إنّ مطابقة المسند للمسند إليه في التذكير والتأنيث هي الأصل، وبخاصة إذا تقدم، أما إذا تأخر فإنّ المطابقة تكون أقل التزاما. والأصل في الفعل أن يطابق الفاعل في التذكير والتأنيث مضمرا أم ظاهرا، ويتبعه في النوع بوصفه جزء من الفاعل وأنّهما معا يعدان بمثابة جزء واحد(163).
فالفعل والفاعل بنية واحدة ولا بد لهما من أن يتطابقا في النوع وجوبا، عندما يسند الفل إلى الفاعل، سواء أكان الفاعل مفردا أو مثنى أو جمعا، أو كان مذكرا لفظيا أو معنويا، مثل: حمزة وطلحة. ومن ذلك قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}(164). فالمطابقة حاصلة وجوبا بين الفعل (أفلح) والفاعل (المؤمنون) في صورة التذكير بتجرد الفعل من العلامة الدالة على التأنيث(165). والمعروف أنّ وجوب المطابقة في هذه الصورة هو مذهب جمهور البصريين أما الكوفيون فقد جوزوا مجيء الفعل مؤنثا مع الفاعل المجموع جمع مذكر سالم، نحو قوله تعالى: { قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}(166).
وتكون المطابقة واجبة بين الفعل والفاعل إذا كان مؤنثا حقيقيا، ظاهرا، متصلا بفعله، ولم يفصل بينه وبين فاعله بفاصل، كالجار والمجرور، والظرف، والمفعول به. وسواء أكان مفردا أو مثنى، أو مجموعا جمعا سالما(167). والتاء اللاحقة للفعل في نحو: ذهبت وخرجت لا تدل على أنّ الفعل مؤنث وإنما تدل على تأنيث الذي أسند إليه الخروج والذهاب(168).
3- انخرام المطابقة بين الفعل والفاعل في شعر ابن أحمر الباهلي:
أ- انخرام المطابقة بين الفعل والفاعل في النوع:
وردت في شعر الشاعر أبيات تحقق فيها أنّ الفعل لا يتبع الفاعل في النوع، إذ أسند الفعل: (عَصَبَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (شَمالٌ)، في قوله:
يا قَـومُ ما قَومي عَلى نأيِهِم إِذ عَصَبَ الـناسَ شَمالٌ وَقُر
وأسند الفعل (تضاءَلَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (الشمس) في قوله:
يَعلو مَعَدّاً وَيُستَسقى الغَمامُ بِهِ بَدَّرٌ تَضاءَلَ فيهِ الشَمسُ وَالقَمَرُ
وأسند الفعل (راجَ) دون أن تلحقه علامة التأنيث إلى (الشَمالُ) في قوله:
وَلا مُكَلَّلَةٌ راجَ الشَمالُ بِها في ناحِراتِ سِرارٍ بَعدَ إِهلالِ(169)
أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل والفاعل في النوع في الأبيات الثلاثة الآنفة الذكر، وهذا جائز؛ لأنّ الفاعلين كانوا مؤنثين مجازي التأنيث، ومن كانت هذه حالته من الفاعلين جاز في فعله أن يطابقه أو لا يطابقه في النوع(170). وقد أشار ابن جني إلى ذلك بقوله: (فإن كان التأنيث غير حقيقي، كنت في إلحاق العلامة وتركها مخيرا. تقول: حسنت دارك. واضطرمت نارك. وإن شئت: حسن دارك. واضطرم نارك. إلا أنّ إلحاقها أحسن من حذفها)(171).
ومن أمثلة ورود الفعل مطابقا للفاعل المجازي التأنيث قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ }(172). فالفعل "التفت" اتصلت به تاء التأنيث الساكنة، والفاعل مجازي التأنيث، فهما متطابقان تأنيثا. ومما ورد فيه الفعل مذكرا مع الفاعل المؤنث المجازي قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } (173). وقد قرأ ابن كثير والبصريان "تقبل"، والباقون بالتذكير(174). وهذا يصح في العربية لمجاز التأنيث في الفاعل، وحسنه أيضا الفصل بين الفعل ومرفوعه(175). ومنه قوله تعالى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ}(176)، طابق الفعل الفاعل المؤنث مجازي التأنيث جوازا. ومنه قوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}(177). فالمطابقة غير حاصلة؛ لأنّ تأنيث الشمس مجاز، أو لتغليب التذكير على التأنيث(178). والفعل في جميع ما مرّ من الأمثلة لا يوصف بتذكير ولا تأنيث، وإنما نقول هذا تجوزا. والأرجح مطابقة الفعل للفاعل المؤنث المجازي التأنيث، وذلك باتصاله بتاء التأنيث الساكنة(179).
وأهملت المطابقة بين الفعل والفاعل على الظاهر في الأبيات الآتية؛ لأنّ الفعل فيها قد أسند إلى الفاعل المجموع جمع تكسير:
حَتّى إِذا ذَرَّ قَرنُ الشَمسِ صَبَّحَهُ أَضري اِبنَ قُرّانَ باتَ الوَحشَ وَالعَزَبا(180)
أسند الفعل "صبحه" إلى الفاعل "أضري" دون أن يلحقه علامة التأنيث، وهذا جائز؛ لأنّه جمع تكسير من الحيوان. وكذا في قوله:
وَجَرَت لَها طَيرٌ فَيَزجُر صاحِبي وَأَقولُ هَذا رائِدٌ لَم يُحمَدِ(181)
أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل "جرت" والفاعل "طير" في الجنس؛ لأن الفاعل جمع تكسير من الحيوان، وهذا جائز.
وفي البيت الآتي أهمل الشاعر المطابقة بين الفعل " قام" وفاعله "الخصوم"، المجموع جمع تكسير من العاقل، وكذا الفعل "تسامى" وفاعله "الحناجر" المجموع جمع تكسير من غير العاقل، وهو جائز.
فَجِئتُ وَقَد قامَ الخُصومُ كَأَنَّهُم قُرومٌ تَسامى بَينَهُنَّ الحَناجِرُ(182)
وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يلحق علامة التأنيث بالفعل في الأبيات الآتية:
كَالثَعلـَبِ الرائِحِ المَمطورِ ضَبعَتُهُ شُلَّ الحَوامِلُ مِنهُ كَيفَ يَنبَقِعُ(183)
وَجُـردٍ يَعلـَهُ الـداعي إِلَيـها مَتى رَكِبَ الفَوارِسُ أَو مَتى لا(184)
تَفَقَّـأَ فَوقَـهُ القَلـَعُ السَـواري وَجُـنَّ الخـازِ بازِ بِهِ جُـنونا(185)
لأن الجمع من الحيوان والجماد يؤنث وإن كان مفرداً مذكراً، وهذا جائز لأن الفاعل جمع تكسير من الجماد، وكذلك إذا كان من الحيوان، نحو قوله تعالى في الآية الكريمة: ( مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ (186)، وقالت العرب: جاء جواريك، وجاء نساؤك، وجاء بناتك، ونحو قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ (187)، إذ قرأ حمزة والكسائي: " فناداه "، وباقي السبعة: " فنادته " بالتاء. والملائكة جمع تكسير يجوز أن تلحق العلامة فعله أو ألا تلحقه ومحسن الحذف هنا الفصل بالمفعول(188).
و الكثير في العربية أن يؤنث الفعل إذا كان الفاعل جمع تكسير لمفرد غير عاقل، أما إلحاق التاء مع العاقل فقد جاء في ألفاظ قليلة، نحو: الرسل والجنود(189).
ومما جاء بالتنزيل بالمطابقة مرة وبغيرها مرة أخرى قوله تعالى: ( قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ (190). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ (191). وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (192). فالمطابقة غير حاصلة في آية آل عمران؛ لأنّ الفعل لم تتصل به علامة التأنيث، أما في آيتي المائدة والأعراف فالمطابقة في صورة التأنيث حاصلة بين الفعل "جاءتهم" والفاعل "رسلنا" في آية المائدة، و"رسلهم" في آية الأعراف المجموعين جمع تكسير.
والأجود المطابقة في التذكير والتأنيث بين الفعل والفاعل المجموع جمع تكسير، ومن مواضع المطابقة تذكيرا قوله تعالى: (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ (193)، وقوله تعالى: ( وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفََ(194)، وقوله تعالى: ( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى(195). ومن مواضع مطابقة الفعل للفاعل تأنيثا قوله تعالى: ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ (196).
وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فأسقط علامة التأنيث من الفعل، في قوله:
أَم لا تَزالُ تُرَجّـي عيـشَةً أُنُفاً لَم تُرجَ قَبلُ وَلَم يُكـتَب بِها زُبُـرُ(197)
إِلى عَيثَةِ الأَطهارِ غَيَّرَ رَسمَهـا بَناتُ البِلى مَن يُخطِئِ المَوتَ يَهرَمِ(198)
والإهمال هنا جائز إذا أسند الفعل إلى الفاعل، وكان الفعل غير متصل بفاعله الحقيقي، وفصل بينه وبين فاعله بفاصل كالمفعول به، نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ}(199)، ومنه قوله تعالى: {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ}(200). وهذا جائز؛ لأنه فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بفاصل. وهذا نحو قولك: حضر القاضي امرأة.
فالمطابقة بين الفعل "جاءتكم" والفاعل "موعظة" حاصلة في الآية الأولى؛ إذ اتصلت تاء التأنيث بالفعل، والفاعل مؤنث، فهما متطابقان على الرغم من وجود الفاصل بينهما وهو المفعول به، فالمطابقة حاصلة في صورة التأنيث(201). أما الآية الثانية فقد أسند الفعل "جاء" إلى الفاعل "بصائر" وهو جمع تكسير لمؤنث، وفصل بينهما بفاصل، وهو المفعول به "كم" فانخرمت المطابقة(202). وقد يكون الفصل بالظرف، فنقول: قامت اليوم هند أو قام، إن شئنا. وكلما طال الفصل كان الحذف أحسن(203). فالمطابقة وعدمها جائزة عند الفصل بين الفعل والفاعل بفاصل، كالظرف، والمفعول به، والجار والمجرور. أما إذا كان الفصل بإلا فتحذف التاء، ولا مطابقة، حينئذ، بين الفعل وفاعله. وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته، بقوله:
وقد يبيح الفصل ترك التا في نحو أتى القاضي بنت الواقف(204)
ومن ذلك قول الشاعر:
ما برئـتْ مـن ريبـةٍ وذمٍّ فـي حـربنا إلا بـناتُ العـمِّ
والفعل "برئت" في البيت قد اتصلت به علامة تأنيث الفاعل المؤنث "بنات"، فالمطابقة حاصلة على الرغم من الفصل بينهما بـ "إلا" وقد خص النحاة وقوع ذلك في الشعر بالضرورة(205).
وقد يجوز مع الفصل التذكير في الفعل مع التأنيث الحقيقي في الفاعل، فتنخرم المطابقة، ومنه قول الشاعر:
إنّ امرأُ غره منكنّ واحدةُ بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ
فالفعل " غره" مجردا من علامة تأنيث الفاعل، وفاعله " "واحدة" مؤنث، وقد فصل بينهما بالضمير الهاء، و"منكن". فالمطابقة غير حاصلة في هذا الشاهد(206).
وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يحذف علامة التأنيث من الفعل في الأبيات الآتية:
لَقَد ظَعَنَت قَيسٌ فَأَلفَت بُيوتَها بِسِنجارَ فَالأَجزاعِ أَجزاعِ دَوسَرا(207)
فَإِن تُقـِرَّ عَلَينا جَورَ مَظلِمَةٍ لَم تَبنِ بَيتاً عَلى أَمثالِها مُضـَرُ(208)
لَعَمري لَئِن حَلَّت قُتَيبـَةُ بَلدَةً شَديداً بِمالِ المُقحَمينَ عَضيضُها(209)
فأسند الأفعال: "ظعنت، تتقي، حلت"، وقد اتصلت بها علامة التأنيث إلى الأفعال: "قيس، ومضر، وقتيبة"، وهي مذكرة، وهذا جائز؛ إذا كان الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس جمعيا، فالمطابقة وعدمها عند الإسناد إلى هذا النوع من الفاعل جائزة(210).
ففي اسم الجنس نقول: جاء أو جاءت النساء أو القوم أو الرهط. وفي اسم الجنس الجمعي نقول: قال العرب أو قالت العرب أو الفرس أو الروم.
ومن التنزيل الحكيم جاء قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ}(211). وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}(212). فالفعل في الآيتين تجوز فيه المطابقة وعدمها، على الرغم من أنّه مسند إلى فاعل مذكر هو: "قوم" اسم جمع لمذكر.
ومنه أيضا قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ}(213)، وكذلك قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا}(214). فالمطابقة وعدمها بين الفعل والفاعل جائزة إذا كان الفاعل اسم جمع، أو اسم جنس جمعيا؛ لأنه يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى، فلا تتصل به علامة التأنيث، ويكون مطابقا للفاعل من ناحية التذكير. وقد يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى، وتتصل بفعله علامة التأنيث، ويكون مطابقا لفاعله من ناحية التأنيث(215).
وأهمل الشاعر المطابقة في الجنس، فلم يحذف علامة التأنيث من الفعل في البيت الآتي:
أَرَبَّت عَلَيها كُلَّ هَوجاءَ سَهوَةٍ زَفوفِ التَوالي رَحبَةِ المُتَنَسِّمِ(216)
إذ أسند الفعل "أربت"، وقد اتصلت به علامة التأنيث، إلى الفاعل "كل" وهو مذكر مضاف إلى "هوجاء" المؤنثة لفظا ومعنى، وهذا جائز في العربية؛ إذا أسند الفعل إلى فاعل مذكر مضاف إلى مؤنث، وكان المضاف صالحا للحذف، وإقامة المضاف إليه مقامه، مع صحة المعنى، وكان المضاف بعضا من المضاف إليه، أو كبعضه، أو كلا منه. ويجوز في هذا الحال الوجهان المطابقة وعدمها(217).
ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا}(218)، فالفعل المضارع "تجد" أنث لأنّ الفاعل "كل" مذكر مضاف إلى "نفس" المؤنث، وهي جزء من المضاف، مع صحة المعنى فيما لو قلنا في غير القرآن الكريم بحذف المضاف "كل" وإقامة المضاف إليه "نفس" مقامه.
أما إذا كان المضاف إليه لا يغني عن المضاف، فإنّ الحذف لا يصح معه المعنى. وفي مثل هذه الحالة ينبغي للفعل أن يطابق فاعله في التذكير والتأنيث. فنقول: جاء رسول هند، ولا يجوز أن نقول: جاءت هند، ونحن نريد رسول هند.