عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-18-2017 - 10:27 AM ]



تتمة ::
نماذج من حكمة زهير:

‎وقد شهد زهير حرب السباق وتطاحن القبائل، ورأى أن الحروب من أشدّ الويلات على الإنسان فكرهها كرهاً صادقاً، وسعى في أمر الصلح، وامتدح المصلحين، وندّد بالمحرّفين على استخدام قوة السلاح، ودعا إلى نبذ الأحقاد، ووقف موقف الحكم والقاضي ، كما وقف موقف الهادي والمرشد والمصلح. وكان مبدأه أن ما يحلّ سلمياً خير مما يحل حربياً، وأن الحرب هي آخر ما يجب اللجوء إليه ، وأن الطيش و العناد يقودان إلى الدمار:

‎ ومَن يعصِ أطرافَ الزِّجاجِ فإنّه
يطيعُ العوالي رُكبَت كلَّ لَهذَمِ 1

‎(الشنتمري، 1400 ﻫ .ق: ص 27)

‎فقد أراد زهير أن يقول من أبى الصلح لم يكن له بدّ من الحرب، فلم يقل ذلك مباشرة ، بل ذهب يبحث عن صورة تمثل الصلح عندهم، وسرعان ما لمعت في خياله عادة كانت معروفة لديهم، وهي أن يستقبلوا أعداءهم إذا أرادوا الصلح بأزجّة الرماح، ومن ثم قال «ومن يعص أطراف الزجاج» يريد «ومن لا يطع الدعوة إلى الصلح والسلام» ومضى يمثّل الدخول في الحرب بإطاعة أسنة الرماح والسيوف (ضيف، 1997م: ص 325).
‎ولكنّ عنصر القوة من مقتضيات الحياة القبلية في الجاهلية، والقبائل متربصة بعضها ببعض، فلم يستطع زهير، على حبّه للسلام، من الخروج على سنّة المجتمع القبلي. فهنالك العرض والشرف ، وهنالك العصبية التي تدعوإلى مناصرة أبناء العشيرة، وهنالك تقاليد الثأر، والدفاع عن الجار، وهنالك موارد المياه ومراعي القطعان، والطبيعة البشرية في شتّى أهوالها وأطماعها. كلّ ذلك يفرض على الجاهلي أن لايتغاضى عن وسيلة السلاح، وأن لايظهر بمظهر الضعف في مجتمع لا يؤمن إلابقوة، وكأني به يقول ماورد في المثل اللّاتيني: «إذاشئتَ السّلم فتأهّب بالحرب»:
‎ ومَن لا يذُد عن حَوضِهِ بسلاحِهِ يهدَّم ومَن لا يظلِمِ الناسَ يُظلَمِ 2
‎(الشنتمري، ص 27)

‎إنّ زهيراً في ما يتعلق بالحياة الفردية الشخصية، يريد للإنسان أن يتحلّى بالوفاء والبرّ:
‎ ومَن يوفِ لا يُذمَم ومَن يُهدَ قلبُهُ

إلى مطمئنّ البرِّ لا يتَجَمجَمِ 3

‎(ثعلب، 1402 ﻫ .ق: ص 36)

‎وفي ما يتعلق بالحياة الإجتماعية، يدعوالإنسان إلى المصانعة والسياسة، ويدعوه إلى بذل المعروف والسخاء والتفضّل على القوم ليقي عرضه ويلقى الحمد، وهذا من الآراء الشائعة في الأدب القديم:
‎ ومَن لا يُصانع في أمور كثيرة

يُضَرَّس بأنياب ويوطأ بمَنسِمِ 4

‎ ومَن يجعلِ المعروفَ من دون عِرضِهِ

يَفِره ومَن لا يتَّقِ الشّتمَ يُشتَمِ
‎(نفسه ، ص 35)

‎ويستوقفنا قوله:

‎ لسانُ الفتى نِصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ

فلم يبقَ إلاّصورةُ اللّحمِ والدَّمِ (نفسه، ص 37)

‎فالعرب يعتقدون أن القلب مقرّ العقل، أوهوالعقل بعينه كما في كتب اللغة. وكان أرسطويجعل القلب موضع القوى النفسية، بخلاف جالينوس الطبيب الذي يجعلها في الرأس، وكان ابن سينا يأخذ برأي أستاذه أرسطو(البستاني، ص 142). وقد قال العرب من عهد بعيد: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. ولم يذكروا العقل في كلامهم، وإنّما ذكروا مكانه القلب والفؤاد. فزهير لم يبتعد عن حكمة الشعب في هذا البيت، كما أنّه لم يبتعد عنها حين يقول:

‎ وإنّ سَفاهَ الشيخِ لا حِلمَ بعدَهُ

وإنّ الفتى بعد السفاهةِ يحلُمِ 5

‎(ثعلب، ص 37)

‎وأمّا اولئك الذين يرون الموت يطاردهم، فيتمادون في الهروب، فلم ينسهم زهير إذ يقول:

‎ ومن هابَ أسبابَ المنايا ينَلنَهُ

وإن يرقَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ 6

‎(نفسه، ص 35)

‎وأما الذين يحاولون إخفاء نقائصهم على الناس، وهم يتسترون وراء أصابعهم فيقول لهم:

‎ ومَهما تَكن عندَ امريء من خَليقة

وإن خالَها تَخفى على الناسِ تُعلَمِ

‎(القرشي، 1999م: ص 202)

‎فهذه النقائص والخلال السيئة لابدّلها من أن تعلم مهما طال الزمان على إخفائه خصوصاً وإن الطريق الطويل كشاف للعيوب.

‎وأما الذين يلحفون في الطلب فينالون، فأمرهم لن يطول لأن لكلّ شيء نهاية:

‎ سألنا فأعطَيتُم وعُدنا فعُدتُمُ

ومَن أكثر التسآلَ يوماً سيُحرَمِ 7

‎(نفسه ، ص 203)

‎فاللجاجة والإلحاف أمر ممض ومزعج فلايجوز التمادي بهما والإندفاع وراءهما لأنه لايجوز لنا أن نشرب البحر حتى نحسّ بطعم الملوحة.
‎وإذا جئنا بطلب النَّصَف من زهير فزاه يقول:

‎ فإنّ الحقَّ مَقطَعُهُ ثلاثٌ:

يمينٌ أونفارٌ أوجلاءُ(نفسه، ص 66)

‎يريد: إن الحقوق إنما تصحّ بواحدة من هذه الثلاث: يمين أومحاكمة أوحجّة بينة واضحة.

‎فقد عدّ القدماء زهيراً بهذا البيت بقاضي الشعراء وفي طليعة هؤلاء عمربن الخطاب حيث أعجب من صحة التقسيم في هذا البيت فقال: «لوأدركته (زهيراً» لوليته القضاء لحسن معرفته ودقة حكمه (العكسري، 1371 ﻫ .ق: ص 83).

‎أما امتداد العمر في حياة زهير فإنه كان باعثا له على كثرة التأمل والإستبصار، الأمر الذي جعل الرواة ينسبون إليه أنه رأى، فيما يرى النائم، نفسه يقترب من السماء مرّتين ويُرَدّ ، فاستنتج عندها أن أمراً من السماء سينزل فأوصى ولديه كعباً وبجيراً أن يفتشاعن صاحبه ويتبعاه إذا وجداه (فرّان، ص 103). ألاتدلّ هذه الرواية، إن صحّت، أن زهيراً كان كثير التفكر في خلق السموات والأرض فوجد نفسه مدفوعاً إلى القول بعد التحقّق:

‎ تَزوَّد إلى يومِ المَماتِ فإنّهُ

ولَوكَرِهَته النّفسُ آخرُ مَوعِدِ

‎(ثعلب، ص 170)

‎أوقوله:

‎ فلا تَكتُمُنَّ اللّه ما في نُفوسِكم

لِيَخفَى ومهما يُكتَمِ اللّهُ يَعلمِ

‎ يؤخَّر فيوضَع في كتاب فيُدّخَر

لِيومِ الحسابِ أويُعَجَّل فيُنقَمِ

‎(نفسه، ص 26)

‎ولا ينبغي أن يغرب عن بالِنا قطّ، أن العديد من الرواة والنقاد يعتبرون أن زهيراً كان على دين أجداده الوثنيين. وأما ما في شعره من معاني التوحيد فهي مجرّد خواطر أكسبته إياها تجارب الحياتية، وأما ما ينسب إلى زهير، من الشعر الديني فلم يُقَل عن لسانه إلاّ لأن زهيراً عُرِفَ بالحكمة التي تلائم أذواق البدويين، وبالأمثال التي تنسجم مع طبيعتهم. والأصمعي، من القدماء، وهوالثبت الثقة، ينكر على زهير ما ينسب إليه من المعاني التوحيدية، وطه حسين من المعاصرين يضمّ صوته إلى الأصمعي في إنكارتلك المعاني إلى زهير في شعره (فرّان، ص 37).
‎والتفكير في الحياة والموت يكثر عند زهير كقوله:

‎ رأيتُ المنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب

تُمِتهُ ومن تُخطِيء يُعَمَّر فيَهرِمِ 8

‎(ثعلب، ص 34)

‎وفي البيت صورة بديعة، إذ يشبه الموت بناقة عشواء لا تبصر طريقها، فهي تخبط الطريق خبطاً أعمى ليس له نظام ولا قياس.

‎الخاتمة :

‎لا يذكر زهير في شعراء الجاهلية إلاّ ذكرت معه الروية والرزانة والحكمة، وبدا لنامنه شاعر متعاقل لا تنطوي حياته وطباعه على شذوذ غير مألوف في نظام الإجتماع، وجاءت أقوال المتقدّمين فيه وصفاً لايبدومن أخلاقه في شعره، وتفضيلاً لهذا الشعر بهذه الأخلاق، وقد كان زهير، كما عرفوه، قاضياً يصلح بين المتخاصمين، وحكيماً ينصح الناس ويرشدهم، ويدعوهم إلى العمل الصالح، وفي شعره أمثلة كثيرة تدلّ على عنايته بخير مجتمعه القبلي وتقويم أخلاقه. فعلينا أن ننظر الآن إليه حكيماً مرشداً يريد الخير لقومه، فيبذل من الآراء والأمثال ما تستقيم به أحوالهم الخلقية والإجتماعية. وليس لدينا من شعره قصيدة تجمع الحِكم أبياتاً يتوالى بعضهما إثر بعض غير معلّقته. فقد خصّ القسم الأخير منها بطائفة من الآراء الإجتماعية التي شهرته عند الأقدمين، وفضلوه من أجلها، فقالوا أشعر الناس صاحب مَن ومَن ومَن. وله أقوال متفرّقة في مختلف أشعاره ، منها أدلّة عقلية مثل قوله:

‎ وهَل ينبِتُ الخطّيَّ إلاّ وَشيجُهُ

وتُغرَسُ إلاّفي منابتِها النَّخلُ 9

‎(ثعلب، ص 95)

‎ومنها أمثال في الحضّ على العمل الصالح:

‎ تزوَّد إلي يومِ المماتِ فإنّهُ

وإن كرهتهُ النفسُ آخرُ موعِدِ

‎أوفي تحديد مقاطع الحقّ:

‎ وإنّ الحقَّ مقطعُه ثلاثٌ،

يمينٌ أونفارٌ أوجلاءُ

‎المراجع:

‎-# القرآن الكريم
‎-# نهج البلاغة
‎-# آذرشب، محمّد علي، الأدب العربي وتاريخه حتى نهاية العصر الأموي، سمت ، تهران، چاپ ششم، 1384 ﻫ .ش.
‎-# ابن منظور، محمّد بن مكرّم، لسان العرب، ج 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 ﻫ .ق.
‎-# الأصفهاني، ابوالفرج، الأغاني، ج 10، دارالفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1407 ﻫ.ق.
‎-# أفرام البستاني، فؤاد، المجاني الحديثة، ج 1، دارالمشرق، بيروت، الطبعة الرابعة، 1993م.
‎-# البستاني، بطرس، ادباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، دارالجيل، بيروت، 1989م.
‎-# البغدادي، عبدالقادر بن عمر، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، ج 2، المطبعة السلفية، القاهرة، 1347 ﻫ .ق.
‎-# التهانوي، محمّد علي، كشاف إصطلاحات الفنون والعلوم، ج 1، دارالكتاب العربي، بيروت، 1996م.
‎-# ثعلب، أبوالعبّاس، شرح شعر زهير بن أبي سلمى، تحقيق فخرالدين قبادة، دارالآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، 1402 ﻫ .ق.
‎-# الجرجاني، علي بن محمّد، التعريفات، دارالكتاب العربي، بيروت، 1985م.
‎-# الجمحّي ، ابن سلّام، طبقات الشعراء، دارالكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 ﻫ .ق.
‎-# الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، ج 5، دار الكتاب العربي، مصر، 1956م.
‎-# حكيمي، محمّدرضا، دانش مسلمين، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، تهران، 1356ﻫ .ش.
‎-# دهخدا، علي اكبر، لغت نامه، ج 6، زير نظر دكتر محمّد معين ودكتر سيد جعفر شهيدي، دانشگاه تهران، چاپ دوم، 1377 ﻫ .ش.
‎-# الدينوري، ابن قتيبة، الشعر والشعراء، دارالكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421 ﻫ .ق.
‎-# الشنتمري، الأعلم، شعر زهير بن أبي سلمى، تحقيق الدكتور فخرالدين قبادة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1400 ﻫ .ق.
‎-# ضيف، شوقي، تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي) دارالمعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1977م.
‎-# الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 14، دارالكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1957م.
‎-# العسكري، ابوهلال ، الصناعتين: الكتابة والشعر، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الأولى، 1371 ﻫ .ق.
‎-# الفاخوري، حنّا، تاريخ الأدب العربي، توس، تهران، چاپ اوّل، 1377 ﻫ .ش.
‎-# الفاخوري، حنّا، الجامع في تاريخ الأدب العربي (الأدب القديم)، ذوي القربى، قم، الطبعة الأولى، 1422 ﻫ .ق.
‎-# الفاخوري، حنّا، الموجز في الأدب العربي وتاريخه، ج 1، دارالجيل، بيروت، الطبعة الثانية، 1991م.
‎-# فرّان، محمّد يوسف، زهير بن أبي سلمى حياته وشعره، دارالكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411 ﻫ .ق.
‎-# فرّوخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، ج 1، دارالعلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1981م.
‎-# القرشي، أبوزيد، جمهرة أشعار العرب، ج 1، تحقيق خليل شرف الدين، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الثانية، 1991م.
‎-# القيرواني، ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج 1، دارالجيل، بيروت، الطبعة الرابعة، 1401 ﻫ .ش.
‎-# مصلح،جواد،فلسفه عالي ياحكمت صدرالمتألهين،دانشگاه تهران،چاپ دوم، 1353 ﻫ .ش.
‎-# معلوف، لويس، المنجد في اللغة، اسلام، تهران، الطبعة الثانية، 1380 ﻫ .ش.
‎-# نصراللّه ، حسن عباس، جمهورية الحكمة في نهج البلاغة، دارالقاريء، بيروت، الطبعة الأولى، 1427ﻫ .ق.
‎-# نيكلسون، رينولد، تاريخ ادبيات عرب، ترجمه كيوان دخت كيواني، ويستار، تهران، چاپ اوّل، 1380ﻫ .ش.

‎الهوامش:

‎-# الزجاج: ج. زُجّ: الحديد المركب في أسفل الرّمح، العوالي: ج. عالية: طرف الرمح الأعلى. اللّهذم: السنان الطويل .
‎-# الذود: الكفّ، الردع، الدفاع، الحوض: الحريم، العِرض.
‎-# يوفي: ويفي بمعنى واحد. المطمئن: الثابت، المستقرّ، لايتجمجم: لايتردّد.
‎-# صانَعَ الناس: جاملهم وداراهم، يضرَّس: يعضّ بالضرس، المنسِم: للبعير كالسنبك للفرس.
‎-# السَّفاه: والسفه: ضدّ الحلم، الجهل والنزق، يحلم: كان عليه أن يقول يحلمُ . فكسرها جرياً مع القافية.
‎-# أسباب المنايا: الحروب وماشاكل. الأسباب الثانية: بمعنى الحبال.
‎-# التسآل: بمعنى السؤال.
‎-# الخبط: الضرب باليد. العشواء: مؤنث الأعشى، التي لاتبصر بالليل يريد بها الناقة التي تضرب بيدها ليلاً على غير هدًى.
‎-# الخطّي: الرمح المنسوب إلى الخطّ وهي جزيرة في البحرين. الوشيج: القناالملتف في منابته.


رد مع اقتباس