عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-03-2017 - 03:48 AM ]


ويتبين من خلال تحليل واقع المحتوى النحوي في الكتب والمقررات التعليمية، وكيفية تأدية المعلم له داخل القسم، أن الاتجاه التقليدي هو السائد في التأليف والتدريس. فمحاولات تيسير النحو في الكتب المدرسية لم تقدم جديدا، ولم تفعل شيئا يعيد للنحو حيويته، ويشيع فيه قوة تحبب إلى التلاميذ درسه، وللمعلمين تدريسه. فهي لم تصحح وضعا، ولم تجدد منهجا، ولم تأت بجديد إلا إصلاحا في المظهر وأناقة في الإخراج. أما القواعد فهي هي، وأما الموضوعات فكما ورثناها لم يصبها من التجديد إلا نصيب ضئيل( 9)؛ كثافة من حيث الموضوعات، وغزارة في المفاهيم والمصطلحات النحوية، وغموض في لغة التعريفات التي تبدو، أحيانا، ألغازا ورموزا لا يتسع عقل التلميذ لفهمها وإدراك معانيها الدسمة. أضف إلى ذلك التذبذب في ترتيب الدروس وتوزيعها على مستوى المقرر الواحد، أو المقررات المختلفة.
ونشير في هذا المقام أنه لم تُسجل تحسينات جديرة بالإشارة، أو توظيفا لنتائج البحث اللساني التربوي في تمييز الوظيفي من الموضوعات من غير الوظيفي، والأساسي من الثانوي، والأصلي من الفرعي، والعناصر النحوية ذات الانتشار الواسع من الظواهر النحوية ذات المردود الضعيف. فمضامين التدريس التي اشتملت عليها مناهج النحو ومقرراته غير مؤسسة على بحوث علمية ميدانية تستفيد من نتائج تحليل الإنتاج المنطوق والمكتوب للتلاميذ ولمحيطهم اللغوي ورصد أخطائهم الشائعة. فهي مضامين غير مكيفة تربويا، يختارها أناس غير متخصصين بناء على الخبرة والتقدير الذاتي، ويلقنها معلمون لا يملكون وصفا دقيقا لنظاميها الإفرادي والتركيبي.
كما يجب التأكيد على أنه لم تُلاحظ تغييرات جذرية على مستوى منهجية العرض والخطاب النحوي للمعلم داخل القسم، واختيار الأمثلة الشارحة، وتوظيف الوسائل المعينة والتغييرات التي حدثت على مستوى تلك العناصر، إن سلمنا بذلك، سطحية جدا مسّت الجانب الشكلي ولم تصل إلى الجوهر والرسم البياني الآتي يوضخ ذلك( 10):


القـواعد

x

الأمثلـة x x شرح المعلـم
x

x x
التمارين الوسائل والمعينات

وقد بدا لنا، من خلال المعاينة والمناقشة، أن ضعف الطريقة وقلة نجاعتها، ونقص كفاءة المعلم، وإهمال الجانب التطبيقي في النحو ( وهو رأس الأمر )، إضافة إلى قلة الدراسات العلمية التي تُتخذ أساسا لبناء المناهج وتنفيذها، تُعد من أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور تدريس النحو.
وانطلاقا من هذه النتائج التي أفضى إليها البحث حول جهود الإصلاح والتجديد النظرية والتطبيقية، يمكن اقتراح تصور منهجي في إعداد مناهج النحو وتدريسه بمراحل التعليم ما قبل الجامعي. يتأسس على خلفية معرفية لسانية وتربوية ونفسية واجتماعية. ويستفيد من الطرائق الحديثة في الانتقاء والتخطيط والعرض والترسيخ. ولعل أهم الأفكار التي تحتويها هذه الخلفية تتمثل في ما يلي :
1 - تحديد وجهة البحث في موضوع التيسير والهدف منه، لأن هناك فرقا بين السعي لتبسيط القوانين الثابتة في العلم، وبين السعي لتبسيط الصورة التي يعرض بها هذا العلم ويبلغ للمتعلمين. فكثير ممن اشتغلوا بمسألة القواعد النحوية وتيسير تدريسها يلتبس عليهم الأمر، فلا يميزون تمييزا حاسما بين معياري السهولة والوضوح؛ هل يريدون بالتيسير نحوا سهلا أم نحوا واضحا ؟
فإذا كنا نريد نحوا سهلا، فلا توجد سهولة في النحو ( من حيث هو علم ) فالنحو هو النحو، وإن أي مجهود يبذل لجعله أكثر سهولة مما هو عليه سوف يقود لا محالة، كما يقول يلمسلاف Hjelsmslev، إلى تحريف القواعد والقوانين وهتك للمبادئ العلمية السليمة( 11). ومن يريد أن يعلمه أو يتعلمه فعليه أن ينظر فيه كما هو، ويتكيف مع خصوصياته ؛ لأن النحو، في الواقع، صناعة تعين على اكتساب الملكة في غياب البيئة اللغوية العفوية، ونجاحه في هذا الشأن أمر لا يختلف فيه من يطلبون له اليوم مزيدا من النجاح( 12).
إن المدار الرئيسي الذي ينبغي أن تنصرف إليه جهود الإصلاح والتيسير يكمن في البحث عن حلول للمسائل العالقة التي ما زالت بعيدة عن الإثبات النهائي أو النفي الحاسم، وعلى رأسها الأسئلة الآتية :
لماذا نعلم النحو ؟ وكيف نجعل تعلم هذه المادة إجرائيا وذا دلالة ؟ وكيف نجعل العناصر النحوية تترسخ لفترة أطول وتؤثر إيجابيا في الإنتاج الإرسالي والاستقبالي للتلاميذ ؟ وإلى أي حدّ ينبغي السير بهم داخل هذه المادة ؟ وما هو المضمون الذي ينبغي أن تشتمل عليه مقررات النحو ؟ وهل الملاحظة الواعية للقوانين ضرورية لاكتساب الملكة ؟...
إن تحويل وجهة البحث نحو هذا النوع من الأسئلة، والسعي للإجابة عليها في ضوء علم تدريس اللغات، سيساهم من دون شك في تيسير النحو مادة وطريقة.
2 - إن النحو عامل مساعد، وليس هو كل شيء في تعليم وتعلم اللغة العربية. وينحصر دوره في مساعدة الاكتساب وتهيئة الأرضية المناسبة لتشكيله(13 )، ولذا فمن المبالغة والإسراف أن تسند لمادة واحدة ( القواعد )، وهي فرع من فروع اللغة، جملة عريضة من الغايات والمرامي، وعلى رأسها ملكة التبليغ والتواصل، والتي لا تتحقق إلا بتظافر مجموعة كبيرة من الإجراءات والأنشطة الشفاهية والكتابية التي تهدف إلى إكساب المتعلم العناصر والمهارات اللغوية وترسيخها.
وعليه، فمن الخطأ التصريح بأهداف طموحة للغاية، لن تتحقق أو يصعب تحقيقها، ومن المبالغة، أيضا، تحميل مادة النحو مسؤولية إكساب التلميذ ملكة التبليغ والتواصل. ولذا ينبغي عند إعداد المناهج الدراسية وتخطيطها، مراعاة الملكة المزدوجة التي تخص من جهة السلامة النحوية، ومن جهة أخرى توظيف معاني النحو في دورة الخطاب.
3 - إن تحديد الموضوعات التي ينبغي أن تدرج في المناهج والمقررات التعليمية في منظور علم تدريس اللغات، لم يعد يخضع إلى التقدير الشخصي والخبرة الذاتية، بل أصبح يؤسس على أبحاث علمية ميدانية تستهدف إلى جانب خبرة المربين وملاحظاتهم، تحليل إنتاج التلاميذ في شتى مراحل التعليم من أجل معرفة الموضوعات التي يكثر شيوعها في أساليبهم الكلامية والكتابية، وكذلك معرفة الموضوعات التي يكثر الخطأ فيها والصعوبات التي يجدها التلاميذ في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم ومشكلاتهم. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه مناهج النحو اليوم في الدول المتقدمة( 14).
كما يجب التأكيد، ههنا، على ضرورة التمييز بين الأنحاء أو المستويات النحوية التي تحتويها اللغة الواحدة ؛ فهناك مستوى من النحو يخص اللساني والباحث، هدفه التأسيس والتأصيل والاستنباط وعمق التفسير. وهناك مستوى آخر يخص المربي والمدرس، فمن غير المعقول أن يكون كتاب المعلم هو نفسه كتاب التلميذ، أو هو نفسه موسوعة اللساني. ويمكن أن نطلق على هذا النوع "النحو المرجعي". ثم هناك مستوى ثالث يخص الاكتساب والتعلم، ويبقى هذا المستوى في حدود اهتمامات المتعلم وحاجاته اللغوية، وينبغي أن يتميز بالوضوح والبساطة(15).
والإشكال الذي يطرح بين هذه الأصناف، التي تجمع بينها علاقات وتميز بينها فروق، هو عدم وضوح المقاييس التي تساعد المربين على اختيارها والتمييز فيما بينها وفق ما تقتضيه الأغراض ومقاصد العملية التعليمية.
4 - إن الدراسة الواعية للقوانين النحوية ليست شرطا كافيا أو ضروريا لتعليم اللغة. وفي المقابل نشير أيضا إلى أن تعلم اللغة لا يمكن أن يكون كله عملية غير واعية، إذ يعدّ الانتباه شرطا ضروريا في مؤازرة الاكتساب وتحقيقه. وبناء على هذا، فإن الطريقة المقترحة تعتمد على كلا النموذجين، لأنه لا توجد مرحلة كلها ضمنية وأخرى كلها صريحة، ولكن الاقتصاد في الوقت والجهد يقتضي تقديم التدريس الضمني على التدريس الصريح( 16).
وما تجدر الإشارة إليه أن المدار الرئيسي الذي ينبغي أن يتأسس عليه هذا التدريس الضمني للنحو هو فكرة التمرس اللغوي، لأن التمرينات اللغوية بصفة عامة، والتمرين النحوي على الخصوص، تقنية تربوية تتجاوز حدود الترف والموضة، لا تستغني عنها أي طريقة أو منهاج تعليمي مهما كانت توجهاته اللسانية والمنهجية. وبالتالي يجب أن يرتكز تعليم النحو على مجموعة كبيرة من التمرينات المتنوعة والمكثفة التي تساعد على خلق المهارات اللغوية وإحكامها، وهيهات أن ينجح تدريس النحو دون تطبيق وتدريب(17 ).
وإن أحسن الطرق التربوية لتحصيل النحو النظري، وتفادي النص المسهب الذي يصعب حفظه، هي التي تقدم معلوماته وقوانينه وتلخصها على شكل رسوم بيانية بسيطة يشار فيها إلى العلاقات والعمليات بالرموز والجداول والسهام والأقواس والمشجرات وتستثمر فيها الألوان(18).
5 - إن الكفاءة في اختيار مضامين التدريس وتنظيمها لا تضمن استثمارها الجيد داخل القسم. فاختيار المحتوى النحوي وترتيبه بناء على مقاييس علمية ولغوية صارمة لا يعني شيئا إذا لم يتجسد ذلك في طريقة التدريس وتأدية المعلم لها داخل القسم.
وعلى الرغم من أن التجارب الميدانية الحديثة في تدريس أنحاء اللغات الحية خلصت إلى نتيجة مثبطة نوعا ما، مفادها أن التعليميات الحديثة من الوجهة العملية ما زالت بعيدة عن الفصل الحاسم في أفضل طريقة لتدريس مادة النحو، بل الأكثر من ذلك هو أن الشكوك تراود بعض الخبراء حول إمكانية تحقيق ذلك في القريب العاجل(19 )، إلا أن أفضل طريقة تقترحها الديداكتيك على المعلم، هي تلك التي يستخلصها هو بصياغته الشخصية واختياره ومراجعته لها. ومن المؤكد أنه لا يستطيع أن يعلم تعليما فعالا، وأن يختار اختيارا ناجحا دون فهم الأوضاع النظرية المتنوعة، فذلك هو الأساس الذي يمكنه من أن يختار من التنوعات النظرية الكثيرة ( 20).
إن القدرة على الاختيار والتحكم فيه يتطلب معلما من طراز خاص أطلق عليه بعضهم مصطلح "المعلم الباحث" (l’enseignant chercheur)، ولذا بات جليا أنه لا يمكن لأي إصلاح أن يحقق غايته ويبلغ مراميه ما لم يلق تأييدا لدى المكونين الذين يسهرون على تطبيقه في الميدان. ومن أجل ذلك وجب أن تعالج مسألة إعداد المدرسين بالجدية اللازمة، في منظور بعيد المدى لا مجال فيه للحلول المرتجلة أو التخطيط التقريبي، وإلا ما الفائدة من تصميم مناهج حديثة جدا في شكلها وفي محتواها إذا كان المعلم الذي سيكلف بتوصيلها وبتوجيه التلاميذ نحو اكتشاف مضامينها عاجزا عن التعامل معها، يفتقر إلى التأهيل العلمي والبيداغوجي !! والسؤال الذي يطرح نفسه في الأخير: ما هي الشروط الموضوعية التي تساعد على ظهور هذا المعلم الباحث أو ظهور ما يشبهه؟...

رد مع اقتباس