمهرة لابن در يد (ت321 هـ) ، والبارع للقالي (ت356هـ) ، وتهذيب اللغـة للأزهريّ(ت370هـ) ، والمحيط للصاحب ابن عباد (ت 385هـ ) ، ومقاييس اللغة والمجمل لابن فارس (ت395 هـ) ، والصحاح للجوهريّ (ت400 هـ) ، والمحكم لابن سيّده (ت458 هـ) ، وأساس البلاغة للزمخشريّ (ت 538 هـ) ، والعباب للصغانيّ (ت 650هـ)، ولسان العرب لابن منظور (ت 711 هـ) ، والقاموس المحيط للفيروزآ باديّ (ت817هـ) ، وتاج العروس للزَّبيديّ (ت1205هـ)
ب- معجمات الموضوعات: وهي التي ترتب الألفاظ اللغويّة بحسب الموضوع أو المجال الدلالي ، أي أنّ المعجميّ يجمع الألفاظ المتصلة بمجال لغوي معين كخلق الإنسان مثلا للأصمعيّ (215هـ)، والمطر لأبي زيد الأنصاريّ (244هـ)، والبئر لابن الأعرابيّ(231هـ) ، والنخل لأبي حاتم السجستانيّ(244هـ) ، ونحوها مما انظم تحت مجال واحد ، وقد لقي هذا النوع من التأليف عناية كبيرة عند القدماء بدأ بما يسمى بالرسائل اللغويّة،وانتهى بالموسوعات الموضوعيّة كالغريب المصنف لأبى عبيد (ت223هـ) ، والمنجد لكراع النمل (ت310هـ ) والمخصص لابن سيده (ت458هـ) ( 17) .
وكان النوع الاول (معجمات الالفاظ) مجالا رحبا للتنافس بين العلماء ، إذ ظهرت عندهم عدّة طرائق للترتيب المعجميّ - كما سنبينه في موضعه - بخلاف النوع الثاني (معجمات الموضوعات) إذ لم توجد عندهم إلا طريقة واحدة وهي الترتيب بحسب الموضوع أو المجال .
2ـ معالجة المادة المعجميّة
مع ظهور المعجمات تطورت أساليب معالجة الألفاظ وانتقل الأمر من مجرد محاصرة المعنى، داخل السياق اللغوي والاجتماعي أو خارجه، إلى غايات أخرى متصلة بتدقيق أدواتهم في عملية الشرح والتفسير، ومن هذه الغايات: مسألة حصر مفردات اللغة والتنبيه على ما فيها من دخيل أو جمع صحاحها من دون تصحيف أو تحريف، فمعجم الجوهري المشهور بالصحاح استطاع صاحبه أن يجمع فيه قُرابة 40000 مادة مشروحة، وسيتطور هذا الكم في(القاموس المحيط) ليصل إلى 60000 مادة. وقد اشتمل (لسان العرب) لابن منظور على 80000 مادة. وقد وصل صاحب (تاج العروس)، في استدراكاته على القاموس، إلى 120000 مادة، وكل مادة من هذه المواد يمكن أن يتولد عنها ما لا حصر له من الألفاظ، قد يبلغ بها بعضهم إلى زُهاء 12 مليون لفظة( 18)
لقد تبارى المعجميون في عملية الجمع إلى غاية قصوى، أصبح المعجم العربي معها ضربا من الموسوعات الهائلة، تختلط فيها اللغة بالأدب وبالتاريخ والخرافات والأساطير، مما جعل اقتحام هذه المعجمات لا يخلو من متاعب ((لا يستطيع من لم يتمرس بها أن يصل إلى ضالته فيها بيسر وسهولة))( 19)
يرى ابن منظور أن المشكلة مركبة، لها وجهان: الوجه الأول هناك مسألة الجمع من جهة، والوجه الثاني قضية الترتيب بعد الجمع، لذلك يصنف أصحاب المعجمات ((بين رجلين، رجل أحسن الجمع ولم يحسن الوضع (الترتيب)، ورجل أجاد الوضع مع رداءة الجمع، ولم يجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة للأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده، إلا أن الناس أهملوهما لوعورة المسلك وسوء الترتيب...))( 20)
وهناك غاية أخرى، لعلها من أهم الغايات ، التي توخاها أصحاب المعجمات، تتصل اتصالا وثيقا بقضية الجمع والاستقصاء، ونعني بها مسألة توثيق المادة، ويبدو هاجس التوثيق جليا في تسمية أعمالهم، فكما أن أسماء مثل (القاموس) و (العباب) و(البارع) تحيل على عملية الاستقصاء والتبحر في الجمع، كذلك أسماء مثل، (المحكم) و(التهذيب) و (الصحاح) توحي بمعنى الحرص على الدقة والتثبت في النقل والرواية. لقد كان المعجميون على وعي بثقل المسؤولية ((فكان أحدهم يشعر أمام اللفظة بما يشعر به ناقل الحديث النبوي من حرج يجعله لا ينطق بالحرف إلا مسندا إلى قائله أو معزوا إلى راويه أو مؤيدا بالشاهد والدليل))( 21) فكثرت الإحالات ومعها الوجوه والاختلافات وأثقلت المادة بأنواع من الشواهد والدلائل إلى حد التخمة وهذا كله لمزيد من إضفاء المصداقية على هذه الإحالات.
3 ـ جمع المادة اللغوية :
لا يمكن الحديث عن جمع المادة المعجميّة بمعزل عن جمع المادة اللغويّة إذ كانت العناية الأولى بجمع المادة اللغويّة استجابة إلى ما توجبه المحافظة على القرآن الكريم وتفهم معانيه من حفظ مادته اللغويّة وما ترمي إليه من دقيق الدلالة والمغزى وصحيح المبنى والمعنى( 22) وعلى ضوء ذلك أخذ العلماء يجمعون اللغة وكان هدفهم الأول جمع الكلمات الغريبة وتحديد معانيها ، ويعدّ (المربد) بالبصرة أول محطة رأى فيها العلماء وطلاب العربية تحقيق ذلك الهدف إذ كان (المربد) من أسواق البصرة التي يقصدها الأعراب للمتاجرة ولتبادل المنفعة، وربما حضر بعضهم وليس عنده سلعة يبيعها ولا رغبة في شراء وإنّما جاء ليشبع رغبته في القول والإنشاد واستماع الشعر والأخبار كما هي عادة العرب في أسواقها . وكان أهل البصرة يخرجون إلى هذه السوق وبينهم فئة من رواة اللغة وطلابها جاءوا ليدونوا ما يسمعون عن هؤلاء الأعراب( 23) ، وكان من بين هؤلاء الأصمعيّ (215هـ)؛ إذ يقول :(( جئت إلى أبى عمرو بن العلاء فقال : من أين جئت يا أصمعي ، قلت: من المربد قال: هات ما معك ، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي ، ومرّت به ستة أحرف لم يعرفها فأخذ يعدو في الدّرجة قائلاً: شمّرت في الغريب ياأصمعيّ))(24 ).
وعندما أحسّ الأعراب بالحاجة إليهم أخذوا يرحلون إلى الأمصار فرادى وجماعات يعرضون بضاعتهم من اللغة ، ويتلقاهم العلماء للسماع عنهم ويتنافسون في الأخذ منهم حتى أصبحت اللغة سلعة غالية يبيعها الأعراب ويشتريها الرواة في (المربد) بالبصرة وفي (الكناسة) بالكوفة ، بل إنّ منهم من اتّخذ التعليم مهنة له كأبي البيداء الرياحي الذي كان يعلم الصبيان بأجر( 25) . ومنهم من ألّف الكتب كأبي خيرة الأعرابيّ الذي ألف كتاباً في الحشرات وآخر في الصفات( 26) .وكان من بين الاعراب الذين يرجع اليهم في ما اختلف فيه بين العلماء مثل : أبو مهدي والمنتجع من أبرز الذين يُتَحَاكَمُ إليهم ، كلّ يمثل لهجة قومه ؛ يقول الأصمعيّ :((جاء عيسى بن عمر الثقفيّ ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال يا أباعمرو: ما شيء بلغني عنك تجيزه ؟ قال: وما هو؟ قال بلغني أنك تجيز ليس الطيب إلا المسك (بالرفع) فقال أبوعمرو: نمت وأدلج الناس. ليس في الأرض حجازيّ إلا وهو ينصب، وليس في الأرض تميميّ إلا وهو يرفع . ثمّ قال أبو عمرو: قم يا يحي- يعني اليزيديّ - وأنت يا خلف- يعني خلف الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهديّ فإنّه لا يرفع ، واذهبا إلى المنتجع ولقناه النصب فإنه لا ينصب . قال : فذهبنا فأتينا أبا المهديّ...قال اليزيديّ : ليس ملاك الأمرإلا طاعةُ الله والعملُ الصالح فقال : ليس هذا لحني ولا لحن قومي ؛ فكتبنا ما سمعنا منه ، ثمّ أتينا المنتجع فأتينا رجلاً يعقل ، فقال له خلف: ليس الطيب إلا المسكَ (بالنصب) فلقّنّاه النصب وجهدنا فيه فلم ينصب وأبى إلا الرفع))( 27).
ولما طال مكث الأعراب في الحضرلانت جلودهم وطاعت ألسنتهم بشوائب العجمة ؛ يقول الجاحظ(255هـ) :(( كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على أنّه كان قد وضع منزله آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة ))( 28).
فلما ضعفت ثقة العلماء بالأعراب رحل العلماء والرواة إلى البادية بمدادهم وصحفهم ليسمعوا من أولئك الذين لم تتأثر ألسنتهم بمخالطة الأعاجم ، قال أبو العباس ثعلب(291هـ) : ((دخل أبو عمرو الشيبانيّ (إسحاق بن مرار) البادية ومعه دستيجان حبراً فما خرج حتى أفناهما بِكَتْبِ سماعه عن العرب ))( 29).وممن خرج إلى البادية الكسائيّ (189هـ)، ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبراً في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ .( 30) وكان أبو عمرو بن العلاء من أوائل الرواة الذين رحلوا إلىالبادية وأعجب بأهلها وعدّ بعضهم من أفصح العرب لساناً وأعذبهم لغة ( 31) .
وهكذا ظل التواصل مستمراً بين الرواة والبادية وحرص العلماء على مشافهة الأعراب حتى وجدنا في أواخر القرن الرابع من يروي عن الأعراب كالأزهريّ ، (ت370هـ) ، وابن جنيّ (ت392هـ) ، والجوهريّ (ت393هـ) وابن فارس (ت395هـ) . ثمّ توقّف هذا التواصل مع نهاية هذا القرن حتى أصبحت الرواية عن الأعراب أنفسهم يشوبها شيء من الحذر ، يقول ابن جنيّ(392هـ): (( أنا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه))( 32) .
ويرى بعض الباحثين أنّ الطبقة التي تلت الخليل بن أحمد ، ويونس بن حبيب كانت من أغزر العلماء إنتاجاً ، ومنهم ثلاثة رواة يعدون عصب الرواية في البصرة وهم : أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وأبو زيد الأنصاري ، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ(33 ) .
وقد حدد اللغويون مادة جمعهم فيما صحّ عن العرب ضمن معايير ثابتة هي:
1- معيار المكان : وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد مواطن الفصاحة في وسط الجزيرة العربية من دون بقية أطرافها التي كانت على صلة بالأمم الأخرى، وفي بواديها من دون الحواضرالتي كانت تعجّ بحركة الوافدين عليها من خارج الجزيرة أو من أطرافها بقصد التجارة ونحوها .
2- معيار الزمان : وهو الفيصل الذي تم بمقتضاه تحديد عصورالفصاحة عند منتصف القرن الثاني الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الأدبية وخاصة لغة الشعر، ونهاية القرن الرابع الهجري بالنسبة للاحتجاج باللغة الشفوية المنقولة عن الأعراب.
3- معيار الفصاحة وهو الشرط الذي تم بمقتضاه الحكم على فصاحة اللفظ إذا ثبتت نسبته إلى عربيّ قحّ سواء بالمشافهة أو الرواية الصحيحة وذلك العربي القحّ هو من انطبق عليه شرط الزمان والمكان السابقين ( 34) . وعلى ضوء هذه المعايير عُدّ كلّ ما خالف ذلك مولداً ، فَقُسِّم الشعراء على طبقات، والقبائل على درجات ، أعلاها قبيلة قريش ؛ يقول أحمد بن فارس(395هـ): (( أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم : أنّ قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ...وكانت قريش – مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها-إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم فصاروا بذلك أفصح العرب...ألا ترى أنّك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم ولا عجرفيّة قيس ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة...))( 35) .
ويقول الفارابي(250هـ): (( كانت قريش أجود العرب انتقاداً للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعاً وأبينها إبانة عمّا في النفس))( 36).