ومن أمثلة هذا النوع من خرق الترتيب لأغراض دلالية قوله ،(26) فلم قدم "لم يلد" على قوله تعالى: "ولم يولد"( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ): مع أن في الشاهد أن يكون أولا مولودا ثم يكون ولدا؟.
فالتقديم هنا مخالف لما ألفه العقل من حيث الواقع، لأن الوالد لايكون كذلك قبل أن يكون مولودا، وذكر الرازي علة هذا التقديم بقوله:"إنما وقعت البداءة بأنه "لم يلد" لأنهم ادعوا أن له ولدا وذلك لأن مشركي العرب قالوا:الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أنه له والد، فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال: "لم يلد" ثم أشار إلى الحجة، فقال: ولم يولد، كأنه قبل: الدليل على امتناع الولدية، اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره".( 27)
استغل علماء الكلام ظاهرة التقديم والتأخير في التأويل واتخذوها سندا
في كثير من الأحيان لما يصبون إليه، وخاصة إذا احتمل المتلقي التأخير والتقديم تأويلا من عنده، فيكون ذلك تحملا على ...النص بدون حجة، ومن هذا القبيل ما أورده الزمخشري عن قراءة بعض المعتزلة: ( 28) بنصب لفظ الجلالة على المفعولية ورفعوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا موسى تقديرا على الفاعلية، والغرض من ذلك أن ينفوا صفة الجسمية عن الله أو تشبيه الله بخلقه لأنه في نظرهم جعله يتكلم كما يعتبر ذلك تجسيما، يجب أن ينزه الله عنه ولهذا قدموا ما أخر وأخروا ما قدم، ويدل ذلك منهم على أن ذهنية المتلقي وما يحمله من خلفيات فكرية وعقائدية تصبح عاملا من عوامل التأويل، ولأمر ما غلب علماء اللغة السماع على غيره من الأدلة، واعتبروه حجة على غيره من الحجج الأخرى كالقياس وغيره.( 29)
و يحتمل في الآية السابقة تقديم المفعول على الفاعل لأن الحركة الإعرابية في الثاني مقدرة ولكن الحركة على لفظ الجلالة واضحة ورافعة للالتباس، ولو قلنا جدلا أنه يجوز أن ينصب اسم الجلالة على المفعولية مقدما، ولكن بدلالة التناص القرآني ترد وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) هذه القراءة وذلك في قوله تعالى: ( 30) رفعت الآية الاحتمال الإعرابي وأغلقت باب التأويل وأبهتت العقل .. وأثبتت أن الله كلم نبيه موسى-عليه السلام-:" فهي تفيد حدوث الكلام عند مجيء موسى للميقات".(31 )
فقد رجح أبو عمرو قراءة الرفع في لفظ الجلالة على النصب بدليل لغوي شرعي وهو الآية التي استدل بها على ذلك. وهذه آلية من آليات تأويل الخطاب وهي التناص القرآني لأن النص الأول اشترك مع الثاني في الموضوع نفسه وهو تكلم الله لموسى وليس العكس. وقد تضاف نصوص أخرى بصفتها أدلة مرجعية لدلالة الحركة الإعرابية التي ترتبت عن تغيرها تغير المعنى من النقيض إلى النقيض.
ومما يؤيد دلالة الجملة (32 )،(وناديناه من جانب الطور الأيمن...الآية)على بقائها على أصلها قوله تعالى: "فهذا يدل على حدوث الكلام عند جانب الطور الأيمن والنداء لا يكون إلا صوتا مسموعا، وهي ترد على الأشاعرة الذين يجعلون الكلام معنى قائما بالنفس بلا حرف ولا صوت، فيقال لهم: كيف يسمع موسى هذا الكلام النفسي؟ فإن قالوا: ألقى في قلبه علما ضروريا بالمعاني التي يريد أن يكلمه بها لم يكن هناك خصوصية لموسى في ذلك، وإن قالوا: إن الله خلق كلاما في الشجرة أو في الهواء ومما يؤيد دلالة الجملة على بقائها ونحو ذلك (33 ) ".( 34) وقال ابن الأنباري:(إني أنا ربك)لزم أن تكون الشجرة هي التي قالت لموسى: ( 35).تكليما: مصدر كلم،... في قوله تعالى"(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) : و"فعل" يجيء مصدرا على التفعيل، كرتل ترتيلا وقتل تقتيلا. وفي ذكر هذا المصدر تأكيد للفعل ودليل على أنه كلمة حقيقة لا مجازا لأن الفعل المجازي لا يؤكد بالمصدر، ألا ترى أنه لا يقال: قال برأسه قولا، وإنما يؤكد الفعل الحقيقي فيقال: قال بلسانه قولا".( 36)
والتأكيد بالمصدر رد على المعتزلة الذين ينفون تكليم الله موسى ورد على الأشاعرة الذين يقولون بالكلام القائم بالنفس وقال ابن قتيبة نافيا المجاز عن هذه الآية:"فأكد بالمصدر معنى الكلام، ونفي عنه المجاز".(37 )
وهذا استدلال بالصيغة الصرفية لتوضيح المعنى ودفع ما يحتمل من المعاني.
ويوجد في كتاب الله آيات كثيرة تدل على أن الله متكلم ويكلم من يشاء من مخلوقاته، ولكن كلام يليق بجلاله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ). ومنها قوله تعالى: (حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا... ).( 38)
قال أبو حيان:"نفي عنه هذين الوصفين( 39) دون باقي أوصاف الإلهية، لأن انتفاء التكليم يستلزم انتقاء العلم، وانتقاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتقاء القدرة، وانتقاء هذين الوصفين وهما العلم والقدرة يستلزمان انتقاء باقي الأوصاف فلذلك خص هذان الوصفان بانتقائهما".( 40)
اعتمد أبو حيان على الدلالة التبعية التي تعتمد أساسا على الاستلزام، وهي أنه مادام الله قد نفى الكلام عن العجل وهي صفة تستلزم أن يكون إلها. لأن غير المتكلم لا يكون إلها. والنتيجة أن الله متكلم وكلم موسى تكليما.
وحاول الرازي بواسطة الدلالة التبعية القائمة على المقارنة والقياس أن يثبت بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل لم يكن إلها لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما فمن لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها" .( 41)
وقد تنحرف القاعدة النحوية عن المألوف كما ينحرف اللفظ في دلالته على المعنى، والذي يلعب الدور الأساسي هو السياق أو الإستعمال وتعامل المفسرون والمؤولون مع هذه الظاهرة من التفسير والتحليل تعاملا لا يبتعد كثيرا عن منهج الدرس اللغوي الحديث، ولو أخذنا قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) .( 42) قدم الاستغفار على التوبة، وعطف بالحرف "ثم" إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.. التي تفيد الترتيب والتراخي في الزمان مطلقا وهي القاعدة المعروفة عند جمهور النحاة. قال الرازي:"قدم الاستغفار لأنه الداعي إلى التوبة والمحرض عليها يدل ذلك على أن التوبة هي من متممات الاستغفار، وما كان آخرا في الحصول كأن أولا في الطلب فلهذا السبب قدم الاستغفار على التوبة، وفائدة هذا الترتيب: أن المراد: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف أو أن الاستغفار من الشرك والمعاصي والتوبة من الأعمال الباطلة".(43 )
وقال الإمام أبو زكريا الأنصاري:"ثم للترتيب الإخباري لا الوجودي إذ التوبة سابقة على الإستغفار أو المعنى: استغفروا ربكم من الشرك ثم توبوا أي أرجعوا إليه بالطاعة".( 44)
ونستدل مما سبق أن العلماء قديما قد تناولوا دراسة الدلالة الزمنية في تراكيب العطف في ضوء مطالب السياق، ومن خلال فهم قرائنه المقالية والحالية، ومعنى ذلك أن الحرف "ثم" في الآية لا يجب أن تفهم دلالته بمعزل عن الأسلوب الذي ورد فيه والإحتكام إلى هذه الآية و مثيلاتها هو خير دليل على صحة ذلك.
قال الزمخشري في الآية نفسها:"فإن قلت ما معنى "ثم" في قوله:"ثم توبوا إليه؟. قلت: معناه استغفروا والاستغفار توبة ثم أخلصوا التوبة و استقيموا عليها".( 45)
استدل الزمخشري بالدلالة المعجمية للفظ "استغفروا" وهي بمعنى التوبة وكأنه قال لهم "توبوا إلى ربكم ثم أخلصوا التوبة" وبهذا التأويل يكون الزمخشري قد فر من إشكال لغوي ليقع في مثله و هو أنه إذا كانت لفظة:"استغفروا" بمعنى توبوا فإن ذلك من عطف الشيء على نفسه، وهذا لا يجوز لغة أما من حيث المعنى: فيكون الله قد أمرهم بالتوبة دون إخلاص ثم قال بعد ذلك أخلصوا في هذه التوبة وهذا لا يجوز لأن الله لا يأمر عباده بما لا يقبله منهم شرعا لأن التوبة بدون إخلاص لا تقبل.
وجاء في القرآن فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُقوله تعالى: (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ .( 46) الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ قدم القرآن الكريم في هذه الآية فضيلة العتق والإطعام على الإيمان، في حين أن الإيمان مقدم عليها.
وقال الكلبي عن هذا التأخير في قوله تعالى: : " ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان وفيها إشارة إلى أن (ثم كان من الذين آمنوا) الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصح أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لايلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام ولايقبل عملا إلا من مؤمن ".(47)
وقال ابن الأنباري ( ت 577هـ): " وإنما قال: ثم كان من الذين آمنوا. وإن كان الإيمان في الرقبة مقدما على العمل، لأن ثم إذا عطفت جملة على جملة لا تفيد الترتيب، بخلاف ما إذا عطفت على مفرد على مفرد، وقيل أراد به الدوام على الإيمان، والله أعلم".(48)
وربما قدم العمل على الإيمان لأهميته بعد حصول الإيمان لأن تقديم الإيمان معروف بأدلة أخرى. والإيمان بدون عمل لاينفع صاحبه فهما متلازمان، كما قدمت الوصية على الدَّيْنِ مع أنه مقدم عليها بمعاني دلالية، وذلك اعتمادا على أن الله تعالى علمنا من شرعه أن الدين مقدم على الوصية والإيمان مقدم على العمل فخرق الترتيب يثير انتباهنا إلى أهمية الوصية وأنها حق، ويعرفنا أن العمل بعد الإيمان هو الأهم.
وقال الرازي:"أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا، فإن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات ولا مقتحما للعقبة فإنه إن قيل لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها فما السبب في أن الله أخره عنها "والجواب:أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود كقوله:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ:.ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جًدُّهٌ (49)
لم يرد بقوله ثم ساد أبوه: " التأخر في الوجود،وإنما المعنى ثم اذكر أنه ساد أبوه كذلك، أو أن يكون المراد ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان، فإن الموافاة على الإيمان شرط الإنتفاع بالطاعات، أو أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه لمحمد –صلى الله عليه وسلم- ثم آمن بعد ذلك به، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ".(50)
إن الأعمال الصالحة بدون إيمان لا تنفع صاحبها، لأن الإيمان شرط في قبول الطاعات وعلى ذلك نقول:إن الكافر إذا تمسك بهذه الفضائل فهو أفضل من المؤمن الذي لم يفعلها وذلك مخالف لما تضافرت عليه نصوص القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى : (51)(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا...).
أما ما ذهب إليه الرازي في أن الكافر إذا أسلم بدل الله سيئاته حسنات فإنه يعارض ما روته عائشة –رضي الله عنها – حيث قالت:"يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: لا. إنه لم يقل يوما: رب اغفرلي خطيئتي يوم الدين".(52)
وخلاصة ما يقال في الآية أن التحرر من غرور الدنيا لا قيمة له إن لم يكن صادرا عن نفس مؤمنة، لأن الإيمان أسمى منزلة من ذلك التحرر، وهذا مضمون الآية التي ورد فيها الحرف "ثم". أي أنه يعمل هذه الأعمال في حالة كونه مؤمنا، وفيه تقديم الدال على المدلول لأهميته لأن الإيمان بدون طاعة أمنية لا دليل على وجودها وإنما أراد الله أن يبين أهمية هذه الأعمال فلذلك قدمت والله أعلم.
ومثل هذا تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وفي الشرع تقديم الدين على الوصية.(53)
قال الرازي:"واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين:(الأول):أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقا على الورثة و كان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا
في إخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة "أو" على الوصية والدين تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على التسوية".(54)
ونلاحظ أن علماء التأويل كلما عثروا في كتاب الله على تقديم أو تأخير إلا ووجدوا له تخريجات دلالية تبين سبب ذلك الخرق في أصل القاعدة ومن ذلك ما قاله الكلبي:" وإنما قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة اهتماما بها وتأكيدا للأمر بها، ولئلا يتهاون بها وأخر الدين لأن صاحبه يتقاضاه فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه ".(55)
وهذه التأويلات تبين سبب الخرق الذي وقع في الشَّرْع وكذلك الذي وقع في القاعدة النحوية إلا أن القاعدة الشرعية هي التي أثارت أن في الجملة تقديما للمتأخر وتأخيرا للمتقدم، وفيه تنبيهات دلالية على أن الدين مضمون الأداء لأن الشرع يضمنه لصاحبه وهو حي يطالب به أما الوصية فإن صاحبها قد مات وتنفيذها مشكوك فيه فعدمت لذلك.
ويتبين مما سبق أن اللسان العربي وضع "الحرف" في الأصل للدلالة على معنى كتراخي"ثم" بين المتعاطفين في الزمان، ثم استعارهما للدلالة على التراخي بينهما في الرتبة بتباعد ما بينهما في الزمان فهذا المعنى هو نوع التراخي ومجازه، من هنا كان تلاقي الدلالة النحوية مع المجاز وهو استعمال الحرف "ثم" في غير ما وضع له.
2- دلالة اللافتة التعبيرية:
و هي ما يلفت انتباه القارئ أو المتأمل في النص القرآني و يشد ذهنه أو ما يطلق عليه المثيرات الأسلوبية و من ذلك .(56) قال أبو زكرياء الأنصاري: "قوله تعالى:"وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ" فالولد آدم ، وما ولد ذريته، وقال و(ما) ولم يقل و(من)، لأن في (ما) من الإبهام ما ليس في (من) فقصد بها التفخيم والتعظيم"(57)،ففي الآية خَرْقَان الأول: عدم الترتيب الذي تقتضيه الواقعية، واستعمال (ما) وهي لغير العاقل عند النحاة بدلا من (من) للعاقل وهو مجاز ارتبط بالدلالة النحوية.
وفسر الرازي دلالتها بقوله:"أقسم الله بذرية آدم إذ هم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى و الأنصار لدينه كل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم و علمه الأسماء".(58)
وهذه نظير قوله تعالى :" فَلَمَّاوَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ(59)..
قال الزمخشري:"تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدرما وهب لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور وأن يجعله وولده أية العالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا".(60)
وهذا المجاز توسع في استخدام المعاني بواسطة علوم العربية ومنها النحو وهو عدول واستعمال كان يطلق عليه قديما " الترخص"، والخطأ والتضمين، وهو دراسة أسلوبية لها علاقة بالقواعد النحوية والصرفية ويقابلها الإستعمال الأصولي ومن أمثلته في الدلالة الصرفية قوله تعالى: حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب...الآية (61)
فقد استعمل اسم الفاعل مكان اسم المفعول في قوله "داحضة" بدل "مدحوضة" قال الشريف الرضى:"وهذه استعارة، والدحض: الزلق، فكأنه قال تعالى: حجتهم ضعيفة غير ثابتة وزلة غير متماسكة، كالواطئ الذي تضعف قدمه فيزلق عن مستوى الأرض ولا يستمر على الوطء وداحضة ههنا بمعنى مدحوضة، وإذا نسب الفعل إليها في الدحوض كان أبلغ في ضعف سنادها و وهاد عمادها فكأنها المبطلة لنفسها من غير مبطل أبطلها، لظهور أعلام الكذب فيها، وقيام شواهد التهافت عليها، وأطلق تعالى اسم الحجة عليها وهي شبهة لاعتقاد المدلي بها أنها حجة وتسمية لها بذلك في حال النزاع والمناقلة".(62)
ويقتضي الاستعمال العرفي أن لفظة:"مدحوضة" في مكان "داحضة" لأن كل مبنى له معنى يؤديه بحسب الأصل، وأن المبنى الواحد يرتبط ارتباطا عرفيا، بمعناه ولا يتعدى إلى غيره، وقد يعدل به عن أصله لخلق آثار ذوقية ونفسية معينة يصير بها ذلك الاستعمال ذا معنى عميق فالمعنى السطحي في دلالة اسم المفعول قائم في الذهن ولكن من خلال الاستعمال الخارق للقاعدة يقفز العقل إلى المعنى العميق الذي يستدل عليه بقرينة الاستعمال العدولي. فحجة الكفار داحضة لنفسها و لضعفها؛ و لضعفها لا تحتاج إلى داحض يدحضها، إذ لو كانت كذلك لكانت قوية، و هذا معنى عميق أفاده العدول.
وتأويل اسم الفاعل باسم المفعول، وتوضيح ما يدل عليه من إيحاءات دلالية عميقة وهو:"جهد يعبر عن طاقة تفسيرية، بمعنى البنية المستعملة إذا تطرق إليها اللبس فإن النحو التوليدي.(63) يرجع هذه البنية الإستعمالية السطحية إلى بنية عميقة بعينها موجودة في اللغة العربية نحوها وصرفها، ولكنها ترتدي عباءة التأويل وعمامة التقدير".(64) وتبين مما سبق أن النحو والصرف العربيين لا يخلوان من الطاقة التفسيرية ويجعلنا ذلك نقر معترفين أن السلف من علمائنا قد أبلوا بلاء حسنا في بناء صدح العلوم العربية، وأن النتائج التي وصلوا إليها تعتبر رائعة، هذا على مستوى الدلالة النحوية والمجاز، وخاصة في مجال التطبيق على النص القرآني.