عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي مَنْهَجُ اَلنُّحَاةِ فِي أَخْذِ اَللُّغَةِ لِتَقْعِيْدِهَا.

كُتب : [ 02-16-2017 - 01:12 PM ]


مَنْهَجُ اَلنُّحَاةِ فِي أَخْذِ اَللُّغَةِ لِتَقْعِيْدِهَا.
أد. عبد الله جاد الكريم
جامعة جازان السعودية
إنَّ كَلامَ العَرَبِ هو المَصْدَرُ الثَّالِثُ مِنْ مَصَادِرِ السَّمَاعِ بَعْدَ اَلْقُرْآنِ الكريمِ والحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الاحتجاجَ بِالحديثِ، وكلامُ العربِ الَّذي يُحتجُّ بهُ هُوَ كُلُّ نَظْمٍ أَوْ نَثْرٍ ثَبَتَ عَنْ الفُصَحَاءِ المَوْثُوْقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَفْسَدَ اَلأَلْسِنَةُ؛ فَلَيْسَ كُلُّ كلامٍ عربيٍّ يَصِحُّ الاحتجاجُ بِهِ، وإنَّمَا وَضَعَ اَلعُلَمَاءُ ضَوَابِطَ مَكَانيَّةً وزَمَانيَّةً لِمَا يَجُوْزُ الاحتجاجُ بِهِ مِنْ كَلامِ العَربِ، ومَا لا يجوزُ، وفِي هَذَا الشَّأْنِ عَرَضَ اَلْجَاحِظُ لِبَعْضِ مَلامِحِ مَنْهَجِ النُّحَاةِ واللُّغويين في جمعِ اللُّغَةِ ثُمَّ تَقْعِيْدِهَا، وذَكَرَ بَعْضَ الشُّرُوْطِ الَّتِي أَوْجَبَهَا النُّحَاةُ فِيْمَنْ يَأْخُذُوْنَ اللُّغَةَ عَنْهاُ؛ لِيَضَعُوا عَلَيْهَا قَوَاعِدَ النَّحْوِ العربيِّ، كأخذهم اللُّغةَ عن الفُصَحَاءِ فِي قبائلَ بعينِهَا فِي أماكنَ مُحدَّدةٍ وأزمنةٍ مَعروفَةٍ، يَقولُ اَلْجَاحِظُ:"وإنَّمَا عَنَى العتابي إفهامُكَ العربَ حاجتك على مجاري كلامِ العربِ الفُصَحَاءِ. وأصحابُ هَذِهِ اللُّغَةِ لا يفْقَهُون قولَ القائلِ مِنَّا:«مُكْرهٌ أَخَاكَ لا بطلٌ». و:«إذا عزَّ أخاك فَهُنْ». ومَنْ لم يفهمْ هذَا لَمْ يفهمْ قولهم: ذهبتُ إلى أبو زيدٍ، ورأيتُ أبي عمرو. ومتَّى وجد النَّحويون أعرابيًّا يَفْهَمُ هَذَا وأشباهَهُ بَهْرَجُوْهُ وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، لأنَّ ذلك يدلُّ على طُوْلِ إقامَتِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي تُفْسِدُ اللُّغَةَ وتُنْقِصُ البَيَانَ؛ لأنَّ تِلْكَ اللُّغَةَ إِنَّمَا اِنْقَادَتْ وَاسْتَوَتْ، واِطَّرَدَتْ وتَكَامَلَتْ، بالخِصَالِ الَّتِي اِجْتَمَعَتْ لَهَا فِي تِلْكَ اَلْجَزِيْرَةِ، وَفِي تِلْكَ اَلْجِيْرَةِ"(1).
هَذَا، وَقَدْ أَوْرَدَ اَلْجَاحِظُ فِي كِتَابِهِ "البيان والتبيين" مُقابلةً طريفةً بَيْنَ لُغَاتِ أهلِ مكَّةَ والبصرةِ والكوفةِ، يُفيدُ إيرادَها في شَرْحِ الظَّاهرةِ المَذكورةِ أعلاهُ، قالَ الجاحظُ:"أهلُ الأمْصَارِ إنَّمَا يتكلَّمُونَ علَى لُغَةِ النَّازِلَةِ فيهم مِنْ العَرَبِ؛ ولذلِكَ نَجِدُ الاخْتِلافَ فِي أَلْفَاظِ أهلِ الكوفَةِ والبَصْرَةِ والشَّامِ ومِصْرَ".(2)
وقَدْ أَفْرَدَ ابنُ جِنِّي فِي (اَلْخَصَائِصِ) بابًا في ترك الأخذ عن أهل المضر؛ أي: أهل المدن والقرى- بيَّن فيه عِلَّةَ اِمْتناعِ الأَخْذِ عَنْهُم، وهي ما عَرَضَ لِلُّغَاتِ الحَاضِرَةِ وأهلِ المُضَرِ مِنْ الاخْتِلالِ والفَسَادِ والخَطَلِ(3).
وهذا ما أكَّدَهُ السيوطي فيما بعدُ، نقلًا عن أبي نصر الفارابي، حيثُ يقولُ:"الَّذين عَنْهُمْ نُقِلَتْ اللُّغَةُ العَربيَّةُ، وبِهِمْ اُقْتُدَي، وعَنْهُمْ أُخِذَ اللِّسَانُ العَرَبِيُّ مِنْ بَيْنِ قَبَائِلِ العَرَبِ، هُمْ قيسٌ وتميمٌ وأسدٌ، فَإِنَّ هَؤلاءِ هُمْ الَّذين عَنْهُمْ أكثرُ مَا أُخِذَ وَمُعٍظَمِهِ، وعليهم اُتَّكلَ في الغَرِيبِ، وفي الإِعرابِ والتَّصريفِ. ثُمَّ هُذيلُ وبعضُ كنانَةَ، وبعضُ الطَّائيين، ولَمْ يُؤخذْ عَنْ غيرهِمْ مِنْ سائرِ قبائِلِهِمْ.وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ عَنْ حَضَرِيٍّ قَطْ، وَلَا عَنْ سُكَّانِ البَرَارِي؛ مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُ أَطْرَافَ بِلادِهِمْ الَّتِي تُجَاوَرُ سَائرَ الأُمَمِ الَّذِيْنَ حَوْلَهُمْ.
فإنَّه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسّان ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام وأكثرهم نصارى يقرأون في صَلاتهم بغير العربية، ولا مِنْ تَغْلب ولا من النَّمر؛ فإنَّهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنَّهم كانوا مُجاورين للنَّبطِ والفُرْسِ، ولا من عبد القيس؛ لأنَّهم كانوا من سُكَّانِ البَحرينِ مُخالِطِين للهِنْدِ والفُرْسِ، ولا مِنْ أَزْدِ عُمَانِ؛ لِمُخالَطتهم للهِنْدِ والفُرْسِ، ولا مِنْ أهلِ اليَمَنِ أَصْلاً؛ لِمُخالَطَتِهِمْ الهِنْدَ والحَبَشَةَ وَلِولادَةِ اَلْحَبَشَةِ فيهم، ولا مِنْ حَنِيْفَةَ وسُكَّاِن اليَمَامَةِ، ولَا مِنْ ثقيف وسُكَّانِ الطَّائِفِ؛ لِمُخَالَطَتِهِمْ تُجَّارَ الأُمَمِ المُقيمينَ عندهم، ولا مِنْ حَاضِرَةِ الحِجَازِ؛ لأنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا اللُّغةَ صَادَفُوهُمْ حِيْنَ اِبْتدأُوا ينقلُون لُغَةَ اَلْعَرَبِ قَدْ خَالَطُوا غَيْرَهُمْ مِنْ الأُمَمِ، وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتُهُمْ"(4).
وفي ضَوْءِ مَا نبَّه إليه الجاحظُ وما ذكرَهُ ابنُ جِنِّي والسُّيوطِي نَقْلًا عَنْ الفَارَابِي يُمْكِنُ أَنْ نَقولَ: إِنَّ اَلْمعيارَ الَّذِي وَضَعَهُ العُلَمَاءُ لِقَبُولِ لُغَةَ قبيلةٍ مَا هُوَ سَلَامَةُ لُغَةِ هَذِهِ القَبيلةِ مِنْ اَلاخْتِلاطِ بغيرِ العَرَبِ؛ لأنَّ الاخْتِلاطَ بِغَيْرِ العَرَبِ مِنْ الأَعَاجِمِ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ اَللُّغَةِ وانْحِرَافِ اَلأَلْسِنَةِ عَنْ الصَّوَابِ، وَالأَلْسِنَةُ تتأثَّرُ بما حولها فيلحقها اللَّحنُ، ويتسرَّبُ إليها الخَطَأُ.
والقبائلُ الَّتِي يُحتجُّ بكلامِهَا، وهِيَ: قيسُ، وتميمُ، وأسدُ، ثُمَّ هذيلُ، وبعضُ كنانةِ، وبعضُ الطَّائيين؛ فهؤلاءِ هُمْ الَّذين عَنْهُمْ نُقِلَتْ اللُّغَةُ العَرَبيَّةُ، وَبِهِمْ اِقْتضَي، وعَنْهم أُخِذَ اللِّسَانُ العربيُّ مِنْ بينَ قبائلِ العربِ، والَّذِي يَجمعُ من بَيْنَ هَذِه القَبَائلِ هُوَ تَوَغُّلُهَا فِي اَلْبَدَاوَةِ، وبُعدُهَا عَنْ اَلاخْتِلاطِ بِغَيْرِهَا مِنْ اَلأُمَمِ، واِتِّصَالُهَا بِالأَعَاجِمِ، كَمَا يَجْمَعُ بينها قُربُهَا مِنْ قُرَيْشٍ؛ لأنَّ قَريشًا -كما علمنا- أفصحُ العربَ، وأجودُهُمْ انتقادًا للأفصح من الألفاظ.
وذهب ابن خلدون إلى أنَّ مقياسَ الفَصَاحَةِ هُوَ القُرْبُ أو البُعْدُ مِنْ قريشٍ، فقالَ فِي مُقدِّمته:"كانتْ لُغَةُ قَريشٍ أَفْصَحَ اللُّغاتِ العربيَّةِ وأَصْلَحَهَا؛ لِبُعْدِهَا عَنْ بِلَادِ اَلْعَجَمِ مِنْ جَمِيْعِ جِهَاتِهِمْ، ثُمَّ مَنْ اكتنفَهُمْ مِنْ ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان، وبني سعد، وبني تميم. وأمَّا من بَعُد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذامة، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمنِ المُجاورين لأُمَمِ الفُرْسِ والرُّوْمِ والحَبَشَةِ؛ فلمْ تكُنْ لُغَتُهُمْ تَامَّةَ المَلَكَةِ بِمُخَالَطَةِ الأعَاجِمِ، أي: بسببِ مُخالطةِ الأعاجِمِ، وعلى نسبة بُعدهم من قريش كان الاحتجاجُ بِلُغَاتِهِمْ فِي الصِّحَّةِ والفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ العَرَبيَّةِ"(5).

ــــــــــــــــــــــــــــ
• الحواشي:
(1) البيان والتبيين (1/148).
(2) البيان والتبيين (1/39).
(3) ينظر: الخصائص (2/7) وما بعدها .
(4) السيوطي، جلال الدين، الاقتراح في أصول النحو، حيدر أباد الدكن، 1310هـ،(ص32).
(5) ينظر: مقدمة ابن خلدون (2/308) وما بعدها .

رد مع اقتباس