دراسة نقدية لمنهج الصرف العربي بين القدماء والمحدثين
م. د. عادل عبد الجبار
جامعة الكوفة- كلية الآداب
سار النحاة المتأخرون على منهج الصرفيين وتبعهم في ذلك علماء التجويد وكان الأولى لهم التجديد وتطوير المنهج على وفق ظروف العربية. بل دراستها على وفق ما يكشف عند التحري الدقيق لطبقة منهج السابقين وما فرضته عليه الغاية والظرف، وقد بدا علم الصوت حتى للدراسيين المحدثين أنه لاحق لعلمي النحو والصرف، عاكسين الحقيقة على ما نرى (كان علم الأصوات في بدايته جزءا من أجزاء النحو، ثم استعاره أهل الأداء المقرئون) ( 1) وأن (قدماء النحاة العرب أول علماء الأصوات في لغتهم)( 2) .
والواقع أن هذه الصورة المنقولة من الظاهر لا يؤيدها المنطق، و إمعان النظر في العربية وجهود علمائها حينما هبوا بدوافع علمية وتعليمية تتعدى العلوم الصناعية إلى صون المنطق وتهذيبه، وقد وجدنا مثالا لهذا المنهج فيما نقله سيبويه من الفروع المستحسنة وغير المستحسنة في الأصوات، وفي كتاب سيبويه الذي جر نجاحه تقليدا في المنهج كما بينا موضوعات تطلبت الكلام على الأصوات، أو تبين فيها الحاجة إلى عرض أوليات هذا العلم . وكان الأولى أن تدرس هذه الموضوعات اعتمادا على الدرس الصوتي فيها.
إن الكلام على الهمزة عند سيبويه دفع إلى الاضطرار في ذكر حقائق صوتية فيها إذ قال: (اعلم أن الهمزة إنما فعل بها هذا من لم يخففها لأنه بعد مخرجها لأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد وهي ابعد الحروف مخرجا، فثقل عليهم ذلك لأنه كالتهوع)( 3).واضطر كذلك سيبويه إلى أن يستند إلى حقائق من علم الأصوات الوظيفي (الفونولوجيا) وهو يبحث عن ا لإعلال فيضطر إلى ذكر متطلبات الانسجام الصوتي ( 4)والإتباع( 5) وكيفية نطق الحروف ( 6) وإيثار حروف الحلق الفتح( 7) .
والكلام على موضوع الهمزة ( 8)، والكلام على حروف الحلق في بعض الصيغ ( 9) وعند كلامه على متطلبات التماثل الصوتي اضطرّ سيبويه إلى إرجاء التوضيح (سنرى ذلك إن شاء الله في الإدغام) ( 10)؛ او أن تلامذة سيبويه الذين نقلوا كتابه أرادوا ذلك , فلا توجد مقدمة للكتاب تبين ما أراد قوله؛ وإنما رتّب تلامذته الكتاب على الصورة التي وصل بها إلينا.
والموضوع الآخر الذي تطلب المعرفة الصوتية هو (باب ما تمال فيه الألفات)( 11) وفيه يستلزم معرفة مخرج الصوائت وأحوالها الحروف المستعلية وتأثيرها وتأثرها، كذلك الكلام على الاشراب في الحروف والقلقلة ( 12) وذكر المهموس والمجهور، ثم يأتي باب (حروف البدل في غير أن تدغم حرفا في حرف وترفع لسانك من موضع واحد) ( 13)، وكلامه على المخالفة الصوتية في باب (التضعيف) ( 14) كل هذه الموضوعات سبقت (باب الإدغام) ( 15).
ولا تحسب هذا النقص في المنهج تقصيرا من سيبويه إذا ما علمنا أن الدرس الصوتي لم يكن جديدا على أسماع المتلقين يكشف عن ذلك بوضوح ما قدمه شيخه الخليل (175 هـ) من ح
قائق بأنه في علمي الأصوات (العام) و(الوظيفي) في (العين)ولا سيّما في مقدمته، وقد جاء تصريف المازني حاملا خصوصية هذا العلم، على أن كتب التصريف الجامعية الحديثة المعتمدة في المناهج الدراسية الحديثة لم تعتمد ذلك الاعتماد المطلوب على الدرس الصوتي، بل إن كثيرا منها عرضت مادته التصريفية وكأن اللغة ولاسيما الصرف لا تعتمد على (الأصوات) وإذا ما تفحصنا المادة التصريفية في بعض أشهر كتب التصريف الحديثة وأكثرها اعتمادا في الدراسات العليا الجامعية وهو كتاب المنهج الصوتي للبنية العربية نجد أن الموضوعات الصرفية الصوتية (ابتدأت من ص134الى ص173) .
فلا نجد دارس هذا الكتاب قد خرج بمعلومات عن طبيعة الدرس الصوتي وأهميته في الموضوعات التي احتوت عليها هذه الصفحات، فهي موضوعات تعتمد على الدرس الصوتي في العرض والتحليل، لكنها جاءت على شكل قواعد عامة أسوة بما تعتمد عليه من منهج في عرض الموضوعات الصرفية البحتة كالجمع، والتصغير والتعدي واللزوم. وهذا ما نلمسه في (الإبدال، الإدغام، الإمالة، الروم، الإشمام , .....) . *
وليست هناك حاجة إلى عرض المادة التصريفية في بقية الكتب التصريفية الحديثة التي جاءت لتقدمها مبتورة ومضطربة ومخلة في كثير من الأحيان بالدرس التصريفي العربي في الأقل في بعض موضوعاته متوخية التسهيل وأعاد هذا الدرس عن صعوباته التي جاء قسم منها في كلام ابن جني على هذا العلم بوصفه (عويصا صعبا) (16 ).
إن المؤلفات التصريفية القديمة والحديثة تعرض لها دارسو علم اللغة الحديث فطرحوا مؤلفات مستقلة ! وكتبوا بحوثا كثيرة لتكون بديلة عن المنهج التصريفي الذي سار عليه علماء العربية والمؤلفون المحدثون، وحاولوا نقدها ودعوا الى تقديم
البديل ليواكب التطور في مناهج الدراسات اللغوية والصوتية الحديثة وإذا استلزم الأمر تقديم وصف موجز لهذه المحاولات (المؤلفات) فان (المنهج الصوتي للبنية العربية) تضمن عرض منهج بديل مستند إلى ( 17):-
1- الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة .
2- الابتعاد عن التقليد واللامبالاة .
3- وضع منهج متكامل للدرس اللغوي، وربط عناصر دراسة اللغة ببعضها.
4- بيان التصاق الصرف بالأصوات .
5- عدم التهوين من قيمة العربية الفصحى في الدعوة إلى التجديد .
6- الفصل بين التحليل الصوتي للمفردة وكتابتها .
7- الفصل بين الواو والياء المديتين، وبين الواو والياء الصحيحتين .
وقد حاول الدكتور عبد الصبور شاهين تطبيق منهجه في الدرس الصوتي معتمدا على معطيات الدرس الصرفي ولاسيما في وصف الأصوات ودراسته للمقاطع الصوتية فقوله إن المقطع مزيج من صامت وحركه يتفق مع طريقة اللغة في تأليف بنيتها ويعتمد على الإيقاع التنفسي، لكن هذا التعريف نتوقف عنده من خلال ثلاث محطات : - أ- قوله (مزيج) يعني تتابعا صوتيا، - ب- البداية والنهاية غير واضحة في المقطع الصوتي – ج – إن مصطلح الإيقاع التنفسي مستعار من علم التشريح ولا علاقة له بدراسة الصوت اللغوي، بيد أن صفحات هذا المؤلف التي لا تتجاوز (216) صفحة، لم تقدم البديل سوى خطوط عامة، وقد جاء الإيجاز فيها مخلا، حتى بالموضوعات الصوتية البحتة في الدرس الصوتي، وقد تجاوز فيها المؤلف فيما تجاوز ما قدمه علماء العربية السابقون من حقائق علمية لأحوال الأصوات مفردة وتركيبا . وأرى ان دراسة الدكتور عبد العزيز سعيد الصيغ ((الأصوات في كتاب سيبويه في ضوء علم اللغة الحديث أفضل من كتاب عبد الصبور شاهين إذ إن الباحث قدّم إشارات نقدية موجودة في كتاب سيبويه لم يلتفت إليها المحدثون .
إذ إن في كتاب سيبويه وبقية المصادر القديمة وفي جهود علماء التجويد مادة علمية ثرة لا يمكن تجاهلها وإهمالها مهما اضطرتنا الحاجة إلى التجديد في المنهج والتأليف ومن المؤاخذات على هذا المؤلف أن حماس المؤلف إلى تجديد المنهج قد بخس للسابقين بعضا من جهودهم، لذلك لا نتفق مع قوله (كان الأقدمون لم يعرفوا تشابك العلاقة بين الأصوات والنحو والصرف لان مثل هذا الحكم لا يستند إلى أية نظرة سطحية لجهود الرواد ويمكن تصحيح العبارة بان الأقدمين لم يعتمدوا منهجا صوتيا وظيفيا في منهجهم الصرفي مع علمهم الدقيق بأسس هذا المنهج ومسالكه وغاياته، وقد أوقع المؤلف نفسه في تناقض في المنهج حينما انتقد أصحاب الدعوات إلى الأخذ باللهجات وتبديل حروف الكتابة، وهو نفسه صرح بان (أول ما يفرض هذا التجديد أن اللغة التي نستعملها بوصفها ((الفصحى)) ليست تلك التي تصدّى لها النحويون والصرفيون) (18)وان القدماء باعتمادهم على المكتوب وإهمالهم المنطوق، حال دون تسجيل الظواهر اللهجية ( 19) واللهجات هنا هي التي صنعت العربية الفصيحة وأمرها مختلف عن العامية التي نتكلم بها اليوم والأخيرة هي المقصودة بعدم الدعوة إليها وهذا ما احدث خلطا عند المحدثين في نظرتهم إلى اللغة المنطوقة وبنوا افتراضاتهم للتغيرات الصوتية عليها وأرادوها بديلا عن افتراضات القدماء في نظرتهم الشاملة إلى اللغة الأم ولهجاتها.
ولم يتضمن (التصريف العربي في ضوء علم اللغة الحديث) للطيب البكوش في حياته المحدودة مادة تصريفية صوتية فضلا عن صرفية لان المؤلف يفرق بين التصريف والصرف تبدد ما تضمن نقدا لاذعا للسابقين، واهم ما جاء فيه :
1- إهمال السابقين تغير البنية دون المعنى؛ ابعد الصلة بين نظام اللغة الصرفي ونظامها الصوتي ( 20).
2- عدهم الألف حرفا في مستوى الواو والياء نفسه ونتج عنه اضطراب في الإعلال.
3- تعليل التغيرات الصوتية انطلاقا من الرسم المرئي، لا من سلسلة الأصوات المسموعة (21)، فقد قال : إن المقطع الصوتي هو فترة فاصلة بين عمليتين من عمليات غلق جهاز التصويت، والصواب عندنا إن (يقول مدة وليس فترة) لان معنى الفترة الاستراحة في الكلام ولم يبين لنا كيفية غلق جهاز التصويت؛ هل يغلق بأكمله ؟ أو في أجزاء منه ؟ ولو سلمنا بتعريفه للمقطع لوجدناه يعد الصوت الصامت صائتا أي أن الحرف الساكن يتحول إلى حركة لان الإنسان عندما ينطق كلامه لا يحدث غلقا إلا في نهاية كلامه .
يبدو أن حماس المؤلف إلى أن يكون منهج الدرس الصرفي العربي الحديث تقليدا لمنهج الدرس الصرفي في اللغات الأخرى، دفعه إلى اعتماد تعريف علم الصرف بأنه (البحث في نشأة الكلمات والتغييرات التي تطرأ على مظهرها الخارجي في الجملة) ( 22)وهذا الحماس دفعه إلى القول :(إن إهمال الحركات في اللغة العربية جعلها ترسم – إن أثبتت – فوق الحرف أو تحته، عوضا أن تكون بعده كما هو الشأن بصفة طبيعية في اللغات الهندية – الأوربية) ( 23).
وإذا ما تساءلنا هل نظر المؤلف إلى التصريف العربي في ضوء علم الأصوات الحديث نظرة عميقة وموضوعية وعلمية شاملة ؟.
لعل نقصان مدة البحث والتحليل والمعالجة الموضوعية في الكلام على الظواهر التأثيرية التي ينحصر أهمها في الإدغام والتقريب والتباعد والتبادل والقلب (24 ) وما بعده تجيب عن هذا التقصير .
وليست بنا حاجة إلى عرض ما تتضمنه الكتب الحديثة التي تناولت التصريف العربي ومنهجه، فهي كثيرة، لكن ما نريد بيانه أن هذه المحاولات لم تستقرِ الجهود الصوتية العربية القديمة استقراءً واسعا ونظرت إلى جهود علماء العربية نظرة سطحية متحمسة للحديث وللجديد أكثر من تحمسها للحقائق العلمية الموضوعية .
ولو استند المؤلف إلى البديل إلى ما ذكرنا، لقدم كلاما ومنهجا موضوعيا آخر؛ وان استند القارئ أيضا إلى ما ذكرنا، ما توقف قلمه من توجيه النقد على هذا البديل، فهل تضمن (مفهوم علم الصرف) مثلا عند الدكتور كمال محمد بشر مفهوما أوسع مما تضمنه عند السابقين، أو انه راح يقعّد قواعد لا تستند إلى ماضي العربية، ليمكن الأخذ بها بديلا ليصبح من الضروري تغير المنهج ومعالجة الأمثلة بمنهج تاريخي؟ ( 25) .ونسأل هل القواعد التي جاء بها يمكن الأخذ بها بديلا ً عن القواعد الصرفية الصوتية التي جاء بها علماء العربية وهم يعالجون التغيرات الصوتية في صيغة (افتعل) (لقد عالج القدماء هذه الصيغة وتعللوا تغيراتها الصوتية تعليلا صوتيا صرفا، وموضوع (الإدغام) تضمن هذه المعالجة, وهو موضوع لم يخل منه أي مصدر نحوي قديم ، وأية دراسة في التجويد وقد قدم السيرافي في (ما ذكره الكوفيون من الإدغام كلاما على هذه الصيغة وتغيراتها عند القراء وغيره من اللغويين)؟.
ونرى من الضروري الذي لا يمكن تجاوزه مع ضرورة عدم الاستطراد التي يفرضها هذا البحث في وصف بقية الجهود الحديثة انه ذكر أن هناك محاولات هي التي تستحق أن توصف بالغموض والاضطراب والتحمل منها ما جاء في (الترتيب في تطبيق القواعد الصوتية في اللغة العربية) (الأبعاد النظرية لظاهرة الانسجام الصوتي في اللغة العربية) ومع ذلك فإننا لا ننكر إن تلك المؤلفات والبحوث وغيرها مما لم نذكره لم تتضمن تقديم مادة صوتية صرفية، وجهودا لمّت ما قدمه الدرس اللغوي الحديث من معطيات حديثة للدرس الصوتي ولعناصر اللغة وللمنهج . ومما لا شك فيه أن هذه المادة العلمية تفيد الباحث والقارئ لأنه يستثمرها للبحث والتوسع في الدراسة وتقديم ما ينفع العربية ودرسها اللغوي، وللتحري عما في كتب التراث، وما في جهود علماء العربية السابقين من ثمار لمّا تقطف وغروس لمّا يكشف عنها بعد.