الموضوع: الاشتقاق
عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 02-06-2017 - 09:16 AM ]


تتمة البحث :

ثالثًا: الاشتقاق الأكبر:
هو أن يكون بين الكلمتين تناسبٌ في المعنى، واتفاق في بعض حروف المادة الأصلية وترتيبها، سواء أكانت الحروف المتغايرة متناسبةً في المخرج الصوتي أم لم تكن؛مثل: صرير وصريف، وخرب وخرق، وهديل وهدير.

ويعرِّفه عبدالوافي: "أنه ارتباط بعض مجموعات ثلاثية من الأصوات ببعض المعاني ارتباطًا غير مقيد بنفس الأصوات، بل بنوعها العام وترتيبها فحسب، سواء أبقيت الأصوات ذاتها أم استبدل بها أو ببعضها أصوات أخرى متفقة معها في النوع، ويقصد بالاتفاق في النوع أن يتقاربَ الصوتان في المخرج، أو يتحدا في جميع الصفات، ما عدا الإطباق"[19]؛ مثل: التقارب في المخرج، تناوب الميم والنون في (امتقع لونه وانتقع)، واللام والنون في (أسود حالك وحانك)، والواو والميم في مثل: (أوشاج وأمشاج).

ويسمى هذا النوع من الاشتقاق بالإبدال، وابن جني أدخله تحت قانون سماه: (تعاقب الألفاظ؛ لتصاقب المعاني)؛ أي: إن تقارب الحروف في مكان صاحبه،وذكر مثال: (هزا وأزا) مِن قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴾ [مريم: 83]؛ أي: تُزعِجهم وتُقلقهم،فهذا معنى تهزهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارَب اللفظانِ لتقارب المعنيين،لكنهم خصوا هذا المعنى بالهَمزة؛ لأنها أقوى من الهاء، وأعظم في النفوس؛ لأنك قد تهزُّ ما لا بال له؛ كالجذع، وساق الشجرة"[20].

رابعًا: الاشتقاق الكُبَّار:
وهو معروفٌ عند اللغويين بالنحت، وهو أخذُ كلمة من بعض حروف كلمتين أو كلمات أو من جملة، مع تناسُبِ المنحوتة والمنحوت منها في اللفظ والمعنى،وقد استعملته العرب لاختصار حكاية المركَّبات، فقالوا: بَسْمَلَ وسَبْحَلَ وحَيْعَلَ: إذا قال: بسم الله، وسبحان الله، وحي على الفلاح،ومن المركَّب العَلَمُ المضاف، وهم إذا نسبوا إليه نسبوا إلى الأول، وربما اشتقوا النسبة منهما، فقالوا: عَبْشَميّ وعَبْقَسيّ ومَرْقَسيّ في النسبة إلى عبدشمس، وعبدالقيس، وامرئ القيس في كندة،وهو قليلُ الاستعمال في العربية.

وذهب ابنُ فارس (ت 395هـ) إلى أن أكثرَ الألفاظ الرباعية والخماسية منحوتة، وفيها الموضوع وَضْعًا، وعلى هذا المذهب جرى في كتابه مقاييس اللغة.

هذا القسم من أقسام الاشتقاق وسيلةٌ مِن وسائل توليد كلمات جديدة للدلالة على معانٍ مستحدَثة،وقد أجازه المَجمَع عندما تُلجِئ إليه الضرورةُ العلمية،فيقال: حَلْمَأ مِن حلَّ بالماء، وبرَّمائي من برّ وماء، وكهرضوئي من كهرباء وضوء،ومنه اختصار أسماء المؤسَّسات العلمية وغيرها.

وخلاصة:
يمكن القول: إن المصدر الصناعي (أو الاشتقاق الصناعي) هو الأيسر والأطوع للدلالة على كلِّ المعاني المستجدة، وذلك الزخم العلمي الواسع الذي هو في زيادة كل يوم،فهو قياسي وقابل للأوزان والصيغ، وأوسع مجالًا للتعبير عن الحقائقِ العلمية والتقنية في العصر الحديث.

فما علينا إلا أن نأتيَ بأي لفظ من أي نوع، فنختمه بياء مشددة وهاء تأنيث، بحيث يسهُلُ نطقه ويستساغ؛ إذ لا مفرَّ مِن قَبول ذلك إن لم يكن له بديل،مثل الإيديولوجية، والفيزيائية، والصيدلانية، والكيماوية، والأوتوقراطية، إلى غير ذلك من الكلمات، ولشدة الحاجة لهذا المصدر في التعبير عن كثير من الحقائق الفلسفية والفنون رأى مجمَع اللغة العربية أن يكون قياسيًّا، وأصدر قراره التالي: إذا أريد صُنْع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء[21].

والاشتقاق هو ما يميِّز اللغةَ العربية؛ إذ "اللغات ليست بمادتها وكلماتها، وإنما هي بأساليبها وتراكيبها، فهذه هي المزيَّة التي تميز لغة عن لغة،وبالمحافظة على أساليب اللغة وتراكيبها تحصُلُ المحافظة على نفس اللغة، أما الكلم والألفاظ فإنها تتغير وتتبدل وتتجدد من عصر إلى الآخر تبعًا لتجدُّد البيئات والمؤثرات؛ فقد تموت وتندثر كلمات مِن قديم اللغة، ويقوم مقامها كلماتٌ حديثة مِن لغة أخرى احتكت بها... فتتقمصَّها اللغة الأولى وتبقى على حالها، فلا يقولن قائل: إن تلك اللغةَ صارت بهذه الكلمات الجديدة الطارئة عليها لغة أخرى جديدة.

ليس له أن يقول ذلك؛ لأن الأسلوبَ الخاص بتلك اللغة ثابت باقٍ؛ فهو يطوِّرُ الكلمات الدخيلة ويمثلها إلى بنية لغته"[22].

وأختم بطرح لبعض اللغويين، ولعله هو المطلوب منا الآن، يقول فيه بأن الاشتقاق هو قوة لنمو اللغة وتكاثر كلمها،لكنه سماعي مقيد بأزمان خاصة وأشخاص معينين،وليس من مقدورنا أن نعمل تلك القوة الآن في اللغة،فنشتق من مصادرها، ونحوِّل موادها اشتقاقًا وتحويلًا لم يعرفهما أهل اللغة أنفسُهم،اللهم إلا إذا طرأ على عمراننا وعقولنا وعلومنا ما يفكُّها من قيودها القديمة، ويجاوز بها سننها المتبعة.

المصادر والمراجع:
• البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، راجعه سليمان الأشقر، وزارةالأوقاف والشؤون الإسلامية، بالكويت، ط. الثانية 1992م.
• فقه اللغة، عبدالواحد وافي، نهضة مصر، ط 3، 2004م.
• العلم الخفاق من علم الاشتقاق، محمد صديق حسن خان، مؤسسة الكتب الثقافية، ط. الأولى، 2012م.
• بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط. العاشرة، 2010.
• الصاحبي في الفقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، أحمد بن فارس، تعليق أحمد حسن بسيج، دار الكتب العلمية، ط. 1، 1997م.
• المزهر في علوم اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي، تحقيق مولى بك وفضل إبراهيم والبجاوي، المكتبة العصرية، 1968م.
• الاشتقاق والتعريب، عبدالقادر المصطفى المغربي، مطبعة الهلال بمصر 1908م.
• دراسات في فقه اللغة، الدكتور صبحي الصالح، دار العلم للملايين، ط. 16، 2004م.
• خصائص ابن جِنِّي.
• محمد خليفة التونسي، المصدر الصناعي،مجلة العربي، ع 193.
• الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، ضبطه الشيخ محمد العجوز، دار الكتب العلمية، ط. 6، 2011م.
• إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد الشوكاني، تحقيق سامي بن العربي الأثري، دار الفضيلة، ط. 1، 2000م.
• التعريفات، للجرجاني.

[1] بنية العقل العربي، ص 560.
[2] التعريفات ص 18.
[3] إرشاد الفحول 1/ 117.
[4] البحر المحيط 2/ 71.
[5] المزهر 1/ 346.
[6] الصاحبي في الفقه، ص 36.
[7] الخصائص ص 46.
[8] الإحكام 1/ 56.
[9] الاشتقاق، ص 10.
[10] البحر المحيط، ص 75.
[11] دراسات في فقه اللغة، ص 174.
[12] المزهر 1/ 346.
[13] الاشتقاق ص 15.
[14] خصائص ابن جني، ص 250.
[15] المزهر ص 248 بتصرف.
[16] المزهر ص 349.
[17] الوافي ص 141.
[18] المزهر ص 16.
[19] الوافي ص 142.
[20] الخصائص ص 256.
[21] فقه اللغة ص 139.
[22] الاشتقاق، ص 144.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz4XsoVj6Av


رد مع اقتباس