الفصل الأول: أنواع الضرورات
قسم النحاة الضرورة اقسامًا عدة باعتبارات مختلفة فهي على قسمين باعتبار الحسن والقبح في ارتكابها, الحسنة هي التي لا تستهجن ولا تستوحش منها النفس,(30 ) والتي تعود أصولها إلى اللهجات المعتبرة والقراءات المشهورة والمعروفة وبعض المذاهب النحوية التي عززها القائلون بها بشواهد مقبوله وأن خالفت قوانين اللغة الأدبية كصرف ما لا ينصرف تشبيها له بما ينصرف من الأسماء, لأنها أسماء كما أنها أسماء كقول الشاعر:
إذا ما غزا في الجيش حلق دونهم *** عصائب طير تهتدي بعصائب
والقوافي مجرورة( 31) وقول النابغة الذبياني:
فلتأتينـك قصائــدٌ وليـركبـن *** جيشٌ إليك قـوادم الأكـوارِ( 32)
وقصر الجمع الممدود تشبيهاً بحذف الياء من "فعاليل" ونحوه، كقول الشاعر:
فلـو أنَّ الأطبا كانُ حــولي *** وكان مـع الأطبـاءِ الأُساةُ( 33)
وقول الآخر:
لابدَّ مِن صَنْعا وإنْ طال السفرْ وان نحنـى كلُّ عَود ودَبِر( 34)
بقصر صنعاء.وتسكين العين في جمع فَعْلَة بالألف والتاء حيث يجب الإتباع، كقول الشاعر:
عـلَّ صروف الدهر أو ذُواتها يُدِلْننـا اللمـة مـنْ لماتها
فتستريح النفسُ من زفراتها( 35)
ومدّ المقصور كقول الشاعر:
سيُغنيني الذي أغنـاك عنـي فلا فقرٌ يدومُ ولا غِنــاءُ( 36)
والمستقبحة: وهي التي تمجها الأذواق السليمة كالعدول بالأسماء عن وضعها الأصلي(37 ) بتغييرٍ ما فيها من زيادة أو نقص يترتب عليه التباس جمع بجمع مثلاً كرد "مطاعم" إلى مطاعيم أو عكسه، فإنه يؤدي إلى التباس "مطعم" بـ"مطعام". وكالنقص المجحف كما في قول لبيد بن ربيعة:
درس المنـا بمُتالعٍ فـأبانِ *** فتقادمت بالحَبْسِ فالسُّوبانِ(38 )
يريد: المنازل( 39). فرخَّمه في غير النداء بحذف حرفين منه هما الزاي واللام.
وقول العجاج: واطناً مكةَ من وُرْقِ الحمَي ( 40) يريد: الحمام..
وكذا قول الحطيئة:
فيها الرماح وفيها كلُّ سابغةٍ *** جَدْلاءَ مُحْكَمَةٍ من نسجِ سلاّمِ(41 )
وأكدوا على ضرورة تجنب الأخيرة فذهب ابن جني في الخصائص إلى ضرورة الأخذ بأحسن القبيحين إذا اضطر الشاعر إلى ضرورتين لابد من إحداهما فينبغي اللجوء إلى أقلهما فحشاً(42 ) وهو رأي سليم من شأنه أن يبتعد بالشاعر عن ارتكاب القبيح الذي يمكن تجاوزه إلى آخر أقل قبحًا فيما قسمها سيبويه على أربعة أنواع باعتبار بنية اللفظ مرة وموقعها في السياق أخرى منها النقص كحذف ما لا يحذف تشبيهًا له بما يحذف واستشهد بقول العجاج:
قواطناً مكة من وُرْقِ الحَمى
يريد الحمام( 43) وقول الآخر:
وَطْـرِتُ فـي يِعْمَــلاتٍ *** دَوامي الأيدِ يَخْبِطـنَ السَّرِيحا(44 )
بحذف الياء من أيدي مع اقترانه بالألف واللام.
والزيادة والتقديم والتأخير والإبدال وهي عند الآلوسي ثلاثة الحذف والتغيير والزيادة. وقد ارتأت الباحثة أن تأخذ بالتقسيم الأول لكونه أخص بمجال البحث لأن المدار في الضرورة هو القبول والرفض والذي ينبع لا شك من الحسن والقبح: ولا ريب في أن الأخذ بالضرورات الحسنة أفضل من ارتكاب المستهجنة.ولم يتفق النحاة على عدد معين للضرورات الشعرية فمنهم من ذهب إلى أنها عشر وقد ذكرت في بيتين عزيا إلى الزمخشري:
ضرورة الشعر عشر عد جملتها *** وصل وقطع وتخفيف وتشديد
مد وقصر وإسكـان وتحـركة *** ومنع صرف وصرف وتعديد( 45)
فيما ارتفع بها آخر الى مائة كما نسب لأبي سعيد القرشي نظمه أرجوزة سماها( اللسان الشاكر في ضرورة الشاعر) فيما يرى الآلوسي(46 ) أن الصواب عدم تحديد عدد الضرائر وهو الرأي الراجح عندنا لاننا إذا أردنا إحصاء الضرائر إحصاءً دقيقاً كان لزامًا علينا استقراء اللغة استقراءً تامًّا وهو أمر لم يتحقق لعدم إدراك اللغة بأكملها قال أبو عمرو بن العلاء (( ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا اقله ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير))( 47) ولعل من المناسب هنا أن نشير إلى أن البحث في اللهجات العربية أدى إلى نتيجة هامة مفادها أن عددًا كبيرًا من الظواهر اللغوية التي تبدو في ظاهرها مخالفة للقاعدة إنما كانت موجودة في اللسان العربي قبل وضع القواعد لأن تقعيد العلوم ومنه النحو لم يقم على سماع كامل للغة وإنما كان عبارة عن استقراء ناقص أثمر نتائج لا تعد نهائية يمكن الجزم بها لكنهم وضعوا قواعدهم مستندين إلى تلك النتائج مضافًا إلى أنهم حكموا المنطق في اللغة وهو أمر يخالف طبيعتها، لهذا فقد جاءت قواعد العربية منقوصة لم تراعِ طبيعة اللغة فأبعدت الكثير من ظواهر العربية من مفاصل التقعيد النحوي ومن ثم فقد لجأ النحاة إلى تخطئة من خالف قواعدهم ومنها مثلا نسبة الكثير من الاستخدامات اللهجية إلى اللحن أو الضرورة وعليه يبدو أن عدد الضرائر لايمكن أن يصل إلى درجة قطعية يمكن الاطمئنان إليها.
الفصل الثاني: موقف النحاة من الضرورات الشعرية
1. الخليلٍٍِ بن أحمد الفراهيدي [ت 170] العالم اللغوي الكبير الذي يمكن أن يعد من أكثر النحاة فهما لخصوصية الشعر بما امتلكه من إلمام بالنظام اللغوي العام يصحبه حس موسيقي فذ تجلى في وصفه لأوزان الشعر وقوافيه وما يعرض له من زحافات وعلل وتطبيقه لكل ذلك تطبيقًا مباشرًا موظفًا ما امتلكه من إمكانات لغوية وعروضية نراه يدفع عن الشعراء تهمة الخطأ والتجاوز على قواعد اللغة حين منحهم إمارة الشعر التي تتيح لهم التصرف في النظم تصرفًا حرم منه الناثر فهم عنده (( أمراء الكلام يصرفونه أنى شاؤوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده... ومد المقصور وقصر الممدود، والجمع بين لغاته،والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرّبون البعيد ويبعّدون القريب ويُحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق، والحقّ في صورة الباطل))( 48) والضرورة عنده هي (( ما وقع في الشعر مما لايجوز في النثر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة ام لا)) ( 49) وهو مذهب الجمهور والرأي الراجح لدى الباحثة لأنه بذلك يكون قد ميز بنية الشعر عن النثر بدليل أنه يصف ما يجيزه في لغة الشعر قبيحًا في لغة النثر كقوله:(( إن أفضلهم كان زيد. وإن زيداً ضربت. على قوله: أنه زيداً ضربت. وأنه كان أفضلهم زيد. وهذا فيه قبح وهو ضعيف وهو في الشعر جائز)) (50 ).
2. سيبويه [ت: 180 هـ] وافق أستاذه الخليل في جواز ما يقع في الشعر دون النثر ( 51) فلم يشترط في الضرورة أن يكون مما ليس للشاعر عنه مندوحة و يرى أن لكل ضرورة يرتكبها الشاعر تأويلاً يفسرها، وحجة تخرجها، فلم يخطأ الشاعر ولم يتهمه باللحن. قال (( وليس شيء يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهاً))( 52) لكنه وصف بعضها بالقبح وأشار إلى أن الشعراء يحتملون قبح الكلام حتّى يضعوه في غير موضعه(53 ) لأنه مستقيم ليس فيه نقضٌ وجعل منه قول عمر بن أبي ربيعة:
صَدَدْتِ فَأَطْوَتِ الصُّدودَ وَقَلَّما *** وِصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ( 54)
الأصل: وقلَّ ما يدومُ وصالٌ.
2. المبرّد [ت: 286 هـ] ميّز بين نوعين من الضرائر أجاز أحدهما ووصف الآخر بالقبح ونهى عنه: وهما مما اصطلح عليهما بالضرورات الحسنة والضرورات القبيحة : النوع الأول يرتكبه الشاعر، فيردّ الأشياء إلى أصولها كصرف الممنوع من الصرف لأنَّه إنّما يردّ الأسماء إلى أصولها ( 55).أما إذا خرج بها عن الأصل فذلك قبيح يقترب به من اللحن وهو القسم الثاني الذي نهى عنه لأنَّ الضرورة لا تجوّز اللحن( 56).
3. ابن جني [ت: 392هـ] وافق الجمهور في إجازة الضرورة (57 ) ولم يكتفِ بإجازتها بل ذهب إلى أبعد من ذلك فتسامح مع المحدثين في أمر الضرائر فأجاز لهم اللجوء إليها كما جازت للأقدمين حملا للحديث على القديم وردَّ من زعم بأن القدامى كانوا يرتجلون الشعر ارتجالاً، فلا يحككون ولا يثقفون، بخلاف المحدثين الذين يمكنهم التخلص من ذلك بالأناة والصنعة التي يتمتعون بهما وذهب إلى أن الشعر القديم ليس مرتجلا دائمًا بل كان يعرض لهم فيه الصبر واستشهد بزهير بن أبي سلمى الذي عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمى حوليات زهير(58 ) وترى الباحثة أنه لا فرق بين الشاعر القديم والحديث وهو أمر يفرض نفسه في الواقع الأدبي فإذا كانت الظروف التي تمر بالفريقين واحدة ونقصد الحالة الشعرية كما توصف لحظة الإنشاد من الارتجال أو الصنعة فليس من العدل أن يحرم المحدث مما حظي به القديم وإن كانت لا تميل إلى ما ذهب إليه ابن جني حين أجاز لهم التوسع فيها واحتج لهم باختلاط اللغة( لغة المحدثين) باللغات الأُخر خلافًا للغة المتقدمين التي كانت لغة صافية نقية من الشوائب التي لحقتها في زمن المحدثين فلا يمكن الفرار من الضرورات قال(( إذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاء شعرائنا كان مثل ذلك في أشعار المولّدين أحرى بالجواز))( 59) فليس من الصواب أن يسمح للمحدثين بزيادة الضرورات عما هي عليه لكون المتقدمين حين صدرت عنهم فإنهم كانوا يتمتعون بلغة ناضجة سليمة لم تختلط بعد بلغة الأعاجم فإذا كنا قد أجزنا لهم بعض الخرق للقواعد ثم تسامحنا مع المحدث والمولد فما ضرورة القواعد إن لم ينضبط القائلون بأصولها. ولعل من الشعراء من صدر عن رأي ابن جني فقد ورد عن أبي الطيب المتنبي أن الشاعر قد يخرج عن القاعدة، لا للاضطرار، ولكنْ للاتساع في لغة الشعر، فيحذف ويزيد(60 ).
4. ابن فارس(395هـ ) تشدد مع الشعراء في أمر القواعد وأنكر القول بالضرورات في الشعر ورد الخليل الذي جعل من الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم وذهب إلى أنهم ـ خاصة القدماء ـ أصابوا في أكثر شعرهم، وجانبوا الصواب في أقلّه،إلا أن النحاة لم يتهموهم باللحن ولم يخطئوهم لأنهم احترموا الشعر القديم احترامًا أدى بهم إلى أن يتأولوا مخالفات الشعراء ليخرجوهم من دائرة اللحن ورفض احتجاجهم بالوزن)) لأنهم غير مكرهين على قول سليم الوزن عليل الصحة))( 61). واحتج على النحاة بقوله (( ونحن لم نَرَ، ولم نسمع بشاعر اضطره سلطان أو ذو سطوة بسوط أو سيف إلى أن يقول في شعره ما لا يجوز، ومالا تجيزونه أنتم في كلام غيره))(62 ) وهو بكلامه هذا إنما يعد الشعر والنثر فناً تعبيرياً واحداً فلا يبدو أنه يشعر باختلاف كل منهما عن الآخر لذا يرى ضرورة اخضاعهما للقواعد نفسها ولم يسمح للشاعر بالخروج عنها وترى الباحثة أن القواعد حين توضع في علم من العلوم فإنها إنما تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه الأولى ضبط الأصول التي يسير في هديها المستخدم وثانيًا تيسر له أمر التطبيق فلا تلزمه بقواعد صارمة دون أن تمنحه منفذا يهرب إليه عند الاضطرار ولكن يبدو أن ابن فارس في منعه وتشدده مع الشعراء قد أعرض عن كل ما جاء به سابقيه واتخذ رأيا نرى أنه من المتعذر على الشعراء الالتزام به في جميع الأوقات فليس من قاعدة من القواعد الشرعية والقانونية إلا وكان لها استثناء فكيف وقد تعلق الحال بالشعر الذي انبثق أصلا عن ضرورة من ضرورات الحياة التي يتقلب فيها الإنسان من حال إلى حال مؤثرًا في كل ما يحيط به فكرا وعاطفة وتعبيراً.
الخاتمة
اتضح لنا من خلال متابعة آراء النحاة في الضرورة الشعرية أن أغلب النحاة لم ينكروا على الشعراء خروجهم عن القواعد العامة للغة الأدبية الموحدة ولم ينسبوا إليهم عجزًا أو خطأً بل عده ابن جني من شجاعة الشعراء أن يتخذوا طريقًا خاصًّا بهم في التعبير وإن اقتضى ذلك التوسع في اللغة بإدخال ما خالف اللغة الأدبية الموحدة ولا يتناقض ذلك مع اختلافهم في جواز استخدامها بين من أجازها اضطرارا وآخر لم يرَ بأسا في اللجوء إليها في السعة مضافًا إلى الاضطرار وهذا الاتفاق إن دل فإنما يدل على أنهم أدركوا بأن للشعر لغة خاصة يجوز فيها ما لا يجوز لغيرها بناءً على ما تفرضه الحاجة الفنية التي تتمثل بالموقف الشعري الذي يقتضي أحيانا لفظاً يرى الشاعر أنه أبلغ في إيصال المعنى أو أنه اضطر إليه في لحظة إنشاده الشعر خاصة إذا علمنا أن أغلب أشعار العرب تقع من دون روية إذ لا يتاح للشاعر استحضار معجمه الذهني اللغوي ليختار منه الألفاظ الموافقة للقاعدة النحوية وفي الوقت ذاته تلائم الوزن والقافية التي يقوم عليهما الشعر وهو ما ذهبت اليه الباحثة فهو أمر جائز لا يؤاخذ عليه الشاعر لأنه لم يقصد المخالفة كما أنه في الغالب يلجأ إلى استخدامات لهجية لا تعد شاذة عن لغة العرب مضافًا إلى كونها نابعة مما تفرضه ضرورة الإنشاد وأن النحاة الذين أنكروا مخالفته للقواعد إنما حصل لأنهم لم ينظروا إلى الخصائص اللغوية والعروضية للشعر حين فرضوا القواعد التي لم تطرد مع الاستخدام الشعري الذي ينصب اهتمام الشاعر فيه على أداء المعنى المطلوب أكثر من التزامه بقواعد اللغة يتضح ذلك في قول الفرزدق لمن اعترض عليه ( علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا) وهو دليل واضح على اهتمامه بأداء المعنى قبل اهتمامه بالقالب اللغوي الذي يصب فيه معانيه فليس هناك لفظ أو تركيب لا يمكن استبداله بلفظ أو تركيب آخر يتساوق مع القاعدة النحوية .
وترى الباحثة أن المذهب الأول الذي يمثله الخليل ومن تابعه في إجازة الضرورات في السعة والاضطرار أقرب إلى واقع الشعر وأكثر فهمًا لخصوصيته فالطبيعة (( الكمية في أوزان الشعر العربي والتزامن الواجب بينها وبين نظام القافية, ولزوم هذا التزامن في القصيدة كلها))( 63) يدفع الشاعر أحيانا إلى استخدام لفظ أو تركيب جملي يرى فيه مخرجا أو يجده أكثر اتساقا مع الوزن والقافية التي تقيده أحيانا بارتكاب تلك الضرورات وإلا فإن الشاعر القديم مثلا لايمكن أن يكون عاجزا عن الإتيان بلفظ او تركيب صحيح نحويًّا ومستقيم مع الوزن وهو الذي يتكلم بلغة سليمة ناضجة قياسا بلغة الشعراء المحدثين الذين شابت لغتهم لغات أخر باختلاطهم بأقوام أعجمية مثلا فالشاعر الذي منحه الخليل العالم اللغوي الكبير إمارة الشعر وأعطاه الحق في التصرف به لم يكن غافلا عن إمكاناته اللغوية بل كان مطمئناً إلى صحة تصرفه فيها وإن تسامح معه في بعض الاستخدامات التي تعد لازمة من لوازم الشعر, خاصة وان الشاعر يمتلك حق الخرق لقاعدة وضعت تاريخيا بعد قيام النص الشعري إذ إنه سبق القاعدة النحوية فالنحاة استشهدوا به لقواعدهم كما أن الشعراء في استخدامهم الضرورات إنما خرقوا صرامة القواعد التي وضعها النحاة فيما بعد وألزموهم بعدم الخروج عنها إلا أنهم لم يوفقوا إلى ذلك فما زال الشاعر أمير الكلام يتصرف فيه أنى شاء لخدمة الوزن مرة أو المعنى أخرى وقد أحسن فندريس في كتابه اللغة حين وصف لغة الشاعر بأنها تمثل لغة النفس بما فيها من توتر وانفعال والتي تختلف عن لغة النثر, لغة العقل بما فيه من روية وان اللغة الشعرية هي لغة انفعالية ينصب اهتمامها على الفكرة التي تعبر عنها فتقدمها على القالب اللغوي إذ لا يتيسر للشاعر الوقت للبحث عن الألفاظ التي تعبر عن فكرته خير تعبير وتتلائم مع القاعدة التي وضعها النحاة فالشاعر غالبًا ما يلتفت إلى مخالفات كان بإمكانه تجاوزها لولا انشغاله بما يعتمل في داخله وحرصه على إبرازه في صورة شعرية معينة إذ (( من الممكن أن نَسِم لغة الشعر بأنها لغة انفعالية، ولغة النثر بأنها تعاملية أو منطقية))( 64)، ففي اللغة الانفعالية(( يقتصر الاهتمام على إبراز رؤوس الفكرة؛ فهي وحدها التي تطفو وتسود الجملة، أما الروابط المنطقية التي تربط الكلمات بعضها ببعض، وأجزاء الجملة بعضها ببعض فإمّا ألاّ يُدَلّ عليها إلا دلالة جزئية بالاستعانة بالتنغيم والإشارة إذا اقتضى الحال، وإمّا ألاّ يُدَلّ عليها مطلقاً ويترك للذهن عناء استنتاجها))( 65) وعليه فيمكن القول بأن الضرورة الشعرية إنما هي من خصائص اللغة الشعرية التي تنسجم مع خروج الانسان( الشاعر) عن حالته الطبيعة الهادئة التي يتحكم فيها برود العقل الى الحالة الانفعالية وما يصدر عنها من خروج شعوري يصحبه في اللغة التعبيرية خروج عن قواعد اللغة الأدبية.