وليس يضير الداعين إلى التصحيح إعراض من يعرض عما نبهوا على بعده من الصواب ، وافتقاره إلى ما يبيح استعماله من الدلائل والشواهد .
وإذا كانت الحاجة إلى التصحيح اللغوي قائمة ولازمة في كل حين فإنها في زماننا هذا ألزم وأوجب ، إذ غدا الوقوع في الخطأ أفشى وأشيع مما كان عليه في كل العهود السابقة .
وذلك للأسباب الآتية :
1) اتساع مجال الكتابة السريعة فيما يتمثل في الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام ، ولما كانت هذه الوسائل تمثل مظهرًا ثقافيًّا معتبرًا غدا ما ينشر فيها محظيًّا بالثقة والتقبل، فيؤتم به وينهج نهجه ، ثم إن ما ينشر في هذه الوسائل ليس بالقليل ، وإنما هو الفيض الوافر يحيط بالقارئ والسامع من كل جانب , ويهجم عليه هجومًا في كل حين ، فيكتسب كل ما خالف الصواب مع كثرة تردده القبول والاستقرار في الأذهان والأسماع.
2)إن الكثيرين ممن يتجهون إلى الكتابة في هذه الوسائل السريعة تنهض أساليبهم على ما يستقر في أذهانهم مما يقرؤونه فيها، وقل من هؤلاء من يتجه إلى منابع اللغة ومواردها الأصيلة لإثراء لغته وتقويم أسلوبه . منتهى همته أن يحذو حذو هذا المكتوب المنشور في هذه الوسائل، إذ لايراوده شىء من الشك في صحة كل ما يرد فيها، وهو قريب، وفي متناول الأيدي والأسماع في كل حين .
3)إن طائفة كبيرة ممن يكتبون استمدوا علومهم مما هو مكتوب في اللغات التي اتجهت دراساتهم إليها، وإن هؤلاء لايمتلكون من المتاع اللغوي سوى النزر اليسير مما وعوه في مراحل الطلب الأولى، وإن من هؤلاء من يتجه إلى الكتابة والتأليف فيما يتخصص به، أو يقوم بترجمة ما يراه ضروريًّا في مجال تخصصه بالمتاع القليل الذي وعاه من اللغة . فليس مستبعدًا أن يكثر الخطأ , والبعد من الاستعمال السليم فيما يكتبون أو يترجمون . إذ مع الحرص على الاقتراب الشديد من النص المترجم ، والسير بمحاذاته يكون البعد عما يتسم به الأسلوب السوي السليم في اللغة العربية .
4)إن الكثيرين ممن يكتبون قد بلغوا درجات عليا، ومراتب كبيرة في ميادين تخصصهم , فتكتسب أخطاؤهم قبولا واعتبارًا بتأثير ما بلغه منهم من الرتبة فيها، وإن كانوا هم في مستوى دون ذلك فيما لديهم من اللغة ، ومن معرفة أحكامها ، وما يصح وما لايصح ، فيأتم بهم من دونهم في الكثير مما يصدر عنهم ، ومن هذا السبيل يستمر الوقوع في الخطأ ويشيع .
5) إن بوادر الإبداع تبدو لدى كثير من المبدعين مبكرًا ، ويدفعهم إغراء النشر إلى إظهار نتاجهم قبل أن يكتمل نضجه بما يستزيدونه من الثقافة والعلم ، ثم ينطلقون بالمتاع القليل الذي تزودوا به منها إلى الآفاق الواسعة التي يمتد إليها إبداعهم ، وربما قادهم ذلك إلى استعمال ما لم يتوثقوا من صحته من الألفاظ والتراكيب,ثم تزديهم أسماؤهم ، ورسوخ أقدامهم فيما يكتبون فيصرفهم ذلك عن التوجه إلى الاستزادة من معرفة اللغة ، وإدراك ما هم محتاجون إليه من معرفة أحكامها.
ولو تتبعنا جهود التصحيح لوجدنا أن كبار الشعراء والأدباء قديمًا وحديثًا لم يسلموا من رد المصححين لما وقعوا فيه من مخالفة الاستعمال الأقوم والأسلم في اللغة .
وفي مقابل هذا كله فإنه مما ينبغي مراعاته والتنبه له إنما هو التزام الحذر من تقبل كل ما يفتي به المصنفون في اللحن من قبل والمصححون من بعد ، إذ إن هؤلاء وأولئك قد وقعوا في كثير مما شان جهودهم وعابها ، وذلك حين أقدموا على تخطئة ما هو صحيح ومنعوا استعماله ، ولاشك أن الخطأ دون الصحيح ، فكلاهما مجحف باللغة مؤد إلى اطراح ما صح فيها وإلى الانحراف عما سلم واستقام منها .
إن التصدي للتصحيح اللغوي ينطوي على قدر كبير من المجازفة، إذ ليس من اليسير أن يمنع مانع بناء أو دلالة للفظ, أو تركيبًا لغويًّا معتمدًا على ما تناهى إليه من العلم، أو ما توافر لديه من الشواهد والدلائل . فاللغة باتساعها مكانًا وزمانًا ، وبثراء تراثها ليس من السهل الإحاطة بكل دقائقها إحاطة تامة، ومن هنا فقد رافق جهد التصحيح جهد آخر هو متابعة ما يقرره المصححون في جهتي الإنكار والقبول، إذ تكشف بعد التقصي والمتابعة أن التصحيح نفسه محتاج إلى تصحيح ، فلم يتهيأ لكثير ممن صنفوا في التصحيح اللغوي تقبل الناس لكل ما أنكروه وقضوا بمنعه ابتداء من الحريري صاحب درة الغواص في أوهام الخواص وانتهاء بآخر من عني بذلك في زماننا
أصول وضوابط: وعلى هذا فثمة أصول وضوابط يلزم التقيد بها ومراعاتها في مجال التصحيح ، وهي :
ـ إن ما خالف القياس في نظائره وشاع استعماله في اللغة لا سبيل إلى إنكاره، إذ إن رسوخه في الاستعمال يكسبه قوة وقبولا ، وهذا ما نص عليه سيبويه وأبو الفتح ابن جني .يقول سيبويه " ولو قالت العرب : اضرب أيّ أفضل لقلته ، ولم يكن بد من متابعتهم" (4).
ويقول ابن جني " واعلم أن الشىء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد فيه نفسه" (5).
وإلا فإن التقيد بالقياس ونبذ ما خالفه إنما يؤديان إلى الوقوف أمام ألفاظ قرآنية جاءت مخالفة للقياس، نحو: "استحوذ" و"أحاديث" و"شعراء" جمعين لحديث وشاعر , فإن فعيلا لايجمع على أفاعيل، وفاعلا لا يجمع على فعلاء فيما اطرد من القياس .
وبمقتضى ذلك لا وجه لانكار من ينكر جمع حاجة على حوائج فهو وإن لم يكن له حظ من القياس فان له نصيبًا وافرًا من السماع.
ـ إن منع استعمال ما بحجة عدم وروده في القرآن إنما هو تشدد لا موجب له ، فليس لأحد أن يقول إن القرآن استوعب كل مانطق به العرب، وإن غير الموجود فيه لا وجود له.
نعم إن القرآن اشتمل على الأعلى والأقوى والأقوم ، وذلك لا ينفي عدم وجود سواه في اللغة.
ومن اللغويين من أنكر إلحاق لفظة( زوج) بالتاء وحجته أنها جاءت في القرآن معراة منها في المواضع التي تضمنتها، وجاء جمعها فيه على أزواج دون زوجات.
وذلك لا يمنع من تأنيثها بالتاء لورود شواهد معتبرة لها وقد وقع في هذا النحو من التشدد عدد من اللغويين قديمًا وحديثًا .
ـ إن ما ينكره عالم من العلماء, ويفتي بمنع استعماله لأن العرب لم تتكلم به ينبغي أن تؤخذ فتواه في هذا الشأن بحذر من جهتين :
• من جهة ان انفراده بذلك ليس دليلا على انه تملك من العلم في هذه المسألة مالم يتملكه غيره من العلماء ، وانه استوعب التراث كله في كل العصور، وفي كل المواطن فلم يجد ماانكره .
•ومن جهة أن عدم تكلم العرب به لا يلزم بإنكاره البتة ، وإلا فلو تقيدنا بذلك للزمنا أن ننكر كل المعرب والمولد والدخيل ، وكل هذا لم يتكلم به العرب قبل تعريبه وتوليده وإدخاله في اللغة .
وهم لم يضعوا حدًّا زمنيًا محددًا لايمكن تجاوزه لما يقبل من المعرب والمولد والدخيل .
ـ إن الاحتكام إلى المعجمات فيما يصح استعماله وما لايصح لا يجري دائمًا فإن هذه المعجمات كلها ابتداء من ( العين) حتى (تاج العروس) للسيد محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة (1205هـ) لم تستوعب كل المسموع , وكل الوارد في النصوص الشعرية والنثرية المعتبرة وقد استدرك المستدركون على معجماتنا كلها الكثير من الأبنية بدلالات أخلت بها .
ـ إن ما ثبت استعماله في مصنفات علماء اللغة الكبار والأدباء والشعراء المبرزين والمبدعين منذ القرن الثاني الهجري وما بعده لا سبيل إلى إنكاره، إذ إن من يمنع استعمالا ورد في كتاب سيبويه ينبغي أن يكون في رتبة سيبويه، وفي زمنه لكي يحق له ذلك.
وإن من ينكر لفظًا في دلالة أو بناء أو تركيبًا في صياغة اشتملت عليها كتب المبرد والجاحظ وابن جني وأبي حيان التوحيدي وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري ، وغيرهم ممن بلغ المنزلة التي تبوأها كل من هؤلاء في ميدانه يحسن به أن يحجم عن ذلك ، وأن يتهيب الإقدام عليه، فإنه إنما يقع في شبهة إيهام الناس بأنه أعلم منهم جميعًا في اللغة حينما يصحح لهم ما يراهم قد أخطؤا فيه, وليس ذلك من الحكمة في شىء .
إن تقديم احتمال أنهم مخطئون وترجيحه على احتمال أنهم إنما يستعملونه عن تثبت وتيقن بصحته، وأنهم يمتلكون الدلائل والشواهد التي تعضد استعماله لا وجه له، ولا دليل عليه.
وآية ذلك أننا وجدنا إعلامًا من المصححين في زماننا قد تقبلوا وأنكروا اعتمادًا على ما جاء في كتابات العماد الأصبهاني ومحيي الدين بن عربي والشهرستاني صاحب الملل والنحل وابن خلدون وغيرهم .
ـ أن ما خالف أصل دلالته في الاستعمال يحسن أن يحمل على أنه من قبيل التطور الدلالي، إن كان ثمة وشيجة على نحو ما بين ما كان يؤديه في الأصل ، وما آلت إليه دلالته في الاستعمال ، ولاسيما إذا كان هذا الاستعمال يمتد إلى عهود سابقة، إذ ليس بأيدينا ما يحملنا على الاطمئنان إلى أن ذلك ناشئ عن خطأ في الاستعمال ، واستبعاد أن يكون ناجمًا عن قصور في الوصول إلى أصل ما تتسع إليه دلالته في اللغة, أو أن يرد ذلك إلى عدم العثور على الشاهد الذي أجرى استعماله على النحو الذي يبدو فيه مباينًا لأصل دلالته.
أن من المانعين من يغريه ما يستهويه من المنع فيمضي في ذلك إلى حد الوقوف دون المجاز وما يمتد إليه، فإن من هؤلاء من منع استعمال أنتج واستنتج فيما هو شائع من استعمالهما في زماننا ، لأن معنى أنتج ناقته : أولدها ، ولما كان ذلك متصلا بالناقة ، فلا يصح عنده استعماله خلافا لهذا الأصل .
وذكر الأب انستاس الكرملي في (المساعد) أن من منع استنتج ألزم الناس استعمال : استنبط واستخلص وذكر أنه مضى على منع استنتج في ما شاع من استعماله زمنًا ثم رجع عن ذلك .
وقد تناهى إلي أن بعض المانعين ما زال ملتزمًا منع أنتج واستنتج في غير الناقة ، وهذا يشي بعدم إدراك ما يتسع إليه المجاز من الاستعمالات، فنحن نقول مثلا : أثمرت جهودنا ، وليس ثم شجرة في الجهود ، والأجدر أن يتذكر هذا القبيل من المانعين أننا نجد في القرآن للذل جناحا ، ونجد فيه أن الخوف والجوع مما يلبس ومما يذاق أيضًا .
ـ أن ما يجدر التنبه له في هذا الشأن هو أنه ليس كل ما يوصى بوضعه موضع المستعمل المخالف للصواب مما يمكن أن يحظى بالقبول؛ إذ إن كثرة استعمال اللفظ تجعله مأنوسًا فتألفه الألسن والأسماع ، وتمضي على إثباته في مواضعه، بخلاف البديل الذي يبدأ غريبًا عند تقديمه على أنه الأصح والأسلم وعلى هذا ينبغي أن يكون اللفظ البديل في صيغة تيسر حلوله محل اللفظ المعدول عنه، وإذا لم يكن كذلك فإن اللفظ الذي يراد إبعاده أحظى بالقبول وأجرى في الاستعمال .
ولعل في هذا ما يفسر استقرار ألفاظ مثل : الفلسفة والفهرست والبرنامج والنموذج والديمقراطية في الاستعمال دون بدائلها ، ولهذا لم يحظ ما دعا اليه الدكتور مصطفى جواد بنصيب من التقبل حين أوصى بإحلال المستشرف او الروشن موضع الشرفة من الدار ، التي هي بوزن الغرفة وبخفتها وبحروفها، ثم هي فضلا عن ذلك تمت إليها بصلة قرابة في الموضع .
ولم يلتفت أيضا إلى إيصائه بإحلال البهرجة والمبهرج موضع التهريب والمهرب .
ـ إن ميادين الكتابة والبحث متعددة و متباينة، وتعددها وتباينها يلزمان بالإقرار بأنها على مراتب بحسب توجهاتها وما تهدف اليه . فلا يلزم من يكتب في العلوم البحتة: الكيمياء والفيزياء والرياضيات والطب وغيرها من العلوم التي تتوخى الإفهام من أي سبيل بالكتابة متقيدًا بما يتقيد به عالم اللغة ، والكاتب في الإبداع الأدبي النثري والشعري .وأننا لنلمح في كتابات أسلافنا من اللغويين مواقف في هذا الشأن يستشف منها أنهم يسلمون بما يستعمله غيرهم مما لايرتضونه ، إذ نجد منهم من يعقب على بناء ينكره في دلالة ، أو في تركيب بالقول : والمتكلمون يقولونه ، أو هذا غير وارد والفقهاء يستعملونه .
وعلى هذا بوسعنا أن نتقبل من القانونيين إدخالهم (أل) التعريف على لفظة(غير) لأن في القانون العراقي مادة تتعلق بـ ( حقوق الغير ) فهي علم على ما وضعت له .
وأن نتقبل ممن يكتب في الكيمياء وغيرها من العلوم أن يعطف على المضاف قبل المضاف إليه ، حين يقول : كبريتات الكالسيوم ، فهو أجرى لديه من القول، كبريتات الكالسيوم وألوميناته .
ومثل هذا وارد في كلام العرب نثرًا و شعرًا ، فقد قال قائل منهم "قطع الله يد ورجل من قالها ".
وقال الفرزدق :
يا من رأى عارضا اسرّ به
بين ذراعي وجهة الاسد (6)
فلا ضير إذن في أن يغضى عن استعمال المرجوح دون الأرجح في هذه الميادين ما دام ذلك أدنى للهدف المتوخى، وهو الإفهام، وأقرب إليه . شرط أن تتقيد هذه الإباحة بالحدود الفاصلة بين ما هو صواب وما هو خطأ ، فلاتتجاوزها بحال .
وفي مقابل ذلك لابد من التشدد بمنع هذا الضرب من التعبير في الأساليب الأدبية، إذ لا يصح القول : نظرت في أغراض ومعاني شعر المتنبي, فهي صياغة نابية في هذا المقام ، لعدم تنوين المعطوف عليه ولا وجه لذلك . وتنوينه لا يؤدي المراد ويخل بالصياغة، فيلزم لذلك تخطئتها وإنكارها، وتبرئة الأساليب الأدبية واللغوية منها، لمخالفتها ما تقرر فيها من أحكام اللغة.
وإذا كان اللغويون جميعًا مسلمين بأن ما انتهى إلينا من السماع المعتبر للاستشهاد إنما هو القليل المحدود بالقياس إلى ما ضاع منه ، وأن ما التقط منه إنما هو ثمار جهود فردية لطائفة محدودة من علماء اللغة ، مما تيسر لهم التردد فيه من المكان ، ولم يكن ذلك مفتوحًا على كل مواطن اللغة ، وإنما هو مكان محدود بما عد من مواطن الفصاحة .
ولم يسلم الزمان مما يحدده ، إذ قيد بحجبّ كل ما جاء بعده، وإخراجه من الاعتبار في مجال الاستشهاد .
لهذا كله فإن الناظر في اللغة يجد نفسه ملزمًا أن يقتصر نظره على ما تيسر من تراث لغوي من بين ما ضاع منه لبعده وقدمه ، وما استبعد عن الاستشهاد لحداثته وتأخره.
وعلى الرغم من هذا كله نجد اللغويين الذين رصدوا ما عدوه لحنًا ونبهوا على الوجه الصحيح فيه ، ومن جاء بعدهم من الذين صنفوا كتبًا في اللحن والتصحيح اللغوي يقدمون على التلحين والتصحيح دون أن يستوفوا النظر في كل ما تيسر من التراث المقبول للاستشهاد المستخلص من بين الضائع والمستبعد ، ودون الأخذ بنظر الاعتبار أن قدرًا مما يرد في الاستعمال ويبدو مخالفًا لما هو صحيح لايعدم الدليل أو الشاهد الذي أجراه على ألسنة الناس وعلى أسلات أقلامهم ، وإذا كان ذلك غير معروف فلسنا نملك الدليل على أنه غير موجود .
الهوامش:
(1) الخصائص 30/373.
(2) مجالس ثعلب : 2/ 418.
(3) لسان العرب : 19 / 294 .
(4) سيبويه :2/ 402 .
(5) الخصائص : 1/ 99 .
(6) كتاب سيبويه : 1/ 180 .