أما كلمة (الهوية) فهي كذلك عربية الأصل وليس مستعارة السريانية كما قد يزعم، لا جدال في ذلك بين أحد من اللغويين حسب علمنا بالكلمة وتاريخها .. فهي مشتقة من (هُوَ) مكررة هكذا: (هُوَهُوَ) للدلالة على التطابق والتماثل والتجانس. وهي بهذا المعنى ترجمة مستعارة (loan translation) من كلمة يونانية تدل على التطابق والتماثل والتجانس. والترجمة المستعارة ليست استعارة. ثم إن الكلمة الدالة على (الهوية) في السريانية هي ܗܳܝܟܰܕܗܝܽܬܳܐ = /هيكديوتا/، وشتان ما بين الكلمتين. بل إنه لا يقول بالشبه بين (هوية) و(هيكديوتا) إلا الأطرش!
وقد أضاف الفلاسفة العرب إلى (هُوَهُوَ) أداة التعريف وضموا /الهاء/ فيها لتصبح الكلمة كما يلي: (الهُوهُو)! ويطلقونها على ما يطابق الشيء من كل وجه أي على الشيء المماثل والمطابق والمجانس لشيء آخر. وقد ترجم هذا (الهُوهُو) العربي كما ورد في كتب ابن سينا وابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية بـ (identicus) يعني identical بالإنكليزية و identique بالفرنسية. ثم اشتقوا من هذا (الهُوهُو) مصدرا صناعيا هكذا: (الهُوهُوية) ثم جعلوه (الهُوية) لخفة انذلاق هذه الأخيرة على اللسان. ومما يؤيد هذا القول ويعضده، قول الفيلسوف ابن رشد في تفسيره الكبير: "وإنما اضطر إليه بعض المترجمين، فاشتق هذا الاسم من حرف الرباط، أعني الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالوضع في جوهره، وهو حرف /هو/ في قولهم: زيد هو حيوان أم انسان [...] واضطر إلى ذلك بعض المترجمين لأنه رأى دلالته في الترجمة على ما كان يدل عليه اللفظ الذي كان يستعمل في لسان اليونانيين بدل الموجود في لسان العرب بل هو أدل عليه من اسم الموجود وذلك أن اسم الموجود في كلام العرب لما كان من الأسماء المشتقة وكانت الأسماء المشتقة إنما تدل على أعراض خيل إذا دل به في العلوم على ذات الشيء إنما يدل على عرض فيه كما عرض لابن سينا فتجنب بعض المترجمين هذا اللفظ إلى لفظ الهوية إذ كان لا يعرض فيه هذا العرض". (1)
وللهوية معان اصطلاحية كثيرة لكن معناها هنا (الهوية/identity) تطابق الذوات أو – كما يقول ابن رشد في الصفحة 560 من المصدر ذاته: (الهوية التي تدل على ذات الشيء). ومن ثمة أصبحت تدل على أناس يلتقون على مبادئ معينة ويتحدون بها وهي إما الجنس (مثلا الجنس الآري في القومية الألمانية/النازية) أو (الدين مثلا الديانة الكاثوليكية في القومية الإيرلندية) أو اللغة والثقافة (مثلا اللغة الفرنسية في القومية الفرنسية واللغة العربية في القومية العربية) أو الجنس والدين معا (الجنس اليهودي واليهودية في الصهيونية). ومن الجدير بالذكر أن تفسير ابن رشد الكبير هذا ترجم إلى العبرية فترجمت /الهوية/ إلى العبرية ترجمة مستعارة هكذا: הואהות = /هُوهُوت
-------------------------------
(1) ابن رشد (1983). تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويجس. 4 مجلدات. دار المشرق، بيروت. المجلد الثاني، الصفحة 557. وانظر أيضا باب (القول في الهوية) في المجلد الثاني، الصفحة 552 وما يليها.
/.