عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي تيسير النحو في ضوء علم تدريس اللغات

كُتب : [ 03-03-2017 - 03:45 AM ]


تيسير النحو في ضوء علم تدريس اللغات
د. محمد صاري
جامعة عنابة - الجزائر

لقي موضوع إصلاح النحو وتيسيره على الناشئة والمتعلمين اهتماما واسعا في العقود الأخيرة، لاسيما بعد النتائج الإيجابية التي حققتها الدراسات اللغوية الحديثة على صعيد البحث اللساني النظري والتطبيقي.
وقد بحث في هذا الموضوع، وكتب فيه عدد كبير من العلماء واللغويين والتربويين، وعقدت من أجله العديد من المؤتمرات والندوات واللقاءات في أنحاء مختلفة من العالم العربي( 1). ورغم ذلك، ظل مفهوم التيسير يشغل تفكير الباحثين، ويثير العديد من الإشكاليات النظرية والتطبيقية، وبخاصة عند ناقدي التراث الذين زعموا أن بالنحو العربي عيوبا ونقائص تجعل إصلاحه وإعادة النظر فيه ضرورة ملحة، ومهمة أساسية في عصر يتلقى فيه التلميذ العربي الفصحى صناعة وتعلما لا طبعا واكتسابا.
وذهبوا في هذا النقد مذاهب شتى( 2)، وتباينوا في تشخيص العيوب وطرق العلاج تباينا يجعل الباحث في هذا الميدان يتساءل عن قيمة الأسس التي انطلقوا منها، ومدى سلامة الأحكام التي وصلوا إليها.
والمسألة التي تطرح حول الدراسات والبحوث التي أُنجزت لتيسير القواعد النحوية مادة وطريقة، تتلخص في معرفة حصيلة نتائجها العلمية والتربوية، وواقع تطبيقها في مناهج تعليم العربية، وهو الباعث الذي دفعنا إلى إجراء قراءة نقدية لمحاولات تيسير النحو قديما وحديثا في ضوء النتائج التي حققتها علوم اللسان، وما تفرع عنها من اتجاهات حديثة على مستوى المناهج الدراسية، تخطيطا، وبناء، وتنفيذا، وتقويما( 3).
ومن خلال تحليل كثير من المحاولات التي طارت شهرتها في الوطن العربي، تبين لنا فشلها لأن أصحابها انطلقوا في قراءاتهم النقدية للتراث من منطلقات قاصرة، تنم عن غياب تصور واضح للعلم وما تقتضيه التطبيقات التربوية من مبادئ أساسية في صناعة التعليم. إذ تحولت خاصية الوضوح والبساطة والسهولة إلى مقاييس يُعتمد عليها في تقييم التراث النحوي. وأصبح، في نظر بعضهم، كل أصل من أصول النحو، أو مسألة من مسائله، أو باب من أبوابه، لا يفيد مباشرة في التعليم ترفا لا فائدة منه، ولغوا ينبغي تجنبه. واقتنع الجميع أن نظام العوامل هو المسؤول عن ذلك. وافترضوا أن ما عاب به اللسانيون الغربيون تراثهم اللغوي (الإغريقي والروماني) ينسحب انسحابا كليا على النحو العربي الأصيل. وكانت حاجة اللغة العربية، في زعمهم، إلى منهج وصفي تماثل حاجة الأنحاء الأوربية القديمة( 4).
إن التفكير في الجوانب التربوية وثقل مشاغل التدريس، أدت بكثير من المصلحين والمجددين إلى الخلط بين مقتضيات البحث اللغوي ومقتضيات التدريس. ولعل هذا الخلط هو الذي دفع ببعضهم إلى نقد مفاهيم النحو الإجرائية، واعتبار نظام العوامل مجموعة من الأحكام المسبقة، والمسلمات الماقبلية التي فرضت على الدرس اللغوي. والواقع أن اللغة العربية بحاجة ماسة إلى هذا النظام لترتيب مادتها وانسجامها واطرادها، والسيطرة على شتات المعطيات اللسانية، واقتصاد وصفها وصياغتها. ثم إن الصعوبة والسهولة ليستا دليلا علميا على عدم كفاية هذا النظام، وعلى عدم مقدرته على وصف اللغة وتفسير ظواهرها( 5).
ومما لا شك فيه أن المرجع الفاعل في تفكير دعاة الإصلاح والتجديد، الذين كادوا أن يُكونوا اتجاها ضاغطا على كل دارس للتراث، هو "ابن مضاء". واللافت للانتباه أن كثيرا من أمهات المسائل التي طُرحت كأفكار بديلة ليست جديدة على النحو والنحاة، بل إنها للقدماء. ففكرة الحركة الخفيفة عند الوصل ودرج الكلام هي "لقطرب"، وفكرة إعراب الأسماء الستة بحركات مَمْطُولة فكرة قالها "المازني"، وفكرة المتكلم هو الذي يُحدث الإعراب فكرة "ابن جني"، وفكرة القرائن والتعليق هي "للجرجاني"، وفكرة الرفع علم الفاعلية والجر علم الإضافة فكرة "للزمخشري"، وفكرة العمدة والفضلة فكرة "الرضي الاستيراباذي"، وصاحب فكرة إلغاء نظرية العامل هو "ابن مضاء"، وهو النحوي الوحيد من بين أكثر من ألفي نحوي ذكرهم "السيوطي" في كتابه "البغية"، الذي وقف هذا الموقف السلبي إزاء النحو العلمي(6 ).
ثم إن تصور القدماء لموضوع التيسير، يختلف تماما عن تصور المحدثين. فالقدماء لم تكن بينهم خصومة تذكر حول هذا الموضوع، والتبسيط في نظرهم وأعمالهم قائم على الانتقاء من جملة النحو العلمي، وتجنب الإطالة والتعمق في ذكر القواعد، والاستعانة على توضيحها بالأمثلة والتقليل من الشواهد، والوقوف عند حدود العلة الأولى، وتجنب الشاذ والنادر، والتمييز بين المستويات التعليمية...
أضف إلى ذلك، أنهم كانوا على وعي بضرورة وجود مستوى من المؤلفات النحوية المختصرة والميسرة إلى جانب مطولاتهم وموسوعاتهم العلمية، وهو ما توحي به عشرات العناوين من متونهم ومختصراتهم.
فبعضها يسمى الواضح، وبعضها يدعى الوجيز، وبعضها الآخر يعرف بالمقدمة أو المدخل...الخ. وغير ذلك من العناوين التي توحي في وضوح لا يقبل الشك أن تلك العصور لم تخل من نحاة ومربين ومعلمين ألَّفوا ما قرّب الطريق إلى حد ما على المتعلمين. ولعل ما يؤخذ على هذا النوع من التأليف، أن بعضه لم يكن منظما بشكل يصلح مباشرة للتدريس، وأن بعضه الآخر موجز، بل مفرط في الإيجاز حتى كاد يعد من جملة الألغاز( 7).
إن انطلاق المجددين والمصلحين من مفاهيم وتصورات قاصرة عن فكرة التيسير أدى إلى اقتراح بدائل مشوهة، أو خاطئة، أو ناقصة. والذي أوقع هؤلاء في مثل هذه الأخطاء هو :
أ - اعتمادهم على المختصرات النحوية المتأخرة عند حديثهم عن ضوابط المنهج وقواعد التوجيه في النظرية النحوية العربية القديمة، الشيء الذي أدى بهم إلى تشويه كثير من المفاهيم الأصيلة وتحريفها تحريفا واضحا.
ب - عدم الإفادة من نتائج البحوث التي أُجريت في مجال اللسانيات وعلم تدريس اللغات، حيث لا يظهر في أعمال هؤلاء أدنى أثر لتلك الاختصاصات الحيوية الحديثة، مما جعلهم يحصرون مجال دراستهم في الجانب النحوي المحض، ويرجعون مسألة التعقيد فيه إلى المادة النحوية ذاتها، ولم يشيروا إلى الطريقة إلا عرضا، علما أن جوهر المشكلة هو الطريقة التي يعرض بها النحو على المتعلمين. فلغتنا العربية غير مخدومة تربويا، وطرائق تدريسها متخلفة جدا.
وما ينبغي التنبيه إليه، أن النحو جهاز كامل، وأن أي حذف عشوائي (غير مدروس) لأي باب من أبوابه، أو جزء من أجزائه، سيؤدي دون شك إلى إفساده. وإن أزمة النحو التي تشكّلت في الميدان التربوي التعليمي، في منظور النظرية الخليلية الحديثة، لا تكمن في النحو ذاته من حيث هو علم، وإنما في تجاهل المناهج المدرسية للطرق الحديثة في الانتقاء والتخطيط والعرض والترسيخ، وإهمال التمرس اللغوي، والجانب الترسيخي المنظم في تعليم العربية، واقتصار أكثر المربين والمعلمين على الأنواع القليلة جدا من التمارين، لا سيما التحليلية ( التي تخص الإعراب). وفوق ذلك كله، اتخاذ النحو والصرف في صورتيهما النظرية البحتة وسيلة مجردة من كل تكييف لإكساب المتعلمين الملكة اللغوية، وإعطاء هذا الجانب من القواعد النظرية، والتعليق عليها حصة الأسد( 8).

رد مع اقتباس