في الذاكرة المعجمية الكتابية:
لا خفاء أن مساحة التشبيه باتت ضيقة جدًّا بين خواص الأداء اللغوي الكتابي المعاصر، وذاك الذي كان عليه الأداء التراثي القديم؛ فعلى حين صار الأداء الأول صورة شبه حَيّة ومباشرة عن لغة المشافهة، فإن الأداء الثاني، أي التراثي، قد كان شبه عُلوي عن طبقة عوام الناس، وأنصاف مثقفيهم، إنْ وظيفياً، وإن إبْداعيّاً.
وعوامل متعددة جعلت تدفع بالمباعدة بين الأدائين، وأظهرها، نحسبه في فورة ظاهرة (العَوْلَمة)، التي أباحت تدفق المعلومات بسهولة ورُخْص؛ فَعَبْر صَحْن صغير تَزْحَمُ أسيال من المعلوماتية إلى مُتَلَقِّيها. وبلغة عادية تهبط هي بنفسها إلى القاعدة الشعبية العريضة من عموم الناس. عوْضَ أن يرتقي الناس إليها، في نحو الصورة الفَنيَّة والبلاغية المعهودتين في المكتوبات التراثية بعامة، (عند العرب وغيرهم). ومعلوم جيداً أن لغة الأدب الحديث، من شعر ونثر، تَشْغَلُ الفصحى الحديثة العادية معظم مَشْهَدِها الأدبي.
وكذلك لم تر المعجمية الكتابية العربية حالياً إساءة، ولا حرجاً أن تعرض في طواياها أثواباً لغوية مبتكرة، أعني مفردات على وزن (فَعْلَنَة).
وقد اجتمع لنا، بمتابعة هذه المسألة بصورة عفوية حيناً، ومقصودة حيناً آخر أكثر من دليل في البرهنة على موجودية وزن (فَعْلَنَة) في لغة الكتابة، وبعض التمثيلات قد وردت في لغة لغويين كبار، وبعضها في لغة مثقفين ثقافة أكاديمية عالية، مما يعطي مؤشراً على الحاجة لهذا الوزن في الاستعمال المعاصر.
ومن الطريف أن شاعراً من الشبان من الأردن، كأنما راقه وزن (فَعْلَنَة)، فنظم عليه شعرية لطيفة ظريفة، وفي مَذاقَة اللغة الفكاهية، وهو الشاعر: (محمد الحيفاوي)، وقد صاغها في صورة نصيحة أب لابنه العاقّ، وقد تضمنت المفردات (زَعْرَنة، وَلْدَنة، قَرْصَنة، حَمْرَنة، عَصْرنة، عَرْصَنة).
يَكْفِيك زَعْرَنَةً تَدْمى لها المُقَــلُ
قَدْ شابَ رَأْسُكَ والأفْعالُ وَلْدَنَــةٌ
قَدْ تَنْهَلُ اليومَ منْ أعمال قَرْصَنَـةٍ
هذا لَعَمْرُكَ في دُنْياك حَمْرَنَـــةٌ
كُلُّ النَّصائِــح لم يَحْفلْ بها أبـداً
وكـيف تَشْفَـعُ لِلْقُرصانِ أدْعـيةٌ
إنّي همست بروض فيه سَوْسَنـة
هَلْ خَفَّ عَقْلُكَ أم ضَلَّتْ بِكَ السُّبُلُ
قـَدْ هَـدَّني ألَمٌ وانْهَدّ لي أَمَــلُ
مِمَّـنْ أسَأْتَ لَهُمْ مَنْ مِنْكَ قد نَهَلوا
والعُمْرُ يجري فيا رباه ما العمـلُ
إنْ تلك عصْرَنَةٌ أودى بها الأَجَـلُ
والفِـعْلُ عَرْصنةٌ ما ذاك يُحْتمـلُ
قد صار مُرّاً على أشداقنا العَسَـل
ومن المفردات المُسْتَنْخلة في مكتوبات الكاتبين المعاصرين؛ نورد ما يأتي:
أَرْخَنَة: "لأول مرة يتجرأ باحث على أَرْخَنَة النص القرآني"، "هاشم صالح، بترجمة الفكر الإسلامي واستحالة التأصيل، لمحمد أركون، بيروت 2007، ص50".
أَنْسَنَة: "المبادئ التي انبنت عليها قراءات التأويل عند محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد هي: العَقْلَنَة، والأنْسَنَة، والأَرْخَنَة، "محمد زاهد جول، "النص والتأويل"، مقال بمجلة التسامح العمانية، ص225".
بَدْوَنَة: "ظهور العربية قد بدأ من خلال عملية البدونة، "محمد الشرقاوي، بترجمة: اللغة العربية إلى أين، لـ فرستيغ، ص39".
حَرْفَنَة: "مثل قولهم: نفذها بِحَرْفَنَة، وقولهم: عَصْرَنَة الدراسة، أو الدولة"، "محمد عبده فلفل، رصدها في لغة الصحافة السورية في كتابه "اللغة العربية"، ص100".
حَرْكَنَة: "الحركنة الثقافية والسياسية، بمعنى الانخراط في مخطط ثقافي سياسي"، "محمد الأوراغي، التعدد اللغوي، منشورات كلية الآداب بالرباط، 2002 ص، 36"
شَرْعَنة: "قال: إنه لا يعطي شرعنة للمحكمة في ظل الاحتلال"، "عدنان الدليمي، مقالة بالرأي الأردنية، 5/11/2006".
شَخْصَََنة: "شَخْصنة المسائل تضعف مفهوم الحوكمة الرشيدة للشركات"، "أمية طوقان، مقالة بجريدة الرأي الأردنية، 5/11/2006".
شَكْلَنَة: "يقدم البحث الخطوط العامة للنظرية المعجمية المُشَكْلَنَة"، "أمين عبدالكريم، ندوة العربية إلى أين ، ص356، جامعة الجنان، طرابلس، 2006م".
عَصْرَنة: "أي مقدار من التحديث والعصرنة قد صارت إليه عملية التعليم"، "رنا بكداش، ندوة العربية إلى أين، جامعة الجنان، لبنان، 2006م، ص121".
عَقْلَنَة: "في العامية نوع من عَقْلَنة الواقع، بدون التخلي عن لذة الانتصار"، "فؤاد بريكي، مجلة كلية الآداب، فاس، عدد (8)، 1992م، ص27".
- "الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تنتقده نقداً مُعَقْلَناً هو الإطار"، "حمزة المزيني، بترجمة: الغريزة اللغوية، لـ ستيفن بنكر، ص515".
قَطْعَنَة: "القطيع لا يؤتمن، والقَطْعَنَة التي شملت البشر حرمت الإنسان خصوصياته"، "خيري منصور، الرأي الأردنية، 10/ 6 / 2008".
قَوْنَنَة: "المحكمة العليا وراء قوْنَنَة تشريع عدم الشَّمل بين الفلسطينيين"، "الرأي الأردنية 5/11/2006".
فَعْلَنَة في كتب التراث:
ما أوردناه بمطاوي البحث آنفاً، عن تمثيلات (فَعْلَنَة) الكتابية، يعطي شهادة مصادقة على ارتقاء السيادة لهذه الصيغة، بتحولها إلى المعجم الكتابي العربي، وفي العادة: أن المكتوب منظور إليه في العربية على أنه لغة فصيحة، وذات قبولية ومشروعية، خاصة عند تداوله بأقلام الكتبة الأكاديميين.
وفي حاقّ الأمر فإن الباحث يَشُقّ عليه أن يرصد استعمالاً لوزن (فَعْلَنَة) في التراث الصرفي القديم، فلا تسجيل له في كتب الأبنية الصرفية، وعلى كثرة الأبنية المتولدة من مصادر الثلاثي المجرد، بما يزيد على نيف وثلاثين وزناً، ما بين أساسي ومستدرك ملحق بالأساسي( 9)، فلا ذكر لـ (فَعْلَنَة).
بيد أن كتب الأبنية مُتَقاطِرة على سَرْد صيغة أخرى، كأنما هي الأم لـ(فَعْلَنَة) وهي (فَعْلَن)، وهي صيغة تُذْكر، عادة، في أبنية الإلحاق، مما يتَولد بزيادة لاحقة النون في آخر الثلاثي ليصير رباعياً، وتكون في بنية اسمية أو وصفية، لكن ليس ضمن أبنية الأفعال. وهناك مفردات شبه محفوظة بأعْيُنها تتكرر في هذا الصدد:
• (امرأة خَلْبَن، أي خرقاء، وناقة عَلْجَن، أي غليظة، ويَدٌ رَعْشَنَ، أي مرتعشة، ورجل ضيفن، أي مضياف)( 10).
• وكذلك ما أورده ابن السكيت (244هـ) في الإبدال والمعاقبة "باب ما تُزاد فيه النون، فقال: قال الأصمعي: زادت العرب النون في أربعة أحرف من الأسماء، قالوا: رَعْشَن للذي يرتعش، وللضَّيْف ضَيْفَن، للذي يحضر مع الضيف ليأكل ما يُقْرى الضيفان، قال الشاعر:
إذا جاءَ ضَيْفٌ جاء للضَّيْف ضَيْفنُ فَأَوْدى بما يُقْري الضُيوفَ الضَيَافِــنْ
• وامرأة خلبن، وهي الخرقاء، وليس هو من الخلابة، وناقة علجن، وهي الغليظة الجسْرَة المُسْتجمعَةُ الخَلْق، وأنشد من الرجز:
وخَلَّـطَـتْ كُـلُّ دَلاَثٍ عَلـْجَـنِ***تـخليطَ خَـرْقاءِ الـيدين خـلْبَنِ( 11)
• وقال المازني: فإذا وجدت حرفاً من حروف الزيادة سوى الواو، والياء، والألف، في شيء يُشْتق من معناه ما يَذْهَب فيه، فاجعله زائداً، نحو رَعْشن، لأنه من الرَعْشَة، يدلك على ذلك قوله:
من كُلّ رَعْشاءَ وناجٍ رَعْشَنِ( 12).
وفي المظنون الراجح لدينا أن إمساس المعنى المفاد من وزن (فَعْلَنة) قد عرفته الفصحى التراثية في صيغة (فَعالَة)، وهي صيغة شائعة في استدعاء مفردات تنتمي إلى حقل دلالي (في الطبائع أو المعاني الثابتة)، مما له خاصية الثبوت أو الوجود على حالة مطلقة، ومن اليسير عرض سلاسل مفردات تُمعْجِمُ خصيصة الطبع أو ما يشبهه، من المعاني المجردة الثابتة، ومنه:
• جَهالَة، حَقَارَة، فَطانَة، بَلادَة، صَلابَة، بَطالَة، جَلادَة، خَزايَة، صَغَارَة، ضَآلَة، طَراوة، حَداثَة، هَناءة، صَواتة، صَرافَة، سَلامَة، مَراءَة، سَذاجَة، شَباهَة، فَكاهَة، عَبالَة، نَكَالَة، نَكَارَة، طَعَامَة.
وكذلك فإن المفردات من وزن (فَعْلَنَة) ترد في معنى الدلالة على (الثبوت والوجود على حالة)، لكنها حالة مقيدة لا مطلقة، من حيث لم تكن حالة الثبوت واضحة في صاحبها، ثم تحولت إلى الثبوت والاتصاف؛ ولا يستبعد أن يكون العدول من (فَعَالَة) إلى (فَعْلَنَة) به قيمة مخالفة ومفارقة بين كلام فصيح وآخر عاميّ؛ ومن شأن لغة الحياة العادية إحداث اختراقات لغوية، بالزيادة أو النقص؛ وفضل كلام عن هذه النقطة سيرد في موضعه لاحقاً من هذا البحث، وكفاية المقام هنا أن نجري المقابلة الموالية.
• في الفصيح: جَهالَة، حَقارَة، سَفالَة، عَباطَة، تَياسَة، جَحاشة، زَعارَة، شَهامَة، بَداوة.
• في العامي: جَهْلَنَة، حَقْرَنَة، سَفْلَنة، عَبْطنة، تَيْسَنة، جَحْشَنة، زَعْرَنة، شَهْمنة، بدونة.
تَبَرْعُم وزن (فَعْلَنَة):
تحسن الإشارة إلى أن وزن (فَعْلَنَة)، قد تَبَرَعَمَ في الاستعمال المعاصر، بمقتضى معيارية النظام الاشتقاقي الصرفي في العربية، فتولدت منه صيغ صرفية ما بين اسمية وفعلية، ولا غرابة؛ فالمنهج الجذري، الذي عليه تكوين المفردات العربية، يُبيح استدعاء مواد لغوية تكميلية، لم تُرصد سماعاً من قبل، واستثماراً للطاقة التوليدية الكامنة في كل جذر لغوي على حَدّه، وحسب الاحتياج إليه.
وصحيح أنه في المفردات المُسْتَجِدة تَقْبَعُ مشكلة الاعتراف بها من عدمه، ولكن ذاك مَشْغَلة فقه الفقهاء باللغة، لا اللغة نفسها، فاللغة شيء وعلم اللغة شيء آخر، تماماً مثلما الشريعة شيء، وفقه الشريعة شيء آخر، والمتحصل أنه توجد مفردات جديدة، وعدم الاعتراف بها لا يعني نفيا لوجودها.
وقد كانت فئة مُتَنَوّرة من علماء السلف على إجازة المُتَغَيِّر اللغوي، ومن قواعدهم "أنه إذا صَحّ الاسم فالفعل بالكفّ" يريدون أن القياس ضامن بَلِمّ الشمل، وبالتوسعة إلى باقي التصاريف اللغوية، عند عَوَز الحاجة إليها.
فابن منظور يورد في لسان العرب قوله: "ليس في الأفعال (فَعْلَنَ)، وإنما هو في الأسماء، نحو عَلْجَنٌ، وخَلْبَنٌ، ولكن مجيء الاسم على وزن (فَعْلَن) يوجب أن يجيء الفعل على وزنه أيضاً، لأن الاسم هو الأصل، والفعل تفرع منه، مثل: عَرْجَنَه بالعصا، ضربه بالعرجون"( 13).
ومنه قولهم: دَرْجَنَت الناقة على ولدها دَرْجَنة: رمته بعد نِفار، وبَحْثَن في الأمر بَحْثَنَة: تراخى فيه.
ومن توسُّطات القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، بين المتنبي وخصومه نورد المناكفة الموالية "قوله (أي المتنبي):
فِـدىً مَـنْ عـلى الغَبْراءِ أوَّلُـهم أنا***لـهذا الأَبيِّ الـمـائِـدِ الـجَائِد القَرْمِ
قالوا: لم يُحْكَ عن العرب: الجائد، وإنما المحكيّ عنهم رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد.
قال المحتج: "هذا الباب يُستغنى فيه بالقياس عن اسماع لاطّراده، واتساق أمره على الاعتدال، فكلُّ فِعْل في الكلام يقتضي التصريف إلى فاعِل ومفعول، وكل فِعْل فله مُفْعِل ومُفْعَل، ولسنا نحتاج في مثل هذا إلى التوقّف، واتباع المسموع، وهذا أشبه بمذاهب القياس، والأصل الذي عليه أهل اللغة"( 14).
وعليه كان قرار لجنة الأصول في مجمع اللغة بالقاهرة؛ قبول ما يشيع على ألسنة المثقفين من نحو: عَلْمَنَ، وعَضْوَن، وعَقْلَن، ومصادرها، وما يشتق منها، على أن تعدّ النون زائدة. وفي الموضوع بحث للدكتور محمد حسن عبدالعزيز(15 ) بعنوان: "زيادة النون في فَعْلَنَ وما يشتق منها، وقد أطلعنا عليه ولم نجد فيه الإضافة التي نتغياها من جراء بحثنا هذا، وهو يذهب إلى أنَّ ولادة هذه البنية جاءت لسَدّ حاجة الترجمة للمصطلحات الأجنبية: فالذين يقولون (يُعَلْمن) يريدونها بإزاء الفعل Secularize بمعنى يجرد العلم عن صفته الدينية، والذين يقولون (يُعَضْون) يريدونها بإزاء الفعل Organize، بمعنى يجعله عضواً، والذين يقولون (يُعَقْلِن) يريدونها بإزاء الفعل Rationalize، بمعنى يجعل الشيء عقلانياً.
وثمة إشارة لطيفة جداً، قد تنبّه إليها، وهي: توظيف بنية "فَعْلَنَة" في توليد المصطلحات العلمية لدى علماء الطبيعيات، وإثباتهم إياها في المعجمات المتخصصة؛ للدلالة على وجود المادة نفسها في الشيء ذاته؛ ومنه أن يقال في عوارض "الدم أو البول": حَمْضَنَة، وقَلْوَنَة، وفَحْمَنَة، وصَفْرَنَة، وبَوْلَنَة، وشَحْمَنَة ... إلخ.
مرونة الاشتقاق من الرباعي: