إلى ذلك نقدِّم مثالًا هنا، يدعو كليلة دمنة إلى التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل:
"إن الخب والخديعة ربما كان صاحبها هو المغبون، وإنك يا دمنةُ جامعٌ للخب والخديعة والفجور، وإني أخشى عليك ثمرة عملك، مع أنك لست بناجٍ من العقوبة؛ لأنك ذو لونينِ ولسانين، وإنما عذوبة ماء الأنهار ما لم تبلغ إلى البحار، وصلاح أهل البيت ما لم يكن فيهم المفسد، وإنه لا شيء أشبه بك من الحية ذات اللسانين التي فيها السم، قد يجري من لسانك كَسُمِّها، وإني لم أزل لذلك السم من لسانك خائفًا، ولما يحل بك متوقعًا، والمفسدُ بين الإخوان والأصحاب كالحيَّة يربِّيها الرجل ويُطعِمها ويمسحها ويكرمها، ثم لا يكون له منها غير اللدغ، وقد يقال: الزم ذا العقل وذا الكرم، واسترسل إليهما، وإياك ومفارقتهما؛ واصحب الصاحب إذا كان عاقلًا كريمًا أو عاقلًا غير كريم؛ فالعاقل الكريم كاملٌ، والعاقل غير الكريم اصحبه وإن كان غير محمود الخَليقة، واحذر من سوء أخلاقه وانتفع بعقله، والكريم غير العاقل الزمه ولا تدع مواصلته، وإن كنت لا تحمد عقله، وانتفع بكرمه، وانفعه بعقلك، والفرار كل الفرار من اللئيم الأحمق، وإني بالفرار منك لجديرٌ، وكيف يرجو إخوانك عندك كرمًا وودًّا، وقد صنعتَ بملكك الذي أكرمك وشرفك ما صنعت؟"[3].
فأول قصة من الكتاب التي تُعرف بـ"باب الأسد والثور" تستغرق نصف الكتاب، وهو يوحي إلينا أن المكر والخديعة مرتعه وخيم؛ لأن دمنة لَمَّا رأى من مكانة الثور عند السلطان حاول أن يذلَّه ويخزيه ويهينه، فمكر لذلك، ونسج الحيل، ولم يحالفه النجاح في مكره وخديعته، فبلغ أخيرًا إلى عاقبة وخيمة، فقُتل في حبسه أشنع قِتلة.
6- الكتاب عامةً يصور بيئةَ الملوك والحكام والحاشية المحيطة بهم، ومن المعروف أن هذه البيئة تستهوي مزاج العامَّة، وتستميل قلوب الجماهير.
نقدم هنا مثالًا للعقل والفهم؛ لأن مَن يستخدم العقل والفهم يتغلَّب بذلك على ألد أعدائه، كما كان ذلك في قصة البوم والغربان.
كان في جبلٍ من الجبال شجرةٌ من شجر الدوح، فيها وكر ألف الغراب، وعليهن والٍ من أنفسهن، فخرج مَلِك البوم لبعض غدواته وروحاته، وفي نفس الملك العداوةُ لمَلِك الغربان، فأغار ملكُ البوم على الغربان في أوكارها، فقتَل وسبى منها خلقًا كثيرًا، فاجتمعوا إلى ملكِهم للمشاورة، فقلن له: قد علمتَ ما لقينا الليلة من ملك البوم، وما منا إلا مَن أصبح قتيلًا، أو جريحًا، أو مكسور الجناح، أو منتوف الريش، أو مقطوف الذَّنَب...، فإنما نحن لك، ولك الرأي أيها الملك، فقدم من الغربان أحد مَن اعترف لهن بحسن الرأي...، وأما القتال، فقد علمت رأيي فيه، وكراهتي له، ولكن عندي من الرأي والحيلة ما يكون فيه الفرج إن شاء الله...، إني أريد من الملك أن ينقرني على رؤوس الأشهاد، وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة، ويرتحل الملك هو وجنوده إلى مكان كذا، فأرجو أن أطَّلع على أحوالهم، ومواضع تحصينهم وأبوابهم فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم، وننال غرضنا إن شاء الله...، ففعل الملك بالغراب ما ذكر، ثم ارتحل عنه، فجعل الغراب يئن ويهمس حتى رأَتْه البوم وسمعته يئن، فأخبرن ملكهن بذلك، فقصد نحوه ليسأله عن الغربان، فلما دنا منه أمر بومًا أن يسأله، فقال له: من أنت؟ وأين الغربان؟ فقال: أما اسمي، ففلان، وأما ما سألتني عنه، فإني أحسبك ترى أن حالي حال مَن لا يعلم الأسرار، فقيل لملك البوم: هذا وزير ملك الغربان وصاحب رأيه، فنسأله بأي ذنب صنع به ما صنع؟ فسئل الغراب عن أمره، فقال: إن ملكنا استشار جماعتنا فيكنَّ، وكنت يومئذٍ بمحضرٍ من الأمر، فقال: أيها الغربان، ما ترون في ذلك؟ فقلت: أيها الملك، لا طاقة لنا بقتال البوم؛ لأنهن أشد بطشًا، وأحدُّ قلبًا منَّا، ولكن أرى أن نلتمس الصلح، ثم نبذل الفِدية في ذلك، فإن قبِلَت البوم ذلك منَّا، وإلا...، فالصلح أفضل من الخصومة، وأمرتهنَّ بالرجوع عن الحرب، وضربت لهن الأمثال في ذلك، وقلت لهن: إن العدوَّ الشديد لا يردُّ بأسه وغضبه مثل الخضوع له، فعصينني في ذلك وزعمن أنهن يردن القتال واتهمنني فيما قلت، وقلن: إنك قد مالأت البوم علينا، ورددنَ قولي ونصيحتي، وعذبنني بهذا العذاب، وتركني الملك وجنوده وارتحل، ولا علم لي بهن بعد ذلك، فلما سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض وزرائه: ما تقول في الغراب؟ وما ترى فيه؟ قال: ما أرى إلا المعاجلة له بالقتل...، وأشار الباقون بالرحمة، والاستبقاء والصفح عنه...، فأمر الملك بالغراب أن يحمل إلى منازل البوم ويكرم وتستوصى به خيرًا...، فلم يلتفت ملك البوم إلى وزيره الأول الذي أشار بقتله، ورفق بالغراب، ولم يزد له إلا إكرامًا، حتى إذا طاب عيشه، ونبت ريشه، واطلع على ما أراد أن يطلع عليه، فأتى أصحابه بما رأى وسمع...، وقال: إن البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب، وفي ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راعٍ، ونحن مصيبون هناك نارًا، ونلقيها في أنقاب البوم، ونقذف عليها من يابس الحطب ونتراوح عليها ضربًا بأجنحتنا حتى تضرم النار في الحطب، فمن خرج منهن احترق، ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه، ففعل الغربان ذلك، فأهلكن البوم قاطبةً، ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات[4].
فعلم من هذه القصة أن المخلوق الضعيف بعقله وذكائه وحيلته ومكره يتغلب على الجنود الكثيرة من ذوي البأس والنجدة والعَدد والعُدَّة.
7- إن مترجمه الذكي ابن المقفع قد كساه في طابع ديني واضح جدًّا في لغته العربية التي تشيع فيه ألفاظ الرضا بالمقدور، وأحوال الدين والدنيا، والآخرة والأولى، وهذا في رأينا ما جعل الكتاب يدخل بسرعة في بناء الثقافة الإسلامية، ويصبح على الرغم من أصله الأجنبي مَعْلمًا للثقافة الدينية.
هذه العبارة تشير إلى ما أعطاه المترجم طابعًا دينيًّا، وصبغه في الصبغة المذهبية:
"إن القضاء إذا نزل صرف العيون عن موضع الشيء، وغشَّى البصر، وإنما صرف القضاء أعيننا عن الشرك، ولم يصرفها عن هذا الكنز، فاحتفرت واستخرجت البرنية وهي مملوءة دنانير، فدعوت لهما بالعافية، وقلت لهما: الحمد لله الذي علَّمكما ما لم تعلما، وأنتما تطيرانِ في السماء، وأخبرتما ما تحت الأرض، قالا لي: أيها العاقل، أمَا تعلم أن القَدَر غالب على كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يتجاوزه، وأنا أخبر الملك بذلك رأيته، فإن أمر الملك أتيته بالمال فأودعته في خزائنه، فقال الملك: ذلك لك، وموفَّر عليك"[5].
أغراض تأليف الكتاب ومقاصده في ضوء مقدمة ابن المقفع:
إلى هذه الأغراض والغايات والمقاصد والخصائص لهذا الكتاب يشير ابن المقفع؛ لأن المترجِم بعد مؤلف أي كتاب يعي جيدًا أهمية الكتاب ويدري مكانته وخصائصه؛ لأنه لا يقدم على ترجمة أي كتاب إلا بعد أن يكون قد أدرك قيمة الكتاب في اللغة الأم، وهو بنفسه يصرح إلى هذه الغايات والأهداف والخصائص لهذا الكتاب التي أثارته إلى ترجمته، ونقله إلى العربية:
فقد أشار إلى كثير من الأشياء التي تسبَّبت في اختياره إلى ترجمة الكتاب، وهو ينبه القارئ لكي يستفيد بالكتاب حق الاستفادة، نقدم إلى ما وصل إليه ابن المقع من المقاصد والأهداف في النقاط التالية:
1- يقول في موضع مشيرًا إلى سبب وضع العلماء الهنود مثل هذا الكتاب:
هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا[6].
2- وهو يُوضِّح مضمون الكتاب الأصلي، ويصرح بأنه يتمثل في "الحكمة"، وقد عرضها صاحب الكتاب بحيث يجذب الخاصة والعامة على السواء؛ "فاختاره الحكماء لحكمته، والسفهاء لِلَهْوِه، وبالنسبة إلى المتعلم الناشئ، فإنه يتقبله في البداية بسهولة، لكنه عندما يكبَرُ وينضج يدرك أنه يمتلك بالفعل كنزًا من كنوز الحكمة، فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة، عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب"[7].
3- وكذلك يدعو ابن المقفع قارئ الكتاب إلى التفكر والتدبر في مقاصد الكتاب، التي لأجله تم وضع الكتاب على ألسنة الحيوانات والطيور، فيقول: "ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم، وأضافه إلى غير مفصح، وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالًا؛ فإن قارئه متى لم يفعل ذلك، لم يدرِ ما أُريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه الكتاب، وإنه وإن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره، دون معرفة ما يقرأ منه، لم يَعُدْ عليه شيء يرجع إليه نفعه"[8].
4- ويتبين أن المقصود هو المضمون من كتاب كليلة ودمنة، وأن الشكل بالتالي ما هو إلا وسيلة لتوصيل هذا المضمون إلى القراء، يقول ابن المقفع: "وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه، بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهي منه، ويقف عند كل مَثَل وكلمة، ويعمل فيه رويته"[9].
5- ثم بعد ذلك مما يؤكِّد عليه ابن المقفع ويدعو القارئ بعد أن يدرك مقاصد الكتاب وأغراضه الأساسية أن يُطبِّقها في حياته العملية؛ لأن العلم لا يتم إلا بالعمل، وهذا هو مفهوم الحكمة عند الفلاسفة والمفكرين، فيقول:
"إن العاقل إذا فهِم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به، ويجعله مثالًا لا يحيد عنه"[10].
وهو يشير إلى أهمية العمل مع العلم هكذا:
"وأقل الناس عذرًا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها - مَن أبصر ذلك وميَّزه، وعرف فضل بعضه على بعض، كما أنه لو أن رجلينِ أحدهما بصيرٌ والآخر أعمى، ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا في قاعها بمنزلةٍ واحدةٍ، غير أن البصير أقل عذرًا عند الناس من الضرير؛ إذ كانت له عينان يبصر بهما، وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف"[11].
ويقول أيضًا:
"وعلى العالم أن يبدأَ بنفسه ويؤدِّبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره، ويكون كالعينِ التي يشرب منها الناس ماءها، وليس لها في ذلك شيءٌ من المنفعة، وكدودةِ القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به، فينبغي لمن يطلب العلم أن يبدأ بعِظَة نفسه، ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه"[12].
ولأهمية الكتاب وما يحتويه من خصائص وميزات وغايات وأهداف، فقد لقي رواجًا كبيرًا في الأوساط العلمية عبر المعمورة، فقد أدخلت حكاياته في المقررات الدراسية في الجامعات العربية والمدارس الإسلامية في الهند وخارجها من البلاد، وقراءة هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا يجعل القارئ بارعًا ونابغًا في اللغة العربية.
_______________________
[1] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 139 - 140، دار المسيرة، بيروت.
[2] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 185 - 186، دار المسيرة، بيروت.
[3] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 149، دار المسيرة، بيروت.
[4] ابن المقفع، كليلة ودمنة: تلخيص القصة الطويلة من 192 إلى 217، دار المسيرة، بيروت.
[5] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 285، دار المسيرة، بيروت.
[6] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 65، دار المسيرة، بيروت.
[7] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 66، دار المسيرة، بيروت.
[8] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 66، دار المسيرة، بيروت.
[9] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 66، دار المسيرة، بيروت.
[10] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 69، دار المسيرة، بيروت.
[11] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 69، دار المسيرة، بيروت.
[12] ابن المقفع، كليلة ودمنة: 69، دار المسيرة، بيروت.