عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-18-2017 - 10:26 AM ]


الحكمة في شعر زهير بن أبي سُلمى

الاثنين ٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٠، بقلم مجتبي محمدي مزرعه شاهي

من موقع ديوان العرب :
‎مجتبي محمّدي مزرعه شاهي (طالب مرحلة الدكتوراه بجامعة طهران)



المستخلص:

‎زهيربن أبي سلمى أحد أصحاب المعلّقات ، وثالث ثلاثة‌ من المتقدّمين على سائر شعراء الجاهلية. ولد زهير بنجد ونشأ في غطفان وتتلمذ في الشعر والحكمة لبشامة ولأوس بن حجر. له ولدان شاعران هما: كعب وبجير. قضى حياته يطلب لمجتمعه السلام ويمدح المصلحين من مثل هرم بن سنان. له ديوان شعر، أشهرما فيه المعلّقة التي نظمها على أثر انتهاء حرب السباق، والتي تحتوي، فضلا عن مقدمات الغزل وما إليه، شعرا إصلاحيا وطائفة من الحِكم والأمثال العامة. يمثل زهير فئة المؤمنين بالحياة الأخرى ، المتمسكين بالفضيلة الشخصية والإجتماعية من وفاء وقناعة وإقدام، ومصانعة وبذل، وحكمته وليدة الزمن والإختبار وهي واسعة النطاق، قليلة الحياة وساذجة في أكثرها. في هذه المقالة تطرقنا إلى معاني الحكمة وأقسامها وبحثنا في حياة زهير وأدبه، ومظاهر الحكمة في أشعاره.

‎الكلمات الرئيسة: زهير بن أبي سلمى، المعلّقة، الحكمة.

‎المقدّمة:

‎زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني نشأ في بيت عريق في الشاعرية، وعاش في بني غطفان. ثم اتصل بهرم بن سنان والحارث بن عوف، فمدحهما ولاسيما الأول، وخصّ بهما «المعلقة» مشيداً بفضل ما قاما به من مساع في سبيل الصلح بين عبس وذبيان على أثر حرب السباق المشهورة، عرف زهير بالرزانة، والتروّي، وحب الحق والسلام، حتى كان يتأله ويتعفّف في شعره على قول ابن قتيبة. عاش طويلاً محفوفاً بالإحترام ، فمات بعد أن شبع من العمر والجاه. اختلف في سنة وفاة زهير، فقيل إنه لم يدرك الإسلام ، وقيل أدرك الإسلام . وعلى أي، فإن وفاته كانت في أحد الأعوام التي سبقت البعثة النبوية أوتلتها بقليل.

‎كان شعر زهير صورة لحياته. فامتاز معناه بالصدق، والرزانة، والتعقل ، والميل إلى الإكثار من الحِكمَ، كما امتاز معناه بالتهذيب والتنقيح، والإيجاز، وتجنب التعقيد، والبعد عن الحوشي والغريب. هذا إلى تتبع في الوصف، وتدقيق في المادة والتركيب واللون،ورغبة في تنسيق الصور والأفكار، مما جعل الأدباء يجمعون على وضعه في الطبقة الأولى من الجاهليين.

‎إنّ زهيراً شاعر الجمال، وشاعر الحقيقة بحِكمَه، وهوشاعر الخير بدعوته إلى السلام وبما رسمه من مُثل فيمن مدحهم. ولقد كثرت الحكمة في شعر زهير ثم توالت في قصائده أحياناً، كما ترى في آخر المعلّقة مثلا، ولكن الحكمة ظلت عنده غرضاً ولم تصبح فنا مستقلا قائماً بنفسه.
‎هذه المقالة تتضمن تعاريف الحكمة وأقسامها، وتنطوي على بحث في حياة زهير بن أبي سلمى وأدبه، ومظاهر الحكمة في أشعاره.

‎تعريف الحكمة:

‎لغةً:

‎-# حَكَمَ يحكمُ حُكماً بينهم أي قَضى. وحَكمَ له وحَكمَ عليه. والحُكم أيضا: الحكمة من العلم. والحكيم: العالم وصاحب الحكمة. وقد حَكُمَ بضم الكاف، أي صار حكيما. قال النّمربن تولب:
‎ وأبغِض بَغيضَك بُغضاً رُويداً إذا أنتَ حاولتَ أن تحكُما
‎قال الأصمعي: أي إذا حاولت أن تكون حكيماً (الجوهري، 1956م: 5/1901).
‎-# حَكُمَ –ُ حِكمَةً : صار حكيماً، الحكمة الكلام الموافق للحق، الفلسفة، صواب الأمر وسداده. قصيدةحكيمة: ذات حكمة (معلوف، 1380 ﻫ . ش: ص 146).
‎أصل الحكمة المنع، فهي بمنزلة المانع من الفساد (ابن منظور، 1408 ﻫ .ق: 3/272).
‎-# العلم مع العمل (الجرجاني، 1985م: ص 123).
‎-# العدل (نصراللّه، 1427 ﻫ .ق: ص 29).
‎-# العقل (دهخدا، 1377 ﻫ .ش: 6/9162).
‎-# النبوّة (نفسه، 6/9162).

‎اصطلاحاً:

‎إن التطور الدلالي تفرّع إلى جداول كثيرة، وظلّ مرتبطاً بالنبع: العلم، المعرفة، المنع من الفساد... وجاء في تعريفاتها:

‎-# معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم (نصراللّه، ص 30).
‎-# الكلام المعقول المصون عن الحشو(الجرجاني، ص 124).
‎-# القرآن ، لأنه يتضمن الأمر بالحسن، والنهي عن القبيح، وأصل الحكمة المنع (الطبرسي، 1957م: 14/138).
‎-# الحكمة هي الكمال الحاصل للنفس، الخارج من القوّة إلى الفعل بحسب القوانين، أي النظرية والعملية (التهانوي، 1996م: 1/53).
‎-# الحكمة هي خروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل (حكيمي، 1365 ﻫ .ش: ص 318).
‎-# الوحي والتنزيل: وردت الحكمة في القرآن الكريم موازية للوحي والكتب السماوية المنزلة على الأنبياء، قال تعالى:
‎«ذلِك مِمّا أوحَى إلَيك ربُّك من الحكمةِ» (الإسراء / 39)
‎«يتلُوا عَلَيكم ءَاياتِنا ويُزَكِّيكُم ويعَلِّمُكم الكتابَ والحكمةَ» (البقرة / 151)
‎«ويعَلِّمُهُ الكتابَ والحكمةَ والتَّوراةَ والإنجيلَ» (آل عمران / 48)
‎«وأنزَلَ اللّهُ عَلَيك الكتابَ والحِكمَةَ» (النساء / 113)
‎-# الحكمة تعلّم الحلال من الحرام (الجرجاني، ص 123).
‎-# الحكمة الأدبية هي كلمات قصيرة ، موقرة بالمعنى (جوامع كَلِم) توافق للحق، وتؤلِّف قانوناً ذاتيا وجدانيا يضيء نفس المرء، بإشراقات توجيهية ، ويدفعه نحوالخير، ويسوّره بالإنسانية. وأدب الحِكم هوفن كلامي (نثر أوشعر) موافق للحق في مضامينه، يرسله صاحبه بعد تأمل ليعبرعن حقيقة حياتية (نصراللّه، ص 35).
‎إن الحكمة نور كلّ قلب، قال الإمام علي (ع): «إنّ هذه القلوبَ تملُّ كما تملُّ الأبدانُ فابتَغُوا لَها طَرائفَ الحِكمِ» (نهج البلاغة، الحكمة 91). فالحكمة قوّة ذاتية تتوجه إلى الخير والنور، جاعلة الإنسان الحكيم قريبا من الملائكة، أي مضاهياً للعالم العُلوى.

‎أقسام الحكمة:

‎تنقسم الحكمة إلى الحكمة النظرية والحكمة العملية.

‎الحكمة النظرية: بمعنى الفلسفة، والحكيم هوالفيلسوف . قال التهانوي: «الحكمة النظرية هي علم بما لايكون وجوده بقدرتنا واختيارنا، وموضوعها هوالموجود الذي ليس وجوده بقدرتنا واختيارنا» (التهانوي، 1/5). وبشكل أوضح تدور مسائلها، مناط البحث، خارج حدود حرية الإختيار البشري، كالبحث في الوجود، والخلق، والتوحيد، والنبوة، والمعاد... لا تأثير لوجود الإنسان في وجودها، ولا يبلغ الكمال إلاّ بمعرفتها، وهي موجودة سواء آمن بها أم لم يؤمن (نصراللّه ، ص 38). الحكمة النظرية تنقسم إلى ثلاثة علوم: الإلاهيات، والطبيعيات، والرياضيات (مصلح، 1353ﻫ .ش: ص 3).

‎الحكمة العملية: هي علم بما يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا (التهانوي، 1/5). تدور مسائلها، مناط البحث، داخل حدود حرية الإختيار البشري، أي تبحث مجموعة من القضايا في متناول الإنسان واختياره، وهي موضوعات لاتوجد إلاّ بوجود الإنسان ، كالبحث في قضايا السياسة والدولة والأخلاق، وتهذيب النفس، وبناء المجتمع (نصراللّه ، صص 39-38). تتشعب الحكمة العملية إلى قسمين:
‎أ: الحكمة الخلقية: فائدتها تهذيب الأخلاق، أي تنقيح الطبائع بتعليم الفضائل وكيفية اقتنائها، لتزكى بها النفوس، وأن تكشف الرذائل وكيفية توقّيها لتطهر عنها النفس.

‎ب: الحكمة السياسية أوالمدنية: تتعلّق بالملك والدولة، بما يرتبط بمصالح جماعة متشاركة بين الأشخاص، أي علم بكيفية المشاركة بين الجماعات في المدينة (مصلح، ص 3).

‎زهير بن أبي سلمى:

‎حياته:

‎ينسب الناس زهيراً إلى مزينة، ومزينة هي بنت كعب بن ربوة وأمّ عمروبن أدّ إحدى جدات زهير لإبيه (الدينوري، 1421 ﻫ .ق: ص 61).كان أبوسلمى واسمه ربيعةبن رياح،قد تزوّج امرأة من بني سهم ابن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان هي أخت بشامةبن الغدير الشاعر. ويبدوأن أبا سلمى اختلف وشيكا مع أصهاره على أثر غارة على بني طيّ ظلم حقه في غنائمها، فاحتمل بأهله وعاد إلى أقارب له من بني عبد الله بن غطفان كانوا ينزلون في الحاجر من أرض نجد(فروخ، 1981م:1/195)

‎ولد زهير بن أبي سلمى في الحاجر في نحوعام 520م ، وهناك نشأ، ولكنه يتم من أبيه باكراً فتزوجت أمّه أوس بن حجر. وعني أوس بزهير فجعله راوية له. وتزوج زهير امرأة اسمها ليلى في الأغلب وكنيتها أمّ أوفى ورزق منها عدداً من الأولاد ماتوا كلّهم صغاراً. ولعل حب زهير للذرية جعله يكره أم أوفى، فطلّقها وتزوج كبشة بنت عمّار بن سحيم أحد بني عبدالله بن غطفان فرزق منها ولديه كعباً وبجيراً. وكانت كبشة، فيما يبدو، ضعيفة الرأي مبذّرة صَلِفة فلقي منها عنتاً كثيراً، فأراد – بعد عشرين عاماً – أن يعود إلى أم أوفى ولكن أم أوفى لم تقبل (المصدر السابق، 1/195).

‎انقطع زهير لسيد شريف اسمه هرم بن سنان، فمدحه وتغنى بكرمه وحبه للخير والسلام وتوسّطه بالصلح بين قبيلتي عبس وذبيان في حرب السباق . فأغدق عليه هرم العطايا. ومن طريف مايروى في هذا الصدد أن هرماً «حلف أن لا يمدحه زهير إلا أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبداً أووليدة أوفرساً، فاستحيا زهير مما كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: عموا صباحا غير هرم، وخيركم استثنيت» (الأصفهاني، 1407 ﻫ .ق: 10/337).

‎وعاش زهير عمراً طويلاً ربما بلغ به التسعين أونيف عليها، وتدلنا المعلّقة على أنه كان في الثمانين يوم نظمها لقوله فيها:

‎ سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومَن يعِش ثمانينَ حَولاً لا أبا لك يسأمِ

‎وهذه القصيدة أنشئت بعد أن وضعت حرب داحس والغبراء أوزارها، أي في أوائل القرن السابع، فتكون ولادة الشاعر في العقد الثالث من القرن السادس للميلاد (البستاني، 1989م: ص 130).

‎وروى صاحب الأغاني أن النبي نظر إلى زهير وله مائة سنة فقال: «اللّهم، أعذني من شيطانه !» فما لاك بيتاً حتى مات (الأصفهاني، 10/339). فإذا صحّت هذه الرواية فيكون زهير قد أدرك سنة 630 ، أي التاسعة للهجرة، ولكن يرجّح أنه توفي قبل إسلام ولديه لأن الرواة لم يذكروه معهما، ولا يجوز أن ينسى مثله لوكان حياً . وقد أسلم ابنه بجير في أواخر السنة السابعة للهجرة، وأسلم كعب في السنة التاسعة (البستاني، ص 130). وذكر البغدادي في خزانة الأدب أنه مات قبل البعث بسنة أي نحوسنة 611 م (البغدادي، 1347 ﻫ .ق: 2/84). فإذا صحّت روايته ولا ندري مستندها، فيكون زهير قد جاوز الثمانين، وتكون رواية الأغاني باطلة. ومهما يكن من شيء، فإنّ الشاعر كان من المعمّرين ، ومات على جاهليته سواء أدرك البعث أم لم يدركه (البستاني، ص 130)

‎أدبه :

‎لزهير بن أبي سلمى ديوان في الشعر انطوى على مدح لهرم بن سنان وأبيه وقومه، ومدح للحارث بن عوف، كما انطوى على بعض الهجاء والفخر. وأشهر ما فيه المعلّقة. معلّقة زهير ميمية من البحر الطويل تقع في نحوستّين بيتاً، نظمها الشاعر عندما تمّ الصلح بين عبس وذبيان عقب حرب السباق، وقد مدح فيها المصلحين، وحذّر المتصالحين من إضمار الحقد، ووصف الحرب وبين شرّها، وختم كلامه بمجموعة من الحِكم. وقد ظهرت المعلّقة مرتَّبة وفقاً للأقسام التالية:

‎التغزّل ، ووصف الأطلال وذكر الرحيل.
‎مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف: كيف أصلحا بين المتحاربين
‎نصائح للمتصالحين: أ- يجب الاّ يضمروا الحقد لأنّ اللّه عالم بما في الصدور. ب – تحذيربني عبس من الحرب: وصف أهوالها ونتائجها. ج - الإعتذار عن بني ذبيان: ذكر حصين بن ضَمضَم.
‎الحِكم (أفرام البستاني، 1993م: 1/82)

‎طارت لزهير شهرة واسعة في عالم الأدب والسياسة، وهوأحد الثلاثة المقدَّمين على سائر شعراء الجاهلية: امريء القيس، وزهير والنابغة. والنقّاد مجمعون على نقل رأي عمربن الخطاب في زهير«كان لايعاظل (لايدخل بعض الكلام في بعض)، وكان يتجنب وحشي الكلام، ولم يمدح أحداً إلاّ بما فيه (الأصفهاني، 10/337). وقال ابن سلاّم الجمحي: «إنّ من قدّم زهيراً احتجّ بأنه كان أحسن(الشعراء) شعراً، وأبعدهم من سُخف وأجمعهم للكثير من المعاني في قليل من الألفاظ» (الجمحي، 1408 ﻫ .ق: ص 25). وقال ابن قتيبة: «إنّ زهيراً كان يتألّه ويتعفّف في شعره» (القيرواني، 1401 ﻫ .ق: ص 123).

‎وعني زهير بشعره فكان كثير التنقيح والتهذيب له حتى زعموا أنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، وينقّحها في أربعة أشهر، ثمّ يعرضها على أصحابه في أربعة أشهر، فيتم ذلك في حول (عام) كامل. من أجل ذلك عرفت قصائده بالحوليات. وزهير من أشدّ الشعراء الجاهليين دقّة في الوصف، واستكمالاً للصورة الحسية بطريقة متسلسلة ترضي العقل والخيال معاً (نيكلسون، 1380 ﻫ .ش: ص 141).

‎ديوانه :

‎لديوان زهير بن أبي سلمى روايتان مطبوعتان: الأولى رواية الأصمعي البصرية والثانية رواية ثعلب الكوفية. رواية الأصمعي بشرح الشنتمري نشرها لندبرج (Landberg) السويدي سنة 1889م ونشرت في مصر. وتمتاز بالتشدّد في الرواية، ولا تحتوي سوى ثماني عشرة قصيدة ومقطوعة. ورواية ثعلب نشرت في القاهرة. وتزيد على رواية الأصمعي بعشرات القصائد والمقطوعات، ويرفضها العلماء لعدم التثبت في روايتها (آذرشب، 1384 ﻫ .ش: ص 69).

‎زهير شاعر الحكمة:

‎مصدر حكمة زهير:

‎نصب زهير نفسه قاضياً وحكماً، وأخذ على عاتقه إصلاح مجتمعه، فعمد إلى الإرشاد والنصح، ونطق بالحكمة مضمّناً لها عقيدته ومذهبه في الحياة، وجعل من حكمته هذه دستوراً مفصّلاً لتهذيب النفس، وحسن التصرف والسياسة الإجتماعية البدوية. عاش زهير أكثر من ثمانين عاماً فعرف الحياة وخبر حلوها ومرّها، فأملت عليه شيخوخته الحكيمة الهادئة، وخبرته الواسعة، وغيرته على الإصلاح القبلي، آراءه الحكمية، وزاد عليها ما سمعه من أفواه الناس. كانت حكمة زهير وليدة الزمن والإختبار الشخصي والعالمي البعيد عن ثورة العاطفة واندفاع الأهواء، وليدة العقل الهاديء الذي يرقب الأحوال والناس ويستخلص الدروس التي توصل إلى سعادة الحياة الجاهلية (الفاخوري ، 1377 ﻫ .ش: ص 156).

‎قيمة حكمة زهير:

‎حكمة زهير أوسع نطاقاً من حكمة طرفة بن العبد، ولكنها دونها حياةً وتأثيراً. وهي ساذجة في أكثرها، بعيدة عن كلّ تفكير عميق، وثقافة وعلم، يرسلها الشاعر إرسالاً ولا يربط بين مختلف الآراء فيها، وهوإلى ذلك يوردها بطريقة تعليمية جافة، ويحاول دعم كل رأي من آرائه ببرهان هونتيجة المخالفة وعقوبة العصيان . وهكذا كان دستور البدوي تامّاً ، يتضمن نظام العمل ونظام العقوبات (نفسه، صص 158-157).

‎خصائص حكمة زهير:

‎حكمة زهير وليدة الزمن والإختبار والعقل المفكر الهاديء الذي يتطلع إلى الحياة تطلع رصانة وتقيد بسنن الأخلاق الخاصة والعامة. وهكذا فالشاعر رجل المجتمع الجاهلي الذي يؤمن بالآخرة وثوابها وعقابها، ويؤمن بأن الحياة طريق إلى تلك الآخرة، وبأن الإنسان خُلق لكي يعيش في مجتمع يتفاعل وإياه تفاعلاً إنسانياً بعيداً عن شريعة الغاب، وبعيدا عن القلق والإضطراب . وهكذا فزهير ابن الجاهلية وهوابن الإنسانية أيضا، يعمل على التوفيق بين الروح الجاهلية والنزعة الإنسانية في سبيل سعادة فردية واجتماعية (الفاخوري، 1422 ﻫ .ق: ص 217).

‎وزهير خبير بأحوال الناس ونزعات طبائعهم، وهويحسن التفهّم لمعنى الإستقامة والإعوجاج، ومعنى الرذيلة والفضيلة ، والعوامل التي تصدر عنها أعمال الناس في خيرها وشرّها، فيعمل على معالجتها في الظاهرة أكثر مما يعمل على معالجتها في الأسباب والجذور. وذلك أن الرجل جاهلي وهويخاطب مجتمعاً جاهليا. والرجل والمجتمع بعيدان عن العلم، بعيدان عن نزعة التحليل والتأمل ، يفهمان الأمور على أنها ظاهرات حسية ، وعلى أنها ذات نتيجة خيرّة أوشرّيرة،في غير تعمق ولا تفلسف. ولذلك ترى الشاعر يقتصر على الظاهرة. ويبرزها في سهولة وصراحة وجرأة، لا يطلب إعجاباً بقول، ولا ثناء على بلاغة، ولا يهدف إلاّ إلى الإصلاح والإرشاد، في استقامة خطّة، ووضوح معنى، وبساطة عبارة، ودقّة أداة. ولهذا ترى جميع أبياته الحكمية قريبة المنال، بعيدة عن التعقيد والغموض، وكأني به لايقول إلاّ ما يعرفه جميع الناس (نفسه، ص 219-218).

‎وزهير رجل الإتزان والتأني لأنه نشأرزيناً، وشاخ رصينا وقورا، وقد أضفى رصانة شيخوخته على أقواله، فتضاءلت فيها العاطفة، وتقلّص ظل الثورة الهادرة، وتجمد الخيال في واقعية الصورة والحقيقة، فأتت أقواله جامدة خالية من الماء والرّواء، تتوجّه إلى العقل أولاً، وتنزع منزع المصارحة التي لا تثير الأعصاب إلاّ بقدر محدود، أضف إلى ذلك أن زهيرا سيّد في قومه، وإنه يتكلم كلام السيد الذي تعوّد أن يأمر وينهى، وهورجل الحكمة والفطنةالذي يجعل أوامره ونواهيه في شكل نصح وإرشاد يخففان من وطأتها ويحدّان من حدّتها. إلّا أن هذا الجمود لا يخلومن عاطفة عقليةتعمل على إثارة روح الإباء، وإيقاظ عاطفةالشرف،كما أنه لا يخلومن الصورة التي تجسم وتوضح في غير زهوٍ ولا تحليق (الفاخوري، 1991م: 1/251).

‎وهكذا فأسلوب زهير في حكمه أقرب إلى الأسلوب التعليمي في هدوئه ورصانته وجفافه. وإنك تلمس الرصانة في الوزن الشعري، وفي حسن إختيار الألفاظ والعبارات، وفي الوضوح الفكري، والسهولة الأدائية. وذلك أنّ زهيراً يرمي إلى النفع، ولا ينظم لإرضاء الفنّ الصافي، ولا لإرضاء الحاجة الشعرية فيه، وهولأجل ذلك يأخذ شعره بالثقاف والتنقيح والصقل، وكأنه يفحص ويمتحن كلّ قطعة من قطع نماذجه، فهويعني بتحضير موادّه، وهويتعب في هذا التحضير تعباً شديداً، وقد نُسب إليه «الحوليات» التي قيل أنه كان يقضي حولاً كاملاً في نظمها، ثم في تهذيبها، ثم في عرضها على أخصّائه (نفسه، 1/261).

‎ هكذا أورد زهير حكمه وأدلى بآرائه، وقد نظر إلى الحياة نظر من سئم مشاقّها وغموض مستقبلها، وخبط الموت فيها خبطاً أعمى لا تمييز فيه بين كبير وصغير، وصالح وشرّير، وهكذا فالسّأم عنده ثمرة الإنحلال والصعوبات التي تعترض الإنسان، وليس في نظرته تشاؤم، ولا تهرّب، ولا انقباض، ولكن فيها إقراراً بواقع يأخذ به في غير نقاش ولا جدل، ويعمل على أن يعيه الناس وعياً حقيقياً وأن يتصرّفوا تصرّفاً مُستوحى من حقيقته القاسية (فرّان، 1411 ﻫ .ق: ص 100).


رد مع اقتباس